في انحطاط المعارضة السورية

مازن كم الماز
2017 / 12 / 16

طبيعي جدا في أية معارضة سلطوية أن تخلط بين مصالحها و مصالح الشعب الذي تمثله أو تدافع عنه , بين حريته مثلا و بين سلطتها هي عليه , لكن الحال مع المعارضة السلطوية السورية تجاوز هذا المستوى العادي من التخليط .. للأمانة لم تغير المعارضة السورية خطابها أو كلامها منذ أول لحظة من الثورة حتى اليوم , رغم كل ما تغير في سوريا و في العالم بقيت هي ثابتة على مواقفها : على المجتمع الدولي أن يأتي إلى سوريا و يقضي على كل خصومها و يقدم لها السلطة على طبق من ذهب .. لأسباب مختلفة لم يكن هذا رأي المجتمع الدولي , لكن المعارضة السورية لم تغير رأيها للحظة واحدة , لسبع سنوات بقيت تردد نفس الكلام دون أدنى إحساس بالملل .. ثانيا لم تنتبه المعارضة السورية إلى أنها أصبحت نحسا لا مثيل له : لا يوجد شيء تحدثت عنه المعارضة أو دافعت عنه إلا و تحول إلى خراب .. للأمانة فإن هذا الخراب نتيجة لألاعيب الأنظمة المختلفة و صراعها على سورية و المنطقة , أما مشاركة المعارضة السورية فيه فهو يقتصر على غبائها و طائفيتها أو بالأصح استعدادها لتبني أي خطاب و امتداح أي ديكتاتور , صغير أو كبير , من أجل الوصول إلى هدفها في "حرية الشعب السوري" .. طبيعي أن تستنكر المعارضة السورية السلطوية السؤال المنحبكجي الكلاسيكي : كنا عايشين , لكن هذا لم يعد يعني شيئا اليوم , الجميع اليوم في سوريا لا يستطيعون الحياة إلا بالكاد .. و هذا علامة على ظاهرة غريبة : عجز المعارضة عن الإحساس بمن تمثلهم و تدافع عنهم أو أن هذه المعارضة تستطيع الحياة بينما يموت الآخرون تحديدا من تمثلهم و تدافع عنهم .. جزء آخر من العجز عن فهم الواقع هو عدم إدراك المعارضة السورية لصعوبة إقامتها لسلطتها الخاصة , فمن تدافع عنهم أو تقول أنها تمثلهم لا يؤمنون بأن سلطتها تعني حريتهم كما تعتقد هي : إنها مهما حاولت لن تكون طائفية أكثر من نظام الأسد أو داعش , و صحيح أنها حاولت التعايش مع النصرة و جيش الإسلام و أشباههم لكن هذه القوى هي التي رفضت مثل هذا التعايش , و يسري هذا أيضا على بقايا الجيش الحر أيضا , و الطريقة الوحيدة لتعوض عن عجزها عن حشد دعم جماهيري ( أو عسكري ) مهم هو في شراء ذمم السوريين و الاحتماء بميليشيات أو مجموعات مرتزقة محليين أو مستوردين .. لكن للمعارضة السورية تفسيراتها الخاصة لكل هذا النحس , فالعالم تحول فجأة إلى غابة و القيم الإنسانية تداس اليوم تحت اقدام ما بعد الحداثة الخ .. لكن لا توجد حالة تجسد أزمة ما بعد الحداثة في العالم مثل المعارضة السورية .. عدمية هذه المعارضة كانت جزءا من الاضطرارات السياسية التي وجدت المعارضة السورية نفسها مدفوعة إليها : فهي أناركية بل على يسار الأناركية عندما يدور الحديث عن النظام السوري و هي أكثر يمينية من أي يميني إذا تعلق الأمر بالديكتاتوريات التي تمتدحها أو تنتظر منها أن توصلها إلى قصر الشعب في دمشق , أما فيما يتعلق بالعدمية فإنها أكثر عدمية من أكثر الأناركيين البدائيين أو الفردانيين , إنها أبوكاليبتكية , تبشر بالقيامة الآن و هنا و تدعو إليها دون أي تردد .. إنها تحلم بهرمجدون يقضي على كل مؤيدي النظام السوري في ضربة واحدة لهذا لم تفهم الصحافية السورية المعارضة رد وزير الخارجية الأمريكي السابق كيري عندما أجابها : هل تريدين منا الذهاب إلى حرب نووية مع الروس بل اكتفت بصمت ممزوج بنظرات الاستغراب و الاستهجان .. كل هذه العلامات تدل على تحول مهم في المعارضة السورية التي أصبحت نسخة بالكربون عن معارضة نظام صدام بعد هزيمته عام 1991 أمام "المجتمع الدولي" , معارضة طائفية و شوفينية و لكنها تستطيع في نفس الوقت أن تسمي نفسها علمانية و حتى أن تتصرف كذلك عند الحاجة ( كما تفعل النصرة و الأسد ) , تشتم الخارج و تتوسل تدخلاته في نفس الوقت , إنها بكلمة سوبر براغماتية , مستعدة لأي شيء في سبيل الوصول إلى السلطة و قد استزلمت للوصول إلى هذا الهدف لحساب قوى إقليمية شديدة السلطوية أو شمولية تعتقد هي أيضا أنها تحتاجها , هذا التحول إلى جانب استمرار النظام الأسدي و الخراب الذي جاء مع الصراع للسيطرة على سوريا مؤشر سيء للغاية على مستقبل سوريا