في كردستان الارتشاء لأجل التظاهر

فرات المحسن
2017 / 12 / 20


هل من الممكن أن تكون الجماهير الكردستانية خرجت للتظاهر بعد أن قبضت من الخارج ثمنا لتظاهراتها؟؟!!
سؤال كبير، ولكن السيد البرزاني ومجموعته أعلنوا أن مثل هذا ليس بغريب وحقيقة حدثت، فقد قام البعض من المتظاهرين باستلام مبالغ لغرض الإعداد للتظاهرات، وأيضا حرق مقرات الأحزاب ومؤسسات الدولة.
جائز بل هو حقيقة بأن أي مظاهرة تنطلق تحوي بين حشودها من غير الأسوياء ومن المندسين لأغراض معينة، منها أحقاد شخصية أو سياسية أو حتى اجتماعية أو لأسباب غير تلك، وجميعها يدخل تحت يافطة الهوس الجماهيري.
فعل إحراق المؤسسات والمقار الحزبية وأي بناية عامة فعل مدان وغبي، ويعود مردوده في النهاية على المتظاهر نفسه أو بعموم المواطنين والبلد. فلماذا يمارس هؤلاء هذه الفعلة الغبية والخبيثة.
مثل هذا الآمر يحتاج لتحليل نفسية الإنسان المقهور وكذلك خلفية الحدث وبعموم المشهد دون تجزئة، وبالذات السبب في نزوع المرء للعنف، عندها نتعرف على مسببات ردود فعل الإنسان المحبط المقهور الواقع تحت سطوة وتعذيب السلطة، ونشاهد كيف يتجاوب ويتساوق مع قسوة وقهر السلطة وعدم مبالاتها وإهمالها لهمومه ومشاكله واحتياجاته، فيقابلها بردة فعل عدوانية يعتقد أنها سوف تؤلم الحاكم وتوجعه.
خرج علينا بعض الأصدقاء الأحبة بفلم عن مظاهرات كردستان يرافقه تعليق يتهم إيران بتدبير تلك التظاهرات. بشكل ناجز يمكن القول أن الفلم معد من قبل مجموعة السيد البرزاني وليس من قبل الطرف الأخر الطلباني بسبب علاقة الأخير بإيران، مما لا يسمح له اتهامها مثلما فعل صانعو هذا الفلم. إيران باتت شماعة قوية لتعليق الشبهات والاتهامات والمكائد والأخطاء، فتعليق المصائب برقبة إيران صار أسهل من شربة ماء، ويقف بجانب هذا التأويل المخادع أمريكا وإسرائيل والسعودية ومصر والخليج جميعا، وجبهة ليست بالضعيفة من العراقيين. وفي قولي هذا لا أدافع عن الأفعال الإيرانية التي لا تمثل في الكثير منها غير إيذاء متعمد واستهانة بقدرات الشعب العراقي وحتى بقادته وتاريخه، وليس هنا مجال لاستعراض ذلك.
على مدى سنوات طوال وضعت تحت يد سلطة السيد مسعود البرزاني موارد ضخمة أختصرها هنا بالمنافذ الحدودية وموارد تصدير النفط دون رقابة، مع 17 % من موارد الدولة العراقية. ومع كل تلك الموارد فقد تسببت السياسات الخاطئة والسرقات انهيار الواقع الاقتصادي وتجويع قطاعات واسعة من الشعب الكردستاني، وكان التبرير لتلك الأزمات وخاصة أكبرها وهي الأزمة الاقتصادية، يرمى بإجحاف وتضليل على عاتق الدولة الاتحادية.وأيضا لا يعني ذكري لهذا، إنكاري لبعض السياسات الخاطئة للسلطة في بغداد تجاه إقليم كردستان. كذلك فالمحافظات الخاضعة لسلطة بغداد شاهد حي على العديد من الأخطاء الفادحة والقباحات المقترفة والإهمال المتعمد للبناء التحتي والدمار الذي أصاب جميع مناحي الحياة، وترافق ذلك مثلما في كردستان مع سرقة المال العام واختفاء المليارات لصالح رجال السلطة ومرتزقتهم، لذا لا يمكنني الدفاع عن حكومة بغداد عند توجيه الاتهام لسلطة السيد مسعود البرزاني وحلفاءه.
في كردستان وطيلة العشر سنوات الماضية تم سرقة أغلب العائدات المالية لصالح أحزاب السلطة وقسمت بينهم أغلب الواردات، واختفت لعدة أعوام موازنة الإقليم لصالح السيد مسعود البرزاني وعائلته وحلفاءه، وترافق ذلك مع خنق الحريات المدنية، وعتم على العيوب، وشكلت مليشيات لقمع أي رأي مخالف وخنق الإعلام، وروج للدكتاتورية، وأصبح الوضع في كردستان لا يطاق، بسبب تلك السياسات العجفاء والقاسية. ففي إربيل لا يمكن مع وجود نظام بوليسي قمعي، القيام بأية تظاهرة أو مخالفة للرأي، ومخالفة الرأي سوف تواجه بالتكميم والتعتيم وحتى القتل. وجراء كل تلك التعديات شهدت وتشهد مدن إقليم كردستان تظاهرات عارمة تندد بالأوضاع السيئة التي يعيشها الإنسان الكردستاني بسبب سياسات السلطة وأساليبها القمعية وتجويع المواطن بسبب عدم دفع الرواتب أو سرقة جزء من الراتب بمسمى الادخار الإجباري، ودون الإعلان عن مداخيل الحكومة وعائداتها المالية.
في لمحة حكيمة من قبل الأمير صباح السالم الصباح أمير الكويت قدم ما يقارب 60 مليون دولار لمحاربة صدام وإخراجه من الكويت، وبعد أن تحررت الكويت من احتلال الطاغية صدام وقذاراته ، منح الأمير الكويتي مبالغ للكويتيين لمساعدتهم على إعادة ترتيب حياتهم الجديدة بعد العودة، لم يخرج الكويتيون للتظاهر ضد ألأمير واحتفظوا له بلمحته الكريمة وعدوها فعلا يستحق التمجيد والمحبة.
ما يملكه السيد مسعود البرزاني لوحده من أموال حصل عليها طيلة فترة حكمه ولحد الآن تكفي ليس لدفع الرواتب والأجور لجميع العاملين وإنما إخراج أقليم كردستان من محنته وبناءه وجعله قبلة للناظر، وإعطاءه وضعا خاصا يتحدى به علاقته بالعراق ومحيطه الإقليمي، ويقدمه مثال لوطن مزدهر بعمرانه وحرياته وحضارته، عندها سوف يكون إقليم كردستان العراق مثالا يحتذى به ورسالة حية للنضال والتحضر والعناد والمكابرة لجميع أقاليم الكرد الأخرى، ليصبح عند الجميع هدف وطن الكرد الكبير على أبعاد قريبة وتحت النظر .
ولكن أين السيد مسعود البرزاني ورهطه من هذا، وهم يقرضون كل ما يقع أمامهم دون حياء ويجلسون في قصورهم العامرة يتلذذون بطيب الطعام وفاخر الملابس على حساب جوع الشعب الكردي الفقير الفاقد لأبسط وسائل العيش الكريم .
أين السيد مسعود البرزاني وحاشيته وحلفائه من الذي يحدث داخل المدن والقصبات من أوجاع وآلام وخيبات وجوع، فهل تراه يفرط بالمليارات التي سرقها من قوت هؤلاء الجياع ليقدمها أو الأحرى يعيدها لصالح هذا الشعب الذي دائما ما أراد له السير خلفه لصناعة مجد شخصي وعائلي. فما الذي يجعله يحجم عن فعل هذا إن أراد إنقاذ الإقليم والوقوف بوجه أعداءه مثلما يدعي. فجوع المواطن وقسوة أوضاعه وتكميم الأفواه، هو من أجبر هذه الجموع للخروج بالتظاهر وليس رشوة إيران أو غيرها فهذا الشعب المقهور المكبوت، أن تمعنتم جيدا وبأنصاف وضمير، لا يحتاج للرشوة ليخرج للتظاهر.