- ألف ليلة وليلة- والروس والعَبَرات والدهاليز النتِنة!

ناظم الديراوي
2017 / 12 / 18

"ألف ليلة وليلة" والروس والعَبَرات والدهاليز النتنة!
ناظم الديراوي

يتفق المؤرخون على أن الاستشراق الروسي التعليمي والأكاديمي، ومنذ عشرينات القرن التاسع عشر، قد ساهم في زيادة الاهتمام في روسيا القيصرية بالإرث المكتوب للحضارة العربية والإسلامية. وبات المضمون الأساسي للأدب العربي، عند الباحثين والأُدباء الروس، يتحدد في تجسيده أصالة الحياة الاجتماعية والروحية للشعب العربي ومصيره التاريخي. ومنذ النصف الأول من القرن ذاته شهدت روسيا القيصرية حركة ترجمة نشطة لعدد كبير من مدونات الموروث العربي والإسلامي الأدبية والتاريخية والدينية. وتركزت جهود المستشرقين على المؤلفات الأساسية ذات الصلة بمناهج تعليم اللغة العربية وآدابها، وتاريخ العرب والمسلمين، والديانة والعقيدة الإسلامية وشريعتها، وصرفوا جُلَّ علمهم في تحقيق وترجمة المخطوطات العربية النادرة المحفوظة وبوفرة في خزائن معاهد وكليات الاستشراق الروسي. وننوه بأن المستشرقين والدبلوماسيين الروس شرعوا، منذ عصر بطرس الكبير (1682-1725)، في جمعها رسمياً بتوجيه من الوزارات والدوائر المعنية، حتى غدت روسيا في العصر السوفييتي إحدى دول العالم الخمسة ( تركيا، إيران، مصر، العراق وروسيا)، الأكثر اقتناءً للمخطوطات العربية والإسلامية.
ألف ليلة وليلة
ولذا ليس من قبيل الصدفة في رأي المستعربين الروس، أن تتجلى من قرن لآخر وبقدر متزايد دوماً المزايا الفنية الرفيعة للأثر الشعبي العربي "ألف ليلة وليلة". والممتع ذكره أنَّ الكاتب والناقد القدير نيكولاي تشيرنيشيفسكي (1828-1889) أشْهَرَ إعجابه الشديد بهذا الكنز الأدبي الأكثر شهرة في العالم، في كتابه (قصة القصص). وقال أنّه صادف في الأدب العالمي نتاجات أردأ منها (الحكايات)، ولكنه لم يصادف ما هو أفضل منها مطلقاً. ولعلي كنت شاهداً، في أواخر ثمانينات القرن الماضي أثناء دراستي الجامعية في لينينغراد، على تلك المقايضة الحضارية المدهشة المتداولة بين مطابع الحكومة السوفييتية والقارئ الروسي، الذي كانت إحدى أُمنياته الحصول على نسخة روسية فاخرة من مجلدات (ألف ليلة وليلة). والطريف أنَّ كل ما كان عليه هو جمع عشرات الكيلو غرامات من الجرائد والمجلات التي قراءها على مدى أشهر طويلة وَرَزْمَها بعناية. ويومها لاحظت تلك البهجة الفاخرة التي غطت وجوه أولئك الذين ضفروا بهذه الغنيمة الباذخة مدفوعة الثمن. يا لها من معادلة بديعة وبسيطة! ومع هذا، يبدو مجموعها ومحصولها واحداً! هو تشجيع الناس على القراءة، قراءة تراث شعوب الشرق الإسلامي وغير الإسلامي. ولا أدري أُي شعور تملكني وأنا أراقب ذاك المشهد، الذي لم أعرف له مثيلاً في بلادنا، بلاد (ألف ليلة وليلة)! أهو الاعتزاز بإرثي الأدبي الباذخ؟ أم القنوط وتكسر العَبَرات في صدري على حال المبدعين والقراء العراقيين والعرب الذين كانوا يلاحقون ويزجون في زنزانات ودهاليز نتنة دامسة الظلام مروعة؟ فقط لأنهم قرأوا كتاباً، أو تداولوا قصيدة كتبها شاعر اعتز بقومه أو ثقافته أو حتى حبيبته! واليوم، بعد نحو ثلاثة عقود، أقول؛ هل من المعقول بل ومن الواعز الديني أو الخلقي أن يُحرم مواطن عربي من رؤية بلده عشرات السنين أو يُذل ويقهر في زنزانات أنظمة الاستبداد والطغيان، ولا أقول تنتزع روحه انتزاعاً غير مأسوف عليها! لأنه أعجب وحسب بثقافة وأدب شعب ما أو ترجم ضرباً منهما! وما هو مدهش حقاً أن العرب تعلم أبناءها منذ الصغر، وبإصرار، مادتي القراءة والإنشاء (التعبير) في مدارسها الحكومية والأهلية، وحين يبلغ التلميذ من الوعي أشده والإبداع الملحوظ يداهمه على غرة بلاء المعرفة وأهوالها، التي يحسبها الآخرون هبة الله لبني أدم ونعمته. وما أعرفه وغيري أن العرب هي مَنْ قالت قبل نصف قرن من الزمان وأزيد؛ ( القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ)! يا إلهي أين عراق اليوم من هذه النعمة!