الفكر التسويقي!، محاولة للفهم؟

سليم نصر الرقعي
2017 / 12 / 17

الفكر التسويقي أو فكر التسويق (*) هو الفكر الذي يدرس من جهة ظاهرة (التسويق) كظاهرة طبيعية من ظواهر السلوك البشري، ومن جهة أخرى يدرس طرائق التسويق والترويج ويبين أكثرها تأثيرًا وجدوى وكفاءة وفاعلية على عقول الناس وقلوبهم أو أكثرها استحواذا على ما في جيوبهم!، وهذا الفكر (التسويقي) هو عبارة عن (مخزن) للأفكار المتراكمة عبر القرون والناتجة عن التفكير في هذا الموضوع على وجه التحديد بمفهومه العام، والتسويق كسلوك بشري ذكي يقوم على أساس (التزيين) والتأثير في نفوس وقلوب وعقول الآخرين واقناعهم - أو ربما حتى اغرائهم وحثهم - على القبول بـ(الشيء) الذي يقوم (المُسوِّق) بعرضه عليهم وتسويقه إليهم سواء أكان هذا الشيء (فكرة) أو (عقيدة) أو (مشروع) أو (سلعة) أو (خدمة) يُراد لها الظهور والتمكين وسط مجموعة من (الأشياء) المتنافسة والمتدافعة أو ربما المتصارعة في السوق سواء أكانت هذه (السوق) بالمفهوم الإجتماعي للسوق أو المفهوم الاقتصادي والتجاري أو المفهوم السياسي أو المفهوم الفكري والايديولوجي والثقافي حيث تتنافس بل ربما تتصارع الأفكار والنظريات والعقائد والفلسفات والثقافات ...
يجب ملاحظة هنا أن الغالب في عمليات التسويق سواء أكان تسويقًا تجاريًا أو سياسيًا أو دينيًا أو كان ذا طابع فكري وعقدي (أيديولوجي) أنه يأخذ مظهر التسويق الإعلامي والدعائي عبر وسائل الاعلام والاعلان والدعاية المختلفة بكل صورها المتعددة والمتجددة بما فيها استعمال أدوات ووسائل الفن والأدب والشعر والصحافة والثقافة في هذا الترويج التسويقي بل في النظم ذات الطابع الشمولي والاستبدادي يمكن استخدام مؤسسات التعليم العام وكذلك الخطاب الديني كأدوات ومنابر لتمرير عملية التسويق لصالح الأغراض السياسية أو الايديولوجية بل وحتى ربما الاغراض الاقتصادية والتجارية!.
***
أصناف السلوك التسويقي
------------------------
(1) التسويق الاقتصادي التجاري.
(2) التسويق السياسي!.
(3) التسويق الديني والأيديولوجي!.
(4) التسويق الجنسي (التنافس على الفوز بشريك من الجنس الآخر!)
***
(1) التسويق الاقتصادي التجاري.
*********************
وغرضه الترويج لمنتج تجاري بغرض الربح المالي كالترويج إلى (سلعة) أو (خدمة)
السلع :
أ - سلع ضرورية كالماء والطاقة (الغاز والكهرباء) والغذاء والدواء والأدوات المنزلية والأثاث المنزلي الضروري والأساسي.
ب – سلع كمالية ترفيهية كبعض أصناف المشروبات والحلويات، الأجهزة وقطع الأثاث المعدة للترفيه والاستمتاع مثل أجهزة الألعاب الألكترونية والسينما المنزلية والمعازف (الأدوات الموسيقية) وكل الأجهزة والأشياء المعدة للعب واللهو والتسالي...الخ
الخدمات:
أ – خدمات ضرورية مثل الصرف الصحي لمخلفات المطابخ (أي صرف القمامة) والمراحيض (صرف مياه المجاري)، النقل والمواصلات، الأمن ، التعليم، المعالجة الطبية
ب – خدمات كمالية ترفيهية مثل البرامج والعروض التلفزيونية والمسرحية والموسيقية والسينمائية والرياضية وكعروض السيرك ... الفنادق والمنتجعات والملاهي لقضاء العطلات وأوقات الاستجمام والاستمتاع، والنوادي المخصصة لتقديم خدمات في مجال كمال ورشاقة الأجسام!.
**
(2) التسويق السياسي
***************
والغرض منه الترويج لمشروع وبرنامج سياسي لصالح الحكومة أو المعارضة أو الترويج لحزب معين أو لزعيم من الزعماء أو مرشح معين بهدف كسب ولاء العامة وقبول المواطنين وأصوات الناخبين ، وقد يدخل في التسويق السياسي ما يمكن أن نسميه الدعاية الماكرة الموجهة (البروباقندا) التي تعتمد بشكل أساسي على وسائل الإعلام والدعاية فضلًا عن الخطاب العاطفي (الماكر المغرض الخبيث) الذي يعتمد على التلاعب بمشاعر وعواطف ومخاوف وغرائز العامة، وهو أمر ملحوظ ليس في النظم الشمولية والنظم البوليسية الحاكمة فقط بل إنني لمست هذا الأسلوب الدعائي الخبيث لدى الأحزاب في النظم الديموقراطية العريقة، للأسف الشديد، حينما يشتد التنافس والصراع بينها كما تابعت بنفسي شكل ومضمون وأساليب خطابات الحملات الدعائية التي أطلقتها القوى السياسية المتعارضة هنا في بريطانيا إبان الاستفتاء على البقاء أو الخروج من الاتحاد الأوروبي!، فقد كان الخطاب المؤيد أو المعارض في حمى وطيس المعركة يفقد اتزانه وموضوعيته ويلجأ إلى أساليب (البروباقندا) السوداء بل الرخيصة التي لا تختلف عن أساليب خطاب الأحزاب والنظم الشمولية المستبدة التي تلعب على وتر غرائز ومخاوف وأطماع العامة!!، شيء مؤسف للغاية يؤكد لنا أننا في زمن تردت فيه القوى السياسية في النظم الديموقراطية العريقة للسفح وباتت على شفير الافلاس الاخلاقي والفكري مما يهدد النظم الديموقراطية والليبرالية في عقر دارها ويسمح بوجود ثغرات واسعة يمكن أن تنفذ منها القوى الأصولية المتطرفة سواء أكانت هذه الأصولية أصولية دينية أو وطنية أو قومية أو عرقية عنصرية!، خصوصًا في ظل ضمور الحركة اليسارية بل ووجود بعض الجماعات ذات الطابع الراديكالي والمتطرف بين اليسار – أقصى اليسار - الذي يتبنى (الحل الثوري والجذري العنيف) بين هذه الحركة اليسارية!!.
**
(3) التسويق الديني والأيديولوجي
*********************
والغرض منه الترويج لدين معين من الأديان السماوية أو الأرضية أو لمذهب ديني طائفي معين متفرع عن دين مشترك بين عدة مذاهب وطوائف!، أو يكون الغرض منه الترويج لأيديولوجيا معينة من الأيديولوجيات التي إما أنها ترتبط بالدين أو بالقومية والعرق أو ترتبط بالوطن أو بالدولة أو ترتبط بمشروع فلسفي وسياسي راديكالي يستهدف بناء مجتمع جديد ودولة جديدة مختلفة جذريًا عن الوضع التقليدي القائم كالمشروع الشيوعي أو الفوضوي الأرناركي مثلاً.
**
(4) التسويق الإجتماعي الجنسي !.
**********************
فلو تأملنا حياة البشر قديمًا وحديثًا للمسنا على الفور وجود هذا (السلوك الطبيعي) لدى البشر أي التسويق والترويج لشيء ما ولو كان في صورة (أم) مشفقة تريد تزويج إبنتها خشية البوار والعنوسة!، فتقوم بطرق نسائية ماكرة في الأوساط الإجتماعية - خصوصًا في الأوساط النسائية حيث الاحتفالات والأاعراس - بالترويج لإبنتها تلك بإخراجها في أعلى درجات زينتها بغرض إيجاد عريس لها قبل فوات الأوان وقبل أن يفوتها القطار!، وللعلم هذا السلوك (الأمومي) كما لمست بنفسي موجود هنا في الغرب أيضًا وليس في الشرق فقط!، فهذا نوع من أنواع السلوك التسويقي الترويجي الطبيعي لدى البشر بل إن المرأة بطبيعتها الأنثوية قد تلجأ بطريقة لا واعية لهذا السلوك التسويقي (التزييني) بغرض التأثير في سوق التنافس الذكوري على الإناث وسوق التنافس الأنثوي على الذكور، وهي سوق حقيقية خفية (سوق الارتباطات والتعاقد بين الجنسين) التي تتنافس فيها قوى العرض والطلب بشكل محموم!، فالأنثى - بطريقة طبيعية - تُسوّق لأنوثتها ونفسها لتفوز بـ(الذكر/الرجل/ زوج/ رفيق/ شريك) الذي تشتهيه وتتمناه أو على الأقل – في أسوأ الحالات والأوقات – تحصل - وسط السوق التنافسية المحمومة - على ذكر ورجل (لا بأس به/ مقبول!) على طريقة (ظل رجل ولا ظل حائط!) أو طريقة (شيء خير من لا شيء!).
***
والشاهد هنا أن السلوك التسويقي (التزييني) سلوك بشري قديم ومتغلغل في حياتنا كسلوك طبيعي، إلا أن (الفكر التسويقي) أو (علم وفنون التسويق) في هذا المجال أو ذاك لا يكتفي بدراسة هذا السلوك الفطري لدى البشر كظاهرة طبيعية بل يبحث أيضًا عن طرق الترويج وفنون التسويق الأكثر كفاءة وفاعلية بل وقد يعمل على تحديثها وتطويرها لتكون أكثر تأثيرًا وأكثر نعومةً (!!) إذ أن التسويق بالنهاية (علم وفن) يتأثر سلبًا وايجابًا بمستوى المعارف والمهارات التي يتمتع بها المُسوِّق، ولله في خلقه شؤون!.
***********
سليم الرقعي 2017
(*) هذه المقالة هي نتاج تأملاتي في أساليب وطرق البشر للترويج لأغراضهم وأفكارهم ومعتقداتهم وبضائعهم المادية والمعنوية سواء في ميدان الحياة الاجتماعية العادية أو في ميدان السوق الاقتصادية التجارية (المنافسة) التي تتنافس فيها الشركات والمصانع والمزارع ورجال الأعمال والبنوك على كسب الثروة من خلال سحب ما في جيوب العامة!، أو حتى في ميدان السوق السياسية (المنافسة) التي تتنافس فيها الأحزاب والشخصيات السياسية على كسب السلطة عن طريق الأستحواذ على أصوات المواطنين وولاء العامة!.