جميعُنا قتلة … لا أستثني أحدًا

فاطمة ناعوت
2017 / 12 / 20




عزيزي القارئ، كم شخصًا قتلت اليومَ؟ لا تتعجَّلِ الإجابةَ النافية رجاءً وتقول مستنكرًا: "ما أنا بقاتل!" فجميعُنا قَتلَ مراتٍ عديدة، عمدًا ومع سبق الإصرار والترصّد.
قبل أسبوع، جمعني عشاءٌ في مؤتمر عن الصحة النفسية بصديقي الفنان هاني رمزي . وبينما نُنصِتُ باستسلام ورهبة إلى نغماتِ البولندي العظيم "فريدريك شوبان"، بتوقيع أنامل المصري العظيم "رمزي يسّى" على البيانو، كان كلُّ واحدٍ منّا يُفكّر في أزماتِه النفسية مع الحياة، ومع الناس، ويحاول غسلها بشلال النغم. بعد انتهاء العزف الآسر، رُحنا نتكلم عن حالات نعرفها من الناس، تعرضوا للضغط النفسي.
حكيتُ عن أعظم مريضة نفسية في الوجود، فرجينيا وولف، التي صنعت مجدَها الأدبي رغمًا عن، أو ربما بسبب، إصابتها باضطراب المزاج ثنائي القطب Bi-polar Mood Disorder. الذي دفعها للانتحار غرقًا؛ حين أثقلت جيوبَ معطفها بالأحجار، ونزلت نهر "أوز" بانجلترا، لتنتهي حياتُها الثرية عام 1941. هي البريطانية اللامعة التي غيرت مسار الرواية في أوائل القرن الماضي، والتي أفخر دائمًا بأنني ترجمتُ للعربية كتابين من أعمالها الخالدة صدرا عن المركز القومي للترجمة.
ثم جاء دور هاني ليحكي لي عمّن صادف من المأزومين نفسيًّا. حكى لنا عن الممثلة “حنان الطويل" التي شاركته فيلمه الجميل: "عاوز حقي". في أحد أيام عام 2003، دخل "هاني رمزي" لوكيشن التصوير فوجدها تبكي والناس من حولها يضحكون. ثم عرف أنهم يسخرون منها حين انتشر خبرُ أنها كانت رجلا وتحوّلت بالجراحة إلى امرأة. بعد تلك الواقعة، دخلت "حنان الطويل" المصحة النفسية، وماتت. انتحارًا كان أو غير انتحار، المهم أنها لم تعد موجودة. هل تذكرونها؟ هي صاحبة الجملة الضاحكة الشهيرة: “البيت ده طاهر وهايفضل طول عمره طاهر.”
لكن هناك فارقًا هائلا بين موت"فرجينيا وولف" وموت "حنان الطويل”. الأولى لم يقتلها أحدٌ. بل دعمها كلُّ من حولها من زوج وأصدقاء وجيران وأهل، للحد الذي قررت معه الرحيل حتى ترفع حملها عن الجميع، كما ورد في رسالتيها اللتين تركتهما لزوجها. كان مَن حولها متحضرين. أما حنان الطويل، فكانت أسرتها متحضرة داعمة، لكنها تعرضت للاغتيال الجماعي السافر السافل من المحيطين والجيران والجهلاء من زملاء المهنة. هذا قتلٌ عمدٌ لا رحمة فيه.
كلُّ كلمة سخرية سخرنا بها من شخص مأزوم، قتلٌ عمد. كلُّ شائعة روّجناها حول إنسان، قتلٌ عمد. كلُّ مساعدة لم نؤدّها إلى شخص يحتاجها، قتلٌ عمد. جرائم القتل العمديّ، لا حصر لها، وجميعُنا ارتكب شيئًا من تلك الجرائم، ونحن نبتسم!
هل تذكرون حلقات القتل الجماعية الرخصية التي دارت حول الفنانة "صباح" لأنها تخطت الثمانين من عمرها؟ نكاتٌ بذيئة كانت تنطلق كل نهار من أفواه كريهة، حول الجميلة التي أمتعتنا بصوتها الاستثنائي، ومازالت. لصالح مَن؟ صالح القبح والتفاهة والرخص والقتل العمديّ. وفي المقابل، انظروا إلى الأوروبية "دورو ديكاستر" التي احتفلت بالأمس بعيد ميلادها ال 102، بالقفز بالمظلة فوق سطح البحر. وقف الناس يصفقون لها بحب وإعجاب. تُرى هل بوسع مشهد رائع كهذا أن يحدث في المنطقة العربية؟! نحن غير متحضرين بكل أسف، نُحصي على المسنين سنواتهم، وكأننا ندفعها من أعمارنا!
التحضّرُ هو القدرة على معاملة الآخرين برِقّة وتهذّب. التحضُّرُ هو الحب. وبهذا المعيار قِسْ درجة تحضرك، وتحضّر العرب.
عزيزي القارئ. اجلسِ الآن على التشيزلونج في ركنك المفضل بالبيت. خفِّف الإضاءةَ من حولك، وأغمض عينيك، وراجع شريط حياتك، ثم احصِ عدد قتلاك. وقبل أن تنهض لتعيد دفن ضحاياك في قبر ذاكرتك من جديد، توضأ وصلِّ لله واستغفرْ؛ عَل الَله يغفر لك. والأهم من طلبك غفرانَ الله، لأنه الغفور الأرحم، أن تغتسل من دم ضحاياك. وذلك لن يكون إلا بأن تتعهد أمام نفسك بأن تزِن كلماتك التي ستخرج من فمك بميزان الذهب "قبل" أن تخرج، وليس بعد خروجها. لأن الرصاصة التي تنطلق من فوهة الغدارة، لا تعود أبدًا. وأبدًا.
عزيزي القاتل، أُعزّيك في قتلاك، وأعزّي نفسي في قتلاي. وطوبَى للرحماءِ لأنهم يُرحمون.