قراءة في رواية (كاهنات معبد أور لرسمية محيبس )

سلام كاظم فرج
2017 / 12 / 16

(قراءة في رواية كاهنات معبد أور لرسمية محيبس زاير .. )
( نضال الوردة وصولا للضوء..)
سلام كاظم فرج....
حين تكتشف وأنت تقرأ رواية وقعت بين يديك انها تضم أكثر المواقف نقاء وإنسانية لاتملك إلا ان تنحاز اليها.. الى شخوصها الى كاتبتها.. الى بطلتها..وهذا ماحدث لي وأنا أقرأ رواية كاهنات معبد اور لرسمية محيبس زاير التي عرفتها شاعرة قبل اكثر من عشرين عاما وتابعت مسيرتها شاعرة بكل الحب والخوف عليها.. لكنها أذهلتني بروايتها هذه وفاجئتني بقدرتها على المزج بين الواقعي والتجريدي وبين الذاتي والعام.. فاكتشفت انني امام رواية قصيرة باهرة.. تحتاج أن اعيد قراءتها أكثر من مرة لأتعرف على الصور الشعرية المختبئة بين ثناياها. والرمزية المتطامنة في سردها الواقعي ليوميات تنثال هادئة هدوء الهور السومري. وساحرة سحر مويجات نهر الغراف عندما كان الغراف مكتنزا بالماء والأسرار.. منحت الغراف غموض الغياب حين تغرق فيه الفاتنة شهيدة حب حفظته.
.ومنحته وضوح النهار حين تبحر مع ابيها في زورقه الصغير.. جعلتني اتخيل والدها صائد السمك كالشيخ في رواية همنغواي (الشيخ والبحر) وجعلتني اتخيل والدتها كأم غوركي الباسلة في روايته الشهيرة ( الأم..) ومادمت باقيا على حب همنغواي وغوركي فمن البديهي ان أكون منحازا لرسمية..وإنحيازي ليس عاطفيا كما يبدو من مقدمتي هذه.. بل مستندا لما أعرفه عن معنى السرد العالي القيمة من خلال مئات الروايات التي قرأتها . وعشرات القراءات النقدية
..بدأت رسمية هادئة هدوء الليل في آخره وهي تسرد حكايتها.. بدأت بسرد بسيط جدا كأنها تكتب مذكراتها.. لكنها وفي صفحات قليلة وبذات الهدوء تغلغت في ثنايا غموض مرعب لايعرف جبروت رعبه إلا من عايش الهور وأسرار الهور ورعب حكاياته.. فهي ( البطلة ) ابنة صياد عشق مهنته الى درجة الذهول عما عداها من بدائل الرزق.. واكتنز كما يكتنز صاحبه الهور أسرارا بقيت غائبة حتى عن ابنته التي يحبها ..
وطالما اخذ ابنته معه في رحلات الصيد وهي بعد غضة لم تدخل المدرسة..وحين تستذكرها يمتزج الماضي بالحاضرفنعود معها وكأن الرجل الصياد ما زال عائشا يتنفس الأمل بعودة الغراف الى عهده حيث كان السمك وفيرا يغطي حاجة البيت والجيران ويباع منه ما يكفي لدورة قادمة من الشهور والسنين.... ورغم كل علامات الذبول في مصادر الرزق تلك.. ظل الأب يحتفظ بالابتسامة والهدوء.. والصمت المحبب.. ابتسامته تبعث الدفء والأمل.. لكنه يموت ويترك فتاة القصة ذاهلة تحتضنها أمها التي لا تقل شجاعة عن الأب الراحل وتبدأ مسيرة ثانية من النضال مع الأم .. كقاريء وجدت في الأم وابنتيها (رسمية ربما,, وفاطمة )ما أجده في شجيرة الورد حينما تقاوم الظلمة بحثا عن الضوء..من اجل ان تزدهر.. وهذا ما فعلته الأم..
في إشارة ذكية ماهت رسمية بين بطلتها وبين بطلة ايتماتوف في قصته (المعلم الأول..) حين كانت تتناول ايامها الأولى في صفوف الدراسة الابتدائية.. وذكرت معلمها الأول (جليل الصفار..) وقارنت بينه وبين المعلم في رواية جنكيز ايتماتوف..لكنها تعثرت قليلا مترددة مخففة من وطأة إعترافها خوفا من إساءة فهمها.. قائلة :(كان المعلم جليل اول من امسك بيدي وهو يعلمني كيف اكتب..ويثني على ذكائي.. كان ذلك المعلم في الصف الأول وانا اتذكره وأقارن بينه وبين بطل ايتماتوف في روايته (المعلم الأول).. ثم تستدرك:لكني أختلف عن تلك البطلة المولعة بمعلمها..فقد كنت طفلة لاهية تعلقت بإستاذها واعجبت به مثل كل الصغار.. صـ (9 من الرواية..)..ومن خلال السرد نعرف ان المعلم جليل قد غاب عن طلابه لأسباب سياسية ونضالية.. وقد يكون قد فصل او سجن ونعرف مقدار التماهي بينه وبين بطل ايتماتوف.. ولا أدري هل كان مجرد خطأ عابر حين ذكرت اسم الروائي نابوكوف صاحب رواية لوليتا بدلا عنه.. ام انه اختلاط الرؤى فكلا البطلتين كانت بعمر الطفولة.. وكذلك بطلة رسمية
لقد غيب المعلم جليل كما غيب غيره من مثقفي العراق لأسباب سياسية كان يمكن التعامل معها بروح التفاعل الإيجابي بين الخصوم.. لكن ذلك لم يحدث.. ولم تناقشه البطلة الراوية بل تركتنا نتأمل ونفكر في سر ذلك الغياب او التغييب..
وفي الفصل الأول ثمة قتل وانتحار وهروب من بنات بعمر الورد ماذقن طعم الحب.. بل حاولن. . ضاعت آثارهن واسرارهن مع النهر الخالد وسره الرهيب.. فالحب قد يعني العار.. والعار يغسل بالدم.. والدم قد يلون الورد الأبيض فيجعله قانيا.. وهكذا جعلتنا رسمية نعيش حالات العشق المحرم تلك (وما كان محرما ولكنها التقاليد..إنه الشرق.. )..
ان مأساة بطلات الرواية. نهلة ومن سبقتها.. لم تكن مقطوعة عن الحياة الاجتماعية والتطور التأريخي.. فما سردته رسمية لم يكن ميلو درامة عادية.. بل هي نبض الحياة في تلك الأيام ومسيرة مجتمع يمر ما بين مرحلة الاقطاع والبداوة ويسير الهوينى صوب المدنية..وكانت رسمية مدركة لأهمية سرد حادثتي القتل والهروب لفتاتين غيبهما النهر وكانت البطلة تتذكرهما كما تتذكر الورد الأحمر القتيل.. مزيج من الحب والخوف والهلع والحنان والألم..
بعد التحاقها بمهنة التدريس معلمة في قرية نائية.. لم تغادر روح الطفلة في داخلها فكانت تتشبث بوالدتها وترغب منها ان تبقى معها تماما.. انشدادها لوالدتها صغيرة .. وتعلقها بها كبيرة يشي برقة الطفلة التي في داخلها تجاه الأم الباسلة التي واصلت معها المشوار ودقعتها في مدارج الرقي المعرفي.. فبقيت محتاجة الى دفئها وقوتها..وفي عملها تتعرض لضغوط رهيبة تودي بها الى السجن او التوقيف بالأحرى.. فقد شاءت الأقدار ان يكون يتزامن حصول البطلة على وظيفة مع تنفيذ اكبر حملة لتبعيث المجتمع وضرب كل معارض بل وصل الأمر الى التحرك حتى على المستقلين ولا ادري هل ان سوء حظ البطلة ام حسنه ان ميولها كانت تميل الى اليسار الإنساني.. وذكرى معلمها الأول جليل الصفار اليساري لا تبارح مخيلتها الغضة.. وذكرى قريبها علاء اللامي المثقف الغائب عن اعين السلطات تمنحها تعاطفا يمنعها من القبول بالانضمام القسري لحزب دموي تعج ذاكرة العراقيين بصور دموية مرعبة.. وحين مانعت وتمنعت.. دبرت لها مؤامرة رخيصة فزج بها وسط مجموعة غريبة من السجينات..
واللافت ان القاصة انشغلت بهموم السجينات ونسيت محنتها ولم تتحدث عنها كثيرا.. بل راعها الظلم الفادح الذي أوقع تلك النساء بفخ المسائلة القانونية.. ومن فظائع ما رأت تلك السيدة التي قتلت طفلها غير متعمدة بسبب اصابتها بمرض نفسي هو أقرب الى الوسواس القهري.. وبدلا من رعايتها صحيا ومعالجتها ألقي بها في غياهب المعتقل.. وثمة روايات كثيرة تتناولها بالسرد بشفافية وحزن.. ان ما وقع على البطلة من ظلم يدعوا الى الغضب والصراخ بوجه القتلة .. لكن رسمية لم تفعل . بل انشغلت بسرد هاديء شفيف لما جرى عليها وعلى غيرها..ولم تتحدث عن انتقام او ثأر او تشفي.. وجدتها تشبه اوفيليا المستسلمة لقدرها المحتسبة المنتظرة.. في حين ان ماجرى عليها يمكن ان يؤثث لهاملت جبار منتقم.. لكنها رقة الأنثى لم تغادر رسمية حتى وهي تمر في محنة ليست أقل من محنة هاملت.
.وفي سرد أخاذ تماهي بين حفلات التعذيب والتحقيق التي تعرضت لها.. وبين جيش من المسوخ يؤذي احلامها فتتحول الى كوابيس..حين تتحدث عن احلامها الكابوسية تنقلنا الى المرآة.. بدلا من الأصل. فنشاهد صورة المحققين في الحلم / الكابوس كمسوخ وتلك انتقالة نوعية في فن السرد لدى رسمية..
اما حين تصل الى انتفاضة آذار.. او الانتفاضة الشعبانية... فتماهي بين نص كفافي ( في انتظار البرابرة ) وبين ما جرى من احداث.. في الانتفاضة تتحول الصور القاتمة الى صور مشرقة.. بل ثمة مساحة للضحك والمرح والمداعبة .. ومن اجمل الفصول التي تناولتها الرواية فصل مداعبة ثوار الانتفاضة للملا حسون وهو شاعر شعبي له قصائد سرية في هجاء صدام يقول في احداها..
بدم احرارنا تلطخت يداك // إلك يوم البنيتة عليك يداك ( يتهدم)// ويظل مالك ذجر فوك الوطية..
لقد كان المنتفضون برددون مقاطع من القصيدة التي كانت بالغة السرية بشيء من المرح وامام بيت الشاعر فما كان منه إلا ان يصرخ بهم : بوية/ على كيفكم / لا تعمون علي / وتحبسوني!!!
فكانوا يزدادون ترديدا لها وبصوت أعلى / فيبتسم لهم / ويقول/ ولكم مناعيل الوالدين/ راح تهجمون بيتي..!!!
ان شعبا فيه أمثال الملا حسون وأولئك الفتية لا يمكن ان يموت او يسكت على ضيم..
وبعد فالرواية طويلة ونهاياتها مفتوحة...وسردها ينتقل من الرومانسية الحالمة الى الواقعية القاتمة ...وثمة سرد معبأ بالكوابيس يذكرنا بسرد كافكا.. وسرد متفتح وردي وفكه بذكرنا بسرد نجيب محفوظ وانتقالاته من التراجيديا الى الكوميديا. والوردة التي قصدتها في بداية مقالتي هذه.. هي رسمية وهي الشعب العراقي وهي الام العراقية متمثلا بأم الراوية..وهي الرجل العراقي متمثلا بالشيخ الصياد والد البطلة..والملا حسون الشاعر الشجاع والفتية الشجعان صناع انتفاضة آذار.. والمعلم جليل الصفار اليساري الغائب الحاضر. وعلاء اللامي اليساري المثقف المغترب عن الأوطان... كل ذلك وجدته في رواية رسمية (كاهنات معبد اور) فتحية لها..