الدولةُ المُزدوجة: الإرهابي والفقيه

سامي عبد العال
2017 / 12 / 16

في الثقافة العربية هناك خلل بنائي في تأسيس الدولة. وهو ما أغرى قوى المجتمع للهيمنة عليها حتى فقدت فاعليتها إزاء التنوع ومبادئ الحكم وآلياته. الخلل هو أنَّها: "دولة السلطة لا سلطة الدولة". والفارق كبير بين المعنيين. فقد جعل جذور السلطة الغالبة ساريةً داخل/ خارج سيادة الدولة. أي تكتسب دلالتها وتقوضها في الوقت عينه. وعلى ذات المنوال أصبحنا نرى دولة القبيلة، دولة العشيرة، دولة العائلة، دولة الطائفة... وأخيراً دولة الجماعة الدينية.

كانت النتيجة أنْ ظهرت الدولة المزدوجة double state. وهي التي لا تخلص لماهيتها ولا لوظيفتها العامة، بل تمارس ما يناقضها من أدوار بمنطق اللادولة ولاسيما بصدد مشكلة الإرهاب واستعمال الدين. حيث باتت الدولة خطاً وهمياً متقلباً بين الإرهابي والفقيه، بين المجتمع والجماعة الدينية. لأنها كائن سلطوي يجسد المسافة بينهما بفضل فجوتها التاريخية. لدرجة أنَّها تستعير ألعابهما وتتجاهل مؤسساتها تاركة المجال أمام الثنائيات.

من ثم هناك سؤالٌّ منطقيٌ: ما الفاصل(القريب– البعيد) بين الإرهابي والفقيه إذا كانت الدولة مزدوجةً؟ هل يوجد تناقض أساسي بينهما على ما تقول الأنظمة السياسية العربية؟ فالإرهابي غير مدعوم علناً منها، وقد يكون عبطَّاً إذا تمَّ ذلك. أما الفقيه، فله كلُّ الحُظوة داخل مجتمعات العرب. ويجلس على أعتاب السلطة بجوار الوزراء والقضاة وقادة الأحزاب والمثقفين.

ويلاحظ أنَّه رغم تباعد المسافة - فالإرهابي ينكره المجتمع بينما يحتضن الفقيه كضامن لمرجعية الأمة - إلاَّ أنَّهما يؤديان الوظيفة نفسها. ليس لأنَّهما يقصدان ذلك فكلاهما يلعن الآخر ويكفره، بل لأنَّ الخريطة التي يرسمانها هي الدولة بالازدواج السابق. أي هما يلتقيان حول هدف الهيمنة عليها وإعادة تدويرها لصالح مآرب خاصة.

وبالتالي فالمشروع الديني البرجماتي لكليهما واحد وإنْ اختلفت المواقع. وعليه تصبح الدولة كمساحة للإرهاب ليست فقط مضمارا لعملياته إنما لحُكمه المنتظر. فهو كصاحب خطاب عنيف ينشد فكرة تطبيق الشريعة وإنزال الحدود فوراً بالأشرار. وإن كان يلجأ إلى الفتك بالناس فلأنَّهم مرتدون وكفار بنفس الحاشية التي توفرها الدولة. فالأخيرة تصوغ التعليم والثقافة والمؤسسات وبرامج التوعية وتُخرِّج نفس الأدمغة والأحاسيس والأفعال وتسمح بممارسات اجتماعية دون سواها.

كما أنَّ الإرهاب ينفذ عملياته الانتحارية واستعمال الدولة كعربة طائشة باسم الخلاقة الدينية وصولاً إلى الشعب. وطبعاً يقتات ويشتم مخدرات التراث الفقهي والعقدي والسياسي طوال الوقت الذي يفرض عليه هذا.

والدولة حين ترعى كفاراً – من وجهة نظره- يتحتم تطهير البلاد والحياة منها ومنهم. وأنَّه كإرهابي لن يخْلُص إلى غايته دون انجاز هدفين: التخلص من الناس(الشعب) قتلاً أو طاعة: وإنهاء حكم الدولة وأسلمتها. وهذا سبب أن كل فكر إرهابي يقتل ويستبيح المجال السياسي لأنه فيما يتوهم يمتلك البديل الإلهي له.

من جهة موازيةٍ، يسعى الفقيه إلى توسيع نطاق تأثيره بدافع تأمين حظيرة سياسية له. وفي هذه المرحلة ليس صحيحاً أنه مجرد فقيه الدولة( بهذا المعنى بين المضاف والمضاف إليه) وبما يشي أنه ذو وظيفة عمومية محكومة بالقانون واللوائح. لأنَّ الإرشاد والنُصح ليسا مبررين في نطاق الدولة ولا السياسة. وتلك الرقعة فتحت له منفذاً للانتشار وانتظار المكانة الأكبر. بدليل أنَّ الفقهاء يأخذون ألقاب الدعاة ورتبتهم المعنوية. هؤلاء الذين يدعون إلى دين الله في مجتمع المسلمين. أي يعرِّفون الإسلام المعروف أصلاً إلى أصحابه!! وهنا يوجد احتمالان: فإما أنهم يقدمون شيئاً جديداً وهم عكس ذلك تماماً لكونهم يعيشوا على آراء فقهية لم تجدد متونُها من مئات السنوات: أو أنهم يخدمون السلطة القائمة وفي تلك الحال يزيفون الأوضاع السياسية ويشاركون في تكريسهاً.

إضافة إلى ذلك هناك كارثة أنَّ الدولة تحركهما لصالح نظامها الحاكم داخل بطن السلطة السائدة... فهي تتعامل مع الإرهابي سلباً بالإقصاء ومع الفقيه إيجاباً بالرعاية والدعم. وليس ذلك من أجل شيء أكثر من الاستحواذ على المساحة التي هي كلُّ اسمها (الدولة). فالصراع غير المعلن هو العنوان الرئيس لتلك العملية. وبالمقابل فإنَّ الهدف السابق يقصي أصحاب السيادة (الشعوب) عن الصراع. لأنها أمام ورطة الانحياز أو الاختيار، أيهما تفضل وتتحمل النتائج المترتبة عليه. فالدولة تعتبر الشعوب بمثابة الحامل لبنيتها. وهي الموضوع الحيوي للحُكم سواء في الشكل الديمقراطي أو بفكرة السلطة وبناء المؤسسات وتقديم خدمات. إذ ينبغي وجود زبائن سياسيين لتلقي القوانين وتنفيذها وإعمال السيادة والقضاء وتسيير أمور الحياة اليومية والاجتماعية.

وبالتالي نحن في حاجة إلى معرفة أبعاد الخريطة التي تحاول فك طلاسم هذا اللغز لعدة أسباب:

- لا تكف الدولة عن متابعة الإرهاب قائلة إنه أصل مشاكل التنمية والازدهار. وأن وجود الإرهاب يعيق الخطوات والإجراءات نحو هذين الجانبين.

- يشيع الإرهاب مناخاً من الاحتقان بين عناصر المجتمع ويوَّحِل الأفراد في علاقات مشبوهة بأعمال العنف والكراهية.

- الفقيه على درجة( تقول الدولة) مهمة لكونه يبرز وجهاً مقبولاً للخطاب الديني. كما أنه يباشر دوره في التقريب بين اتجاهات الأمة ومكوناتها العقائدية.

- توكل للفقيه (باختلاف هيئات الفقه) إمكانية تجديد الخطاب الديني. وذلك للقضاء على(الطرف الأبعد). أي أن الطرف الأقرب يشتبك بأسلحته النصية الثقيلة لمحاربة نقيضه (على افتراض ذلك مؤقتاً) خارج الحدود إن وجد.

- إذا تمت المقارنة بين الاثنين، فالطرفان يُظهران تقارباً من السلطة. والإرهابي أعرف الناس بقدرات الدولة وجهازها الأمني. أي هو آلية الإنذار المبكر لما يمارسه نظيره داخل المجتمع. الإرهابي جسد حي يعمل مع أجهزة الدولة نبضاً بنبض ونفساً بنفس.

إذن المساحة الجغرافية التي يتحرك علها الإرهابي والفقيه هي الدولة المتنازع عليها. والوظيفة الخادعة هنا جزء من تأسيس الدولة في جوهرها. طالما تسمح بالدورين المناوئين لكيانها. فلكي تتمكن من ممارسة سلطتها، لابد أنْ تخلق بعبعاً اسمه الإرهاب. وهي نظرية شهيرة في تاريخ الحيل والإستراتيجية السياسية. فلو لم يكن المواطنون يقدِّرون دولتهم، فلتسع السلطة الحاكمة إلى إيجاد "ثقب أسود " يمتص تلك الطاقة السالبة. ولكيلا تتهم في دينها الرسمي أمام مواطنيها لا مفر من إعطاء دور للفقيه. وهنا المسألة تثير قضايا مستمرة حول بناء الدولة في الثقافة العربية؟ ولماذا تلجأ السلطة إلى الرمي بثقلها خارج الإرادة العامة زعماً بأنَّ ذلك يتماشى معها؟ وكيف توجه أنظار مواطنيها تجاه قوى الشر التي تترصدها؟! ولماذا يحدث خطف الأنظار تجاه شيء أبعد حتى لا ننظر إلى أشياء أقرب؟

مخلص الوظيفة المشار إليها كالتالي: الإرهابي يريد السلطة: الفقيه يريد السلطة والسلطة القائمة تمتلك الدولة باستعمالهما... إذن يلتقي (الإرهابي والفقيه والدولة) على الشيء نفسه. وهذه هي الخديعة الكبرى في السياق العربي. بحكم أنَّ الناس نائمون لا يلتفتون إلاَّ باتجاه واحد دون الاتجاهات الأخرى مجتمعة. لكن سبر أغوار هذا النقطة يظهر إلى أي مدى تصبح اللعبة في غير مجالها وأوانها تماماً.

لأن الفقيه والإرهابي يلتقيان على مصادر تراثية واحدة. كل ما في الأمر أنَّ الطرق والوسائل مختلفة. وأن ما يجعلهما يتقاربان أكثر مما يدفعهما للتناطح والابتعاد. فالتراث الديني لن يجدد بهذه الطريقة، لأن الاثنين يسعيان إلى تكريس دولة السلطة. والأخيرة في أمس الحاجة إليهما أكثر مما يحتاجانها فعلاً. وطالما أن الهدف مشترك- كما قلنا- فالذي سيضيع هو الموضوع المشترك. أي ستضيع الدولة التي تقبل هذا الإشكال.

إذن لابد للدولة في بنيتها أن تلفظ هذا الازدواج، لأنَّ مفهومها من المفاهيم التي لا تقبل الاستيلاء عليها ابتداءً. الدولة إذا كانت دولة حقيقية يصعب اقتحام نظامها السياسي وقوته المحايدة. لأنها أشبه بجهاز سياسي كاشف للتناقض والكذب من الأساس.