الدولة البهلوانيَّة: المثقف والإعلامي

سامي عبد العال
2017 / 12 / 18

ضمن حفريات السياسة: عندما لا يُوجد ثمة انجازٌ فعليٌ يتحول الواقع إلى صور مزيفةٍ. وهذه آلية دعائية تُسوِّق لإنجازات وهمية- ينشرها عادة الرؤساء وتروجها الأنظمة الحاكمة- ولا يجد المتلقي بعدها أثراً. ناهيك عن كونِّها نتيجة مؤديةً إلى تسطيح الوعي واختزاله بشكلٍّ مقلوب. أي جعله مرهوناً بما نزعم من أخيله ووعود وخطابات ديماجوجية في أسواق المجتمعات.

والدِيماجوجِيّة أو الغَوْغَائِيّة بالإنجليزية: Demagoguery من اليونانية ديما، من ديموس δῆμος شعب، وغوجيا من أگين ἄγειν قيادة. وهي إستراتيجية لإقناع الآخرين استناداً إلى أفكارهم المسبقة. بالتحديد تشير إلى إستراتيجية سياسية للحصول على السلطة وكسب القوة السياسية بواسطة التفضيلات الشعبية مراهنةً على توقعات الجمهور ومخاوفه الشائعة. وهذا لا ينفصل عن الخطابات الحماسية التي تستخدم القضايا القومية والشعبية في استثارة عواطف الجماهير وغرائزهم. وتوجد في أغلب الأطياف والأيديولوجيات: قومية، دينية، إرهابية، حزبية، اجتماعية.. وغيرها.

كلُّ ذلك مقابل أنْ يصبح الانجاز المزيَّف حقيقةً بحد ذاته، بل أكثر وجوداً من الحقيقة. لأنَّ الدولة تتحول- بمؤسساتها ومظاهر الحياة فيها- إلى ماكينة مادية قائمةٍ على الإدعاء وتستمر كياناً سرطانياً ضد ذاتها بالمعنى المقصود. ومن ثم لن تستطيع العودة عن ذلك، بل ستبقى في حاجة لمن يمدد طريقاً كهذا إلى نهايته حتى تستفيق بكارثة.

بهذا المفهوم تنطوي الدولة العربية تاريخياً على فائض تزييف لا حدود له. وهذا آتٍ من مخزون الحماسة والفخر والمنافحة عن القبيلة وأشعار المديح والخطابات الدينية التي تقدس الحكام والمسئولين وخلط الدين بالسياسة في المناسبات والأعياد والشعائر والطقوس. وهذا جميعه تبلور وترسَّب وتفلتَّر ثقافياً في حواشي السلطة ورمزية الرئيس أو الملك أو الأمير ثم اكتسب سلطة العقيدة... فجاءت الدولة لتعطيه شرعية. وفجأة لا ندري كيف نشأت، ولا كيف تحولت، ولا كيف تقاد وسط تلك الرمال المتحركة من الصور البلاغية والاستعارات الحربية والميتافيزيقية؟ والدولة العربية تقنية سياسية غارقة في هذا الرصيد من الموروثات الأكثر راهنية. حتى أنَّها تحُول دون رؤية العالم المعاصر وتحولاته. وجزء من الفشل السياسي لتلك الدولة يرجع في أسبابه إلى الفكرة الذهنية العاكسة لمجريات الأمور بهذا المنطق.

وأقرب الكلمات المعبرة عن هكذا وضع في السياق العربي هي " البهلوانية " كمساوية للديماجوجية. والبهلوانية السياسية political acrobatics كلمة دالة على ألعاب وحيل سياسية – دون حدودٍ- كجزء من عتاد ركوب الجماهير وتفريخ الأخيلة المرغوبة في ذهنياتهم وشحن أجسادهم بأوامر القطيع. وتلتقي البهلوانية مع معاني التحريف، الإيهام، الإسقاط، قلب الأفكار، الفشر، التفحيط الخطابي Tvhit) discursive show) في علاقة عضوية إجمالية اسمها الدماغ العام.

فالسياسي يرسخ لدى المواطنين أنَّه يفعل وينجز ويأخذ مواقف ويبدع ويسير في صالحه بينما هذا لا يعدو أن يكون قفزات في هواء معبأ داخل الدماغ. والأخير مساحة هوائية إستراتيجية أشبه بغريزة الافتراس لدى الحيوانات المتوحشة. الفارق أنها لدى السياسي تُهندم وتهذب في صور غير نمطية من الخطابات البلونية غايتها نقل الوهم في شكل يقين غير مباشر. لصناعة الرأي وتشكل الاعتقاد والثقة الممنوحة بلا مقابل. ونشر صور الخفة والبراعة في استعمال اللغة دون التجربة والخبرة. وهذا هو المحيط الفعلي للدولة البهلوانية acrobatic state قديما وراهناً.

وقد ظهرت تلك الآلية في تاريخ العرب الحديث والمعاصر. فدولة عبد الناصر القومية بنيت على مشروعات أيديولوجية كجزء من حروب الأفكار في المنطقة. وربما هو ما أحدث انتفاخاً سرابياً للأيديولوجيات القومية. وقد سبّبَ هذا انتفاخاً مماثلاً للأيديولوجيات الدينية جنباً إلى جنب، فلماذا كان عليها هي الأخرى أن تتقهقر في عصره؟ ولماذا تلتوي على نفسها كالثعبان بينما سواها يتمدد بحجم الشرق كله؟! كما أن إسباغ الصفات المقدسة على هذا الوضع جعل هناك مجالاً للتحليق دون أجنحة فعلية؟

المهم أنَّ تلك الدولة الناصرية كانت تخرج إفرازات دعائية مهولة ولاسيما مع مناطحة الصهيونية والرجعية والإمبريالية العالمية. حتى أننا كنا نسمع محاطات إذاعية بامتداد الوطن العربي آنذاك تتوعد إسرائيل والقوى الغربية الداعمة لها بالرمي في البحر والذبح على أرض فلسطين بين يوم وليلة. كلُّ ذلك دون أن يحدث شيء على الأرض، إنما حشو الأدمغة ولحس الأفكار اللزجة كانا من لوازم المرحلة وبطريقة سياسية وكجزء من الوسائل التكتيكية في الثقافة والصحافة والتعبئة الحشدية للمجتمع.

وبصرف النظر عن أسباب هزيمة المشروع الناصري مادياً إلاَّ أن السبب البليغ أن الدعاية ضخمت الصورة المزجاة للواقع على حساب الواقع. فانقلبت الصورة إلى حقيقة دون أنْ تكون. وليس ثمة تفسير للانكسار الرهيب بعد العام السابع والستين، عام النكبة، إلاَّ بفضل هذا الانتفاخ الخطابي الذي هوى( بطريقة أم كلثوم: كان صرحاً من خيال فهوى). لأنَّ الدعاية تترك قدراً من التمثيل الذي ينجز الأشياء ويقطع المراحل دون أن يفعل شيئاً. وعندما يظهر عكس ذلك فعادة يكون باصطدام الوعي بمأساة الواقع الذي غاب ردحاً طويلاً.

الموضوع عبارة عن مقايضةٌ كالتالي:عندما نكذب ونطيل حبال الخيال لدى المتلقي تصبح النتيجة عكسية إذ يتضخم ما نقول على حساب الأفعال. ولأن الكذب سياسياً هو معادل الحقيقة لا غير، فإنه يمثل قاعدة تقييم كل الوقائع الممكنة. بل ما لم نعش في نسختها الموهومة لن نستطيع عندئذ أن نتكيف مع الحياة. فلابد من تصديق الكذب والدفاع عنه إلى أخر نفس. وقد لا يكون ذلك عادة بمسؤولية أخلاقية لكنه بضغوط عاطفية ونفسية صرف. لأنَّ الذي لا يصدق كذبه(أو بالأقل ليس لديه طاقة لذلك) ما كان له أن يكذب منذ البدء وما كان له أن يعيش فيه حتى نهاية الآجل السياسي.

تلك لعبة الثقافة والإعلام بالنسبة لدول لا ترى واقعها الآسن ساعية بالوقت ذاته لأنْ يراه مواطنوها كيفما تريد. وإذ تعجز الدول المسماة عربية عن تلك القفزة الاستعراضية، تنشئ طابوراً من المثقفين والإعلاميين للقيام بالمهمة. لا تقبع دولة من هذا الصنف على خريطة العرب دون هؤلاء المثقفين المهجنين بكائنات إعلامية تخرج ليلاً ونهاراً في مديح الرؤساء والملوك وهيكل السلطة كهيكل سليمان الغابر.

إذن الإعلام والثقافة هما خشبات العرض لتلك الأزمة في عمق المجال العام. لسبب بسيط إذا كانت الطبيعة تزود إنساناً بقدرات وحيل الحياة، فالمثقف والإعلامي تزودهما السياسة بفنون استعراضية أكثر دهاءً. وقد جعلوا من الخطاب الثقافي – الإعلامي حلبة للصراع مع أشباح الدولة. منطق الدولة العربية لا يعتمد على حرية الفكر والرأي والتغبير وسيولة التغيير، بل كيف يتم إدارة السيولة بانعدام إمكانيتها ابتداءً. على اعتقاد أن غلافها الإعلامي والثقافي بإمكانه القيام بذلك أو على الأقل تعطيله. ويستطيع حمايتها كما تقول المخاوف الشعبية من الفوضى والانهيار.

ولماذا نذهب بالفكرة للأمانة مباشرة؟! فقد لا تجند الدولة هؤلاء الرموز في سمائها. لكنها تلبد السماء بالغيوم السياسية ودراما الأحداث والإخراج السياسي ترك الأحداث مليئة بالكواليس. وتمهد مسرح الخطاب العام... عندئذ يدرك هؤلاء أين ألاعيب الحيوان السياسي وغرائزه الكامنة في إحساسهم وعباراتهم وأخيلتهم؟ وكيف يحركون غرائز القطعان اليومية ويتلاعبون بمشاعرهم؟!

وللخجل فإن الإعلاميين والمثقفين داخل هذا السيرك تركوا حتى " الديماجوجية المحترفة " ساعين وراء بهلوانية الردح والسب والتلاسن ونشر الغسيل القذر وتغييب الحقائق وتمجيد أشخاص السلطة ولحس الأيادي ومداعبة الغرائز واستعمال الجوع للمناصب كسباً للحظوة. الثقافة في هذا تعود إلى حاضنة صوتية ليست أكثر من ضرب الطبول على إيقاع سياسي. هذا بدلاً من نقد الأوضاع الرديئة وتجاوز المشكلات بحثاً عن آفاق جديدة وغربلة الآراء بتأييد قيم الحرية والانفتاح والتعدد.

لم يعد المثقف صاحب رؤى مبدعة بل خادم على مائدة تحمل من الفتات ما يتركها له سيده في القصر. ووسط جهالة الحكام وتقديم الشيوخ على المبدعين والمفكرين ماذا ننتظر من المثقف سوى أن يكون ( بردعة بغلة) السلطان. وأن يصبح أكثر الداعمين لفقهاء الظلام في نفق الدولة الضامنين لولاء الجماهير قبل ولاء العقول. ليصبح الواقع فقيراً بينما الأصوات السائدة تتغنى بانجازاته وفتوحاته المقدسة. ومازالت البهلوانية أكثر شراسة وستستمر فيما يبدو لأننا نمر بعصرها الذهبي...