سيرة أخرى 60

دلور ميقري
2017 / 12 / 16

1
" سوق الجمعة "؛ يمكن أن يقال عنه اسماً على مسمّى. أهالي الحي، كانوا يتوجهون إليه أيامَ الجمع لكي يتسوقوا من خيراته الوفيرة. إنه ينفتح من ناحية الحي إعتباراً من قنطرة أجليقين، ثم يمتد عبرَ درب المدرسة الخاتونية حتى ينتهي عند أعتاب حارة العفيف في الصالحية. لعله أطول أسواق الشام، وهو بالتأكيد أهمها فيما يلي الأسوار. بلغ من أهمية هذا السوق في العصور الوسطى، أن أشاد به الرحالة القادمون من الأندلس والمغرب؛ كابن جبير وابن بطوطة. علاوة على رحالة الغرب، الذين زاروا دمشق في العهد العثماني.
في فترة الطفولة، أرتبط سوق الجمعة لديّ باسم مرعب؛ " أبو التوت ". كان الرجل يعملُ أساساً حلاقاً، مع ممارسته لمهمة طبيب الأسنان الشعبي. ولم يكن يملك من الأدوات سوى ( الكلبتانة ) المخيفة، التي يستعملها بقلع الأضراس. في وقت لاحق من الصبا، صرتُ أرتاد السوق أيامَ الزحام على الأفران في الحي، سعياً لتأمين الخبز للبيت. إلا أنني ما لبثتُ أن تعرفت هناك على أشياء جميلة متنوعة، كنا نفتقدها في سويقة الحارة. أما أجمل ذكرياتي عن السوق، فإنها تعود لمستهل الثمانينات حينَ عملتُ مراقباً صحياً. ثمة كنتُ أجول في المكان منذ المساء، قادماً على رجليّ من جهة الحارة. عشائي اليوميّ، كان غالباً في أحد المطاعم الثلاثة، المملوكة من لدُن الأخوة " بوز الجدي ". وكما هو معروف، كانت هذه المطاعم تقدم لزبائنها أشهى أطباق الفول والحمّص والفتة. على عكس بقية زملائي الموظفين، كنتُ آنذاك أدفع ثمن كل طبق أطلبه. أما مراقب عملنا، فإنه لم يكن يكتفي بالعشاء مجاناً، بل كان أيضاً يعود إلى بيته صباحاً محملاً بالخضار والفواكه والحلوى غير المدفوعة الثمن!

2
جدّي لأمي ( توفيَ قبل ولادتي )، أمتلك أول سيارة في حارتنا وكان ذلك في ثلاثينات القرن الماضي. والدتي، ما تفتأ تستعيد أمامنا حكايات تتعلق بسيارة أبيها. كانت تتباهى أمام زميلاتها، أيامَ حضورها بالسيارة إلى المدرسة الإبتدائية " ست الشام ". هذه المدرسة، كانت قائمة آنذاك في منزل محمود باشا بوظو بالقرب من ساحة شمدين. خالي الكبير، وكان في صباه مشاكساً ومتهوراً، أعتاد أن يستل مفاتيح السيارة في غفلةٍ من أبيه فيخرج بها مع رفاقه. إلى أن تسبب لنفسه بحادث، جعله طوال بقية عمره يعرج على قدمه.
أول سيارة حظيتُ بمتعة ركوبها في الطفولة، كانت تخصّ صديقَ والدي؛ الوجيه بديع ديركي. كان يأخذنا أحياناً إلى فيللا شقيقته ( زوجة الزعيم بكري قوطرش ) في الزبداني، المطلة من مرتفعٍ على منظر وادي بردى الساحر. ومن ذكرياتي عن هذه السيارة، حينَ كنت ألعب حولها لما جاءت شقيقتي لتبشرني بأن الوالد عاد إلى البيت. إذ كان قد سبقَ عند قيام انقلاب البعث أن التجأ إلى لبنان، وذلك خشيةً من الإعتقال. صديق عُمر والدي، العقيد محمد زلفو، كان أيضاً يصحبنا في سيارته إلى شاليه يمتلكه في مدينة بانياس. ثم ما لبثَ ابن عمي الكبير، بدَوره، أن أشترى سيارة من نوع فولكسفاغن. منذئذٍ، صار ابن العم يضع سيارته في خدمة أفراد العائلة؛ هوَ من كان فضلاً عن ذلك مقصدهم في الوساطات الرسمية. في هذه السيارة، ركبتُ مع والديّ بمفتتح عقد الثمانينات في طريقنا إلى عمّان لاستقبال شقيقتي القادمة من السويد. عند عودتنا على الطريق السريع، طارت الحقيبة الكبيرة من فوق سطح السيارة. أنتبهنا إلى الأمر متأخرين، وهكذا ذهبت الحقيبة ومعها هدايا شقيقتنا!