جدل القوة والحق : ( 3 ) : رد على تعليقات على المقال السابق

أحمد صبحى منصور
2017 / 12 / 18


مقدمة : فى تعليق على المقال السابق قال الاستاذ اسامة قفيشة : ( في تصورنا لهذا المجتمع المتمدن و المتحضر بمدائنه بعناصره أيام موسى عليه السلام , لا يسعنا سوى الجزم بكثافة العنصر البشري و تعداده الهائل . يتطرق القرآن الكريم و يركز على عنصر الحكم و أدواته و على بني إسرائيل بقوميتهم و عرقهم , في حين غياب المشهد للعنصر الأهم و الأكبر و هو الشعب المصري الأصيل . و يبين لنا بأن بني إسرائيل كانوا أقلية قليله بالنسبة لباقي الشعب ( إن هؤلاء لشرذمة قليلون ) . و حتى هؤلاء القلة القليلة لم تؤمن لموسى و لم تتبعه , بل قلة القلة هم من آمن منهم ( فما امن لموسى الا ذرية من قومه ) , و هنا نلاحظ لفظ ذرية من بني إسرائيل هي فقط من آمنت بموسى عليه السلام , و نحن نعلم بأنهم اثنا عشر ذرية نسبة لأبناء يعقوب . نحن نعلم بأن موسى قد نجاه الله هو و من معه و الغرق كان من نصيب فرعون و جنوده الذين اتبعوه , و لم يردنا في كلام الله جل وعلا بأن موسى و من معه قد عاد لمصر فور غرق فرعون بل هناك إشارة لمكوثه في سيناء . و بناءاً على هذا نفهم بأن الجزء الأعظم من بني إسرائيل الذين لم يؤمنوا بموسى و لم يتبعوه استمر بقاؤهم في مصر بين الشعب المصري , و فهمي لقوله جل وعلا ( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) يشير لهم , و لا يشير لمن تبع موسى . ( و فيما يتعلق بلفظ ( فاتبعوهم مشرقين ) فمن وجهة نظري تشير للوقت و لا تشير للجهة الشرقية و هذا لقوله جل وعلا ( فأخذتم الصيحة مشرقين )أي وقت الشروق و لا تعني اتجاه الجهة الشرقية ) . انتهى ) . ونرد فنقول :
أولا :
نحن ندخل على القرآن نطلب الهداية والمعرفة وبدون رأى مسبق ، وبدون هوى شخصى أو وطنى أو قومى أو دينى . وبموضوعية باردة نسير مع ألايات نتدبرها وهى توجهنا ، وكل مرة وخلال أربعين عاما من البحث القرآنى نزداد بالقرآن علما ، ونزداد شعورا بأننا لا زلنا على ساحل المعرفة القرآنية . إنه ذلك الكتاب العظيم الذى لم يقرأه قبلنا ـ قراءة علمية ـ أحد من المسلمين . ولهذا تتوالى إكتشافاتنا القرآنية تصدم ( المسلمين ) ويتعرفون بها لأول مرة على القرآن ، مع أنه معهم ، كما هو معنا . الفارق فى أننا نتدبره نطلب الهداية ، وهم يقرآونه بالهوى من بداية التاريخ الفكرى فى حضارة المسلمين وحتى الآن . يقرأونه بمصطلحاتهم ومعاجمهم ـ وليس بمصطلحات القرآن نفسه ، ثم ينتقون من آياته ما يوافق ظاهرها هواهم ويتجاهلون أو يؤولون ما يخالف هواهم . وعلى هذا الطريق ساروا ـ ولا يزالون .
ثانيا :
يقول الاستاذ اسامة قفيشة : ( و حتى هؤلاء القلة القليلة لم تؤمن لموسى و لم تتبعه , بل قلة القلة هم من آمن منهم ( فما امن لموسى الا ذرية من قومه ) , و هنا نلاحظ لفظ ذرية من بني إسرائيل هي فقط من آمنت بموسى عليه السلام . ).
هنا خطأ ، نوضح الحق فيه كالآتى :
1 ـ ( آمن ب ) تعنى الايمان القلبى العقيدى . ( آمن ل ) تعنى : وثق وإطمأن . ونعطى أمثلة قرآنية :
1 / 1 : العادة أن الملأ لا يؤمنون ب ( الرسول ) ، وخوفا على جاههم لا يؤمنون ل ( الرسول ) أى لا يثقون به لأن أتباعه من المستضعفين . يعبر عن هذا قوم نوح وقد قال الملأ من قومه : ( أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ (111) الشعراء ). أى لا يمكن أن يثقوا به وقد اتبعه الفقراء الذن يرونهم أرذلين .
1 / 2 : ووثق لوط بابراهيم عليهما السلام ، وهاجر معه . يقول جل وعلا : ( فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ )( 26) العنكبوت ). من الخطأ أن يقال آمن لوط بابراهيم لأن الايمان القلبى العقيدى لا يكون بشخص النبى . فالمعنى هنا ( آمن لابراهيم ـ أى وثق فيه . ).
1 / 2 : وقال الكافرون من أهل الكتاب لبعضهم : (وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ )(73) آل عمران )، أى لا تثقوا ولا تطمئنوا إلا لمن تبع دينكم .
1 / 3 : ويقول جل وعلا للمؤمنين عنهم:( أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ )البقرة 75) ينهى عن الثقة فيهم.
1 / 4 : وقال جل وعلا للمؤمنين عن المنافقين:( يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ )(94) التوبة ). لن نؤمن لكم أى لا نثق فيكم بعد أن أخبر الله جل وعلا المؤمنين بأخبارهم .
1 / 5 : وكفار قريش كفروا بالرسول محمد ولم يؤمنوا أيضا ( له ) أى لم يثقوا به ولم يطمئنوا له لأنهم رأوه شخصا عاديا ، يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق ليس معه جنات يأكل منها ، وليس لديه كنوز ينفق منها وليس معه ملائكة تسير فى موكبه : (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ) الفرقان ). أى من الممكن أن يطمئئوا له وأن يثقوا به أو أن ( يؤمنوا له ) لو جاء لهم بهذه الآيات . ولهذا قالوا له : ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعاً (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً (93) الاسراء )
2 ـ أما آمن ب ، بمعنى إعتقد وآمن قلبيا فهى الأكثر ورودا فى القرآن الكريم ، ونكتفى بقوله جل وعلا . ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) البقرة ) ( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) البقرة )
3 ـ وقد إجتمع التعبيران ( آمن ب ) و ( آمن ل ) فى قوله جل وعلا عن خاتم النبيين : ( يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (61) التوبة ). أى يؤمن بالله جل وعلا وحده إلاها لا شريك له ، ويؤمن للمؤمنين يثق فيهم ويطمئن لهم .
ثانيا :
( آمن ب ) و ( آمن ل ) فى قصة موسى وبنى اسرائيل وفرعون :
1 ـ فرعون وقومه لم يكن لهم أن يثقوا فى موسى وهارون ، وهما من بنى إسرائيل العابدين لفرعون وقومه : ( فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) المؤمنون ). لا بد أن ينتمى موسى وهارون الى الملأ المنافق لفرعون حتى يؤمن له فرعون أو حتى يثق فيه فرعون . وهذا يذكرنا بالملأ من قوم نوح .
2 ـ السحرة آمنوا ليس بموسى وهارون ولكن آمنوا ب ( رب موسى وهارون ) وتحملوا القتل الشنيع بسبب إيمانهم برب العالمين : ( فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) الشعراء ) .
3 ـ فرعون فوجىء عندما رأى السحرة التابعين له المؤمنين به يسجدون معلنين إيمانهم برب العالمين رب موسى وهارون . رأى ان السحرة قد (آمنوا) بموسى وقد آمنوا ل ( موسى ): ( قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ )(123 ) الاعراف ) ( قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ )(49) الشعراء ) ( قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ )(71) طه ). إستعمل فرعون التعبيرين ( آمن ب ) و ( آمن ل ) . بالنسبة لفرعون فهو يطلب من الناس أن يؤمنوا ( به ) وأن يؤمنوا (له ) أى أن يثقوا فيه . وبهذا إتهم السحرة بأنهم آمنوا بموسى وآمنوا لموسى .
4 ـ عندما عوقبوا بالإذلال بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والدمامل ( الرجز ) عرضوا على موسى أن يدعو ( ربه ) أن يكشف عنهم الرجز مقابل أن يؤمنوا ( له ) أى أن يثقوا به وأن يطمئنوا له وأن يرسلوا معه بنى اسرائيل : ( وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134 ) الآعراف ). سماحهم بإطلاق سراح بنى اسرائيل يعنى وثوقهم بموسى . أو ( إيمانهم له ) .
5 ـ وقبل هذا إشتد عسف فرعون ببنى اسرائيل وهدد بالعودة الى ذبح أطفالهم ، وإشتدت مراقبته لهم ، فلم يطمئنوا لموسى ولم يثقوا به لعجزه عن حمايتهم ، أى لم يؤمنوا لموسى خوفا من أن يفتنهم فرعون ، والفتنة هنا تعنى الاضطهاد بسبب الدين . قال جل وعلا : ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الْمُسْرِفِينَ (83) يونس ) . هنا ( آمن ل ) بمعنى وثق وإطمأن . وليس بمعنى الايمان القلبى . وقد نصحهم موسى بالايمان بالله جل وعلا وحده والتوكل عليه إن كانوا فعلا مسلمين ، فاستجابوا له: ( وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) يونس ).
6 ـ جدير بالذكر أن معظمهم لم يكونوا مؤمنين برب العالمين بإخلاص . بدليل أنه بمجرد أن عبر بهم البحر بعد غرق فرعون وقومه وجدوا معبدا فرعونيا ، فأخذهم الحنين الى ديانتهم الفرعونية التى نشأوا عليها ، وطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلاها مماثلا . قال جل وعلا : ( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) الاعراف ).
7 ـ ومعروف أنهم تأثرا بالديانة الفرعونية صنع لهم السامرى عجلا يحاكى عجل أبيس فعبدوه . أى لم يؤمنوا برب العالمين وحده . وهم أيضا لم يؤمنوا ل ( موسى ) ولم يطمئنوا له مع كل الآيات التى رأوها ، فطلبوا المزيد حتى يأمنوا موسى ويؤمنوا ( له ) . طلبوا منه أن يروا الله جل وعلا جهرة ، فإذا كان الله جل وعلا يكلم موسى تكليما فلماذا لا يرون الله جهرة . قال جل وعلا : ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ (55)البقرة )
ثالثا :
يقول : ( و لم يردنا في كلام الله جل وعلا بأن موسى و من معه قد عاد لمصر فور غرق فرعون بل هناك إشارة لمكوثه في سيناء . و بناءاً على هذا نفهم بأن الجزء الأعظم من بني إسرائيل الذين لم يؤمنوا بموسى و لم يتبعوه استمر بقاؤهم في مصر بين الشعب المصري , و فهمي لقوله جل وعلا ( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) يشير لهم , و لا يشير لمن تبع موسى . ) . وأقول :
1 ـ سنتعرض لهذا بالتفصيل فى مقال قادم . ولكن سريعا نُذكّر بأن بنى اسرائيل حين إشتكوا لموسى ما وقع وما يقع بهم ذكر لهم وعد الله جل وعلا بأن يهلك عدوهم ويستخلفهم مكانهم فى الأرض : ( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) الاعراف ). هذا كلام عنهم جميعا ، فالاستخلاف يعنى أن يرثوا الأرض بعد أصحابها السابقين . وهذا ما حدث فعلا ، قال جل وعلا : ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) الأعراف ). وورث جميع بنى اسرائيل أرض مصر وجناتها لمدة من الزمن ، وهذا ما جاء صريحا وواضحا فى قوله جل وعلا :( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) ) مع وجود النّص القرآنى الصريح عن كل بنى اسرائيل لا يجوز إلا التسليم به ، خصوصا وهو يتمشى مع سياق القصة فى سورة الأعراف وسورة الشعراء وسورة الدخان .
رابعا : يقول : ( و فيما يتعلق بلفظ ( فاتبعوهم مشرقين ) فمن وجهة نظري تشير للوقت و لا تشير للجهة الشرقية و هذا لقوله جل وعلا ( فأخذتم الصيحة مشرقين )أي وقت الشروق و لا تعني اتجاه الجهة الشرقية ) . وأقول :
1 ـ المشرق فى قصة موسى يعنى جهة الشرق ، لأن السياق هنا عن المكان وليس الزمان . والشرق هو سيناء ، وهى المكان الذى لا بد أن يجتازه موسى بقومه الى الأرض المقدسة التى كتبها الله جل وعلا لهم ، وسيأتى تفصيل ذلك فيما بعد . وهو المشرق المكانى الذى واجهوا فيه البحر ( خليج السويس الآن ) والذى غرق فيه فرعون وإجتازه موسى بقومه . وفى سيناء صحب بنو اسرائيل موسى بكل أسباطهم الأثنى عشرة جميعا بدليل أنه كان يستسقى لهم فتكون عين ماء لكل قبيلة منهم : (وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) البقرة ). وجرى لهم جميعا نفس الأحداث مع موسى من رفع جبل الطور وأخذ العهد والميثاق عليهم الى أن رفضوا دخول الأرض المقدسة التى كتبها الله جل وعلا لهم . كل ذلك حدث لهم جميعا فى المشرق من النيل .
2 ـ أما المشرق المشار اليه فى قصة لوط فهو يعنى الصبح أو شروق الصبح . فالأوامر من الملائكة للنبى لوط أن يتسلل بأهله ليلا عدا زوجته الكافرة ، ثم سيحل التدمير بالقرية الظالمة صباحا : ( قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) هود ). والتفاصيل فى قوله جل وعلا : ( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنْ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) الحجر).