تأملات في مؤهلات بوتين واِنتِخابات الرئاسة والفوز الكاسح!

ناظم الديراوي
2017 / 12 / 16

حددت لجنة التشريع الدستورية في المجلس الفيدرالي الروسي يوم (18-آذار-2018) موعداً لانتخابات الرئاسة الروسية. وقبل ذاك أعلن فلاديمير بوتين ترشحه لولاية جديدة، بعدما رأس روسيا ثلاث فترات؛ (2000-2004/ 2004-2008/ 2012-2018).
أرى من المفيد التأمّل في مسار هذه الانتخابات ونتائجها، وإن قبل موعدها بثلاثة شهور. ولابُدَّ من التركيز على المميزات الشخصية والمهنية للفائز المُنتظر فلاديمير بوتين. تلك المميزات التي وفرت لروسيا المعاصرة زعيمها الأقوى، منذ النصف الثاني من القرن العشرين. والواقع أنّي لا أكف حين يجري الكلام مع جُلَّاسي عن لغز الصعود المفاجئ والسريع لهذا الضابط الشاب المغمور في جهاز المخابرات السوفييتية، عن تعداد منابعه الانسانية ومؤهلاته المهنية. العائد من المانيا الشرقية بعد جلاء القوات السوفييتية أواخر ثمانينات القرن الماضي، إلى مدينة لينينغراد التي درس فيها الحقوق وجُنّدَ في جهاز المخابرات إلى أن ختم عمله برتبة عقيد.
لن أسرد سيرة بوتين الانسان ورجل الدولة العصامي، إلا بالقدر المطلوب، فهي متاحة للجميع ومعروضة في بطون الكتب ووالمنشورات والمقالات التي كتبت عنه. ولكني أرغب في التركيز على مكونات شخصية بوتين، الإنسانية والأكاديمية والمهنية، التي كان لها أثرٌ عظيمٌ في ما هو عليه الآن من وجاهة وجاه وسلطان!
أولاً؛ نشأ بوتين في عائلة روسية تقليدية أرثودكسية الإيمان عسكرية المهنة، عاصرت حربين عالميتين. شارك جده سبيريدون فيهما، وعمل في خدمة لينين وستالين. أما والده فلاديمير سبيريدوفيتش فقد حارب في جبهات القتال أثناء الحرب العالمية الثانية، فيما عملت والدته ممرضة. ويمكن القول أنَّ بوتين رضع حب الوطن في أُسرة روسية عسكرية وطنية أرثودكسية، دافعت عن وطنها في حربين عالمتين كادت أن تفكك البلاد. وساهمت في إعادة بناء الاتحاد السوفييتي بعد حرب دمرت البلاد والعباد.
ثانياً؛ منذ سنوات الصبا مارس الفتى فلاديمير الرياضة واختار المصارعة اليابانية ( الجُودو- وتعني الطريقة الليّنة- وهي رياضة وفلسفة). وفاز بأوسمة رفيعة، ونال في العصر السوفييتي الحزام الأسود. ولازال يمارس هذه الرياضة في وقت الفراغ. وربما من الرياضة اكتسب القدرة على المناورة وإدارة الصراع والفوز.
ثالثاً؛ درس الحقوق بداية سبعينيات القرن الماضي بجامعة لينينغراد العريقة، تأسست عام (1724). وفي عام (1990) دافع عن أطروحة الدكتوراه في موضوع اقتصادي، ونال لقب مرشح في العلوم الاقتصادية. وبهذا يكون حاصل على شهادتين جامعيتين في الحقوق والاقتصاد.
رابعاً؛ انتسب لجهاز المخابرات السوفييتية أثناء دراسته الجامعية ودرس علوم المخابرات في أكثر من معهد دراسي تابع لجهاز أمن الدولة. وعمل لعدة سنوات في ألمانيا الشرقية كعميل سري لجهاز المخابرات متخفياً بصفته دبلوماسي في السفارة السوفييتية. كل هذا وفر له إمكانية فهم آلية عمل أجهزة الدولة السوفييتية والروسية الأمنية والمدنية. وإتقان اللغة الألمانية، والتعرف مباشرة على طراز حياة المجتمع الألماني ونهضته الاقتصادية- السياسية.
خامساً؛ عمل في رئاسة جامعة لينينغراد- قسم العلاقات الدولية. ومن ثُمَّ شغل منصب رئيس لجنة العلاقات الدولية في حكومة مدينة سانت- بطرسبورغ حتى من منتصف التسعينيات. ومن ثم نائب مسؤول إدارة رئيس روسيا الفيدرالية، لاحقاً وشغل مناصب أرفع. وفي عام (1999) رشَحَهُ رئيس روسيا بوريس يلسين لرئاسة الوزراء وحظي بموافقة غالبية أعضاء مجلس الدوما الروسي. وفي نهاية العام نفسه استقال يلسين من منصبه وأصبح بوتين رئيساً مؤقتاً لروسيا الفيدرالية حتى بداية عام (2000) إذ فاز في انتخابات الرئاسة على منافسه الشيوعي غينادي زوغانوف. ومنذ ذاك الحين وهو القائد غير المنازع في روسيا.
سادساً؛ بوتين يجيد اللغتين الألمانية والإنجليزية. ولغته الروسية بليغة.
وهكذا فإنَّ جميع هذه المؤهلات المهنية والخبرات الميدانية هي التي ساهمت في تأهيل هذه الشخصية الحيوية المتعددة الاهتمامات للنهوض في بناء روسيا المعاصرة وتثبيت مكانتها كدولة عظمى، وتعزيز ثقة العالم بها، وإعادة دورها الريادي في تفعيل سلطة القانون الدولي في إدارة العلاقات الدولية وفق مبادئ الإستقلال والسيادة وعدم التدخل في شؤون الدول والسعي لفرض نظام متعدد الأقطاب.
نعود الآن إلى موضوع انتخابات الرئاسة الروسية، التي ستجري في آذار القادم، ووضع ميزان القوى، السياسي والشعبي، في روسيا وأثره في التحكم بحظوظ أبرز المرشحين في الفوز. وتوصيفنا لمرشحي هذه الانتخابات وولاءاتهم السياسية والحزبية، وتقديراتنا التي لا تخلو من المجازفة في تحديد شخصية الفائز ونسبة الأصوات التي سيحصل عليها والمنافسين له.
1- تشير موازين القوى السياسية والشعبية في روسيا اليوم، إلى ترجيح كفة الميزان لصالح المرشح فلاديمير بوتين. وانعدام قدرة أيٍّ مِن المرشحين، ولا في أيِّ حال، وإن اتفقوا جمعياً على مرشح واحد! أن يشكلوا منافساً فعلياً لبوتين مرشح حزب روسيا الموحدة والسلطة وغالبية الناخبين. ولذا لا نتوقع بديلا عنه في الفوز في الانتخابات القادمة، ودون أدنى عناء!
2- من الممكن توقع، قبل أن تجري مراكز البحوث والاستبيان الروسية استطلاعات لنسبة الأصوات التي سيحصل عليها المرشحون لانتخابات الرئاسة الروسية، والبالغ عددهم حتى الآن (23) مرشحاً. ويوسعنا أن نصنف ونفرز أبرز ثلاث شخصيات تقليدية، تمثل اليوم أقدم الاحزاب السياسية في روسيا المعاصرة وأكثرها استقراراً وتمثيلاً في مجلس الدوما الروسي، منذُ عام (2000)، بإستثناء عام (2008) إذ لم يجر ترشيح بوتين، لأسباب دستورية صرفة. إذ أنَّ الدستور الروسي لا يسمح لرئيس الدولة الاستمرارفي الحكم لأكثر من فترتين متتاليتين. أما الساسة الذين سيحظون بثقة أكبر من الناخب الروسي فهم؛ 1- فلاديمير بوتين (وطني وسطي). 2- غينادي زوغانوف (شيوعي كلاسيكي). 3- فلاديمير جيرينوفسكي ( ديماغوجي اِدِّعائي). نعتنا لهؤلاء الساسة، الذين يحظون اليوم بثقة الناخب الروسي بمستوى متفاوت، بتوصيف شديد التحديد منبعه متابعتنا لإنتمائهم الحزبي ونهجهم السياسي والعقائدي منذ أواسط تسعينات القرن الماضي.
3- أعرف تماماً أن التنبوء بتقدير نسبة الأصوات التي سيمنحها الناخبون الروس في اِنتخابات الرئاسة لهؤلاء المرشحين وحصة الفائز فيها، وقبل ثلاثة شهور من موعدها، أمر غير محمود ولا يخلو من مغامرة، غير أنّي على قناعة أن فلاديمير بوتين سيحصل على نسبة تتراوح بين (68-73%). وليس هناك من بين المرشحين كفواً له. ولن يحصل أيّ من المرشحَيّن نسبة (14%) اطلاقاً. وأعتقد أن غينادي زوغانوف سيحصل في أحسن الأحوال على (8-11%). أما فلاديمير جيرينوفسكي فلن يتجاوز نسبته (6-8%).
4- بلا شك أنّي تقصدت في عدم وضعي ساسة معروفين في البلاد إلى جانب المرشحين سالفي الذكر، ليقيني أن ليس بينهم مَنْ يستطيع أن ينال أكثر من (3%)، إن حالفه الحظ. اللهم إلا إذا تكتل كل مَنْ يُطلق عليهم باليبراليين والديمقراطيين وكارهي بوتين وجمهوره السياسي والشعبي، وهذا أمر غير وارد اليوم في ظل الخلافات الحادة بينهم والتنافس على الزعامة، واتهام الناخب لهم بالولاء للغرب وعدم الاكتراث بمصالح روسيا ومكانتها الدولية. وحتى لو حصلت هذه المعجزة لن تتعدى نسبتهم (6%).
وهكذا رغم قناعتي بأن هذا التنبوء بنسبة الأصوات التي سيحصل عليها المرشحون مجازفة، لكني أحتفظ بحق تثبيت توقعاتي هذه وأهميتها الإحصائية والإعلامية. وسأعود لها حتماً بعد إعلان النتائج النهائية لانتخابات الرئاسة الروسية.