يوسف زيدان …. اكسر كوّةً في الجدار… وامضِِ

فاطمة ناعوت
2017 / 12 / 17


شيءٌ جميلٌ يحدثُ في حارتِنا اليومَ. شيءٌ جليل، واستثنائيٌّ. لم نعتَده في إعلامنا المهلهَل الُمفرِّغ للعقول. ثمَّة شعاعُ ضوءٍ يلوحُ من بُعدٍ على استحياء، صوبَ الوادي المظلم.
ولماذا الوادي مظلمٌ؟ لأنه مظلم! أظلمَه ظلاميون يكرهون النورَ حتى لا تبورَ بضاعتُهم البائرةُ. النورُ يكشفُ فسادَها. وفِي الظلام يستوي الغثُّ والسمين، الرخيصُ والثمين، الجَدبُ والخِصب، القَفرُ والُمثمر. في العتمة يبيعُ الشُّطارُ نفاياتهم للجوعى، ثم يعودون إلى بيوتهم منتفخةً جيوبُهم بالدراهم الثِّقال، ليلتهموا ثريدَهم وشحومَها.
ولماذا يتجلَّى الشُّعاع بحياءٍ وخَفر؟ لأنه يخشى إن سطَعَ ضوؤه، أن تعمَى عيونُ سكان الوادي المظلم، التي ألِفَتِ العتمةَ دهورًا.
ولكن غلافَ الكتاب الموصد بالجنازير، انفتح على أولى صفحاتِه على كلِّ حال. والشُعَاعَ انطلقَ من الِمشكاة على كلِّ حال. لن يُرَّدُ الكتابُ إلى إغلاقه، ولا شعاعٌ يعودُ من حيثُ أتى. الضوءُ يسير على استقامتِه صوبَ هدفه؛ وإن كرِه الكارهون. ويومًا بعد يوم، هكذا آمُلُ، سيبدأ أطفالُ حارتنا، قبل شيوخِها، في فتح عيونهم المُغلَقةَ قليلًا قليلاً. مليمترًا واحدًا كلَّ يوم. حتى إذا ما حلَّ موسمُ الربيع، تكون عيونُهم قد انفتحت على وسعِها. فيعرفُ الشُّعاعُ النحيلُ طريقَه نحو عقولهم. فإذا ما تبددتْ بقعةٌ من ظلامٍ وانتثر محلَّها نُثارِ نور، يكون أطفالُ الوادي المظلم قد كسروا شرانقَهم، وخرجوا من كهف القطيع الدوجمائي، إلى حيث بقعةِ الضوء الوليدة، أمام أبواب دُوُرِهم، فيلعبون ويتحاورون ويتجادلون ويفهمون؛ فينضجون ... ثم يكبرون.
لابد أن يفهمَ الأطفالُ حتى يكبروا. فإن كبِروا حمَلوا المشاعلَ وأضاءوا أصقاعَ الوادي، الذي عمَدَ شيوخُ القبيلة على طمس قناديله قرونًا طِوالا. حتى يظلَّ الأعمى أعمى. وحتى ينظرَ الُمبصرُ ... فلا يُبصِر ولا يرى.
شيءٌ جليلٌ يحدث اليومَ في حارتنا الضيقة الخانقة على وُسعِها ورَحبِها. شيءٌ يصنعه رجلٌ يحملُ في عقله تاريخَ مَجرّةٍ بأسرها. ويحملُ في قلبه إشفاقًا على عَبَدَة الظلام خصومِ المِشكاوات. ويحملُ على ذراعه دِرعًا من فولاذٍ يصدُّ به السهامَ والرماحَ والخناجرَ التي من كلِّ صوب يرميها الرماةُ نحو قلبه. هل قلتُ: دِرعًا يحملُ. كذِبتُ! ما حملَ الرجلُ دِرعًا ولا اعتمرَ خوذةً ولا امتشقَ سيفًا يردُّ به على العادين العُداة العزازيل.
جاءنا الرجلُ أعزلَ وحيدًا لا يحملُ في يده إلا قلمًا يخُطُّ به هوامشَ وأفكارًا على حوافِّ الكتب. وفِي رأسه يحمل عقلا يفكر. ينظرُ إلى الجاهلين، ويقولُ: سلاما!
عقلٌ وقلمٌ وكتابٌ، هي جميعُ عتاده في معركة يخوضُها أمام جحافلَ يمتطون الجيادَ بكامل رماحهم وعتادهم وظلامهم وإظلامهم. يتربّصون به خلف الشجر. ينتظرون أن يخرج إليهم مُترجِّلاً؛ لا فرسًا يمتطي، ولا درعٌ يحمي. ليس إلا ابتسامةٌ ساخرة يقول لسانُ حالها: "اقرأوا التاريخَ يا أعزّكمُ اللهُ… ثم تعالوا. موعدُنا صباحُ الغد عند عتبة أكاديميا أفلاطون. سوف نتحاورُ إذا ما انتهتِ الليلةُ وأنتم تقرأون. لكنَّ ليلَكم سرمديٌّ لا ينتهي. وأنا أريده أن ينتهي حتى يُشرقَ الصبحُ، علّ عيونَكم تُبصرُ ما لا ترى.”
وكيف يقرأون يا "زيدان" في ليلتهم دون قنديلٍ في القلب يومضُ؟! ظلامُهم ظلامان، لا واحدًا. ظلامُ الوادي الذي لا كتابَ فيه، وظلامُ القلوبِ التي عليها أقفالُها. وظلامُ العِناد، حتى تصيرَ الظلماتُ ثلاثًا؛ كما أخبرنا المولى. تكسَّرَ الظلامُ على الظلامِ، مثلما تكسَّرتِ النِّصالُ على النِّصال في قلبِك الحزين. لا تحزنْ يا صديقي؛ فهذا خِيارُهم لا خيارَك. وعلينا أن نقفَ عند ما اختاروا لأنفسِهم. لكنَّ الرُّسلَ لا يقفون عند خِيار المُضلَّلين لأنفسهم. لهذا أنتَ تحملُ رسالتَك في حُلمِك، ووعيَك في رأسك، وقلمَك في يمناكَ، وابتسامتَك، تلك الساخرةَ الساحرةَ الآسرةَ السافرةَ، في عينيك وعلى قسمات وجهك، وتنزل ساحةَ الوغى أعزلَ لا تراهِنُ على إخفاق. ونحن لا نراهِنُ إلا على نصرِك. النصرُ لكْ… لكْ… لكْ. فالقِِ الحجرَ في البِركةِ … وامضِ.
تحيةَ احترامٍ بحجم الكون للروائيُّ المؤرخ المفكر الكبير "د. يوسف زيدان"، ومثلها للإعلامي الكبير "عمرو أديب"، الذي قرّرَ تمزيق خيوط الشرانق المُتحجّرة في برنامجه الجميل. عظيمةُ يا مصرُ يا حبيبتي.