الاسلوب القويم لتعامل الاسرة مع اطفالها

حامد الحمداني
2017 / 12 / 15

البيت هو البيئة الاجتماعية الأولى للطفل، يقضي السنوات الأولى من حياته فيه منذُ الولادة وحتى انتقاله إلى المدرسة.
فالبيت إذاً هو المدرسة الأولى حيث تتولى الأسرة التي يعيش في كنفها رعايته وتنشئته النشأة القويمة.
وبناء على ذلك فأن الأسرة تلعب دوراً بالغ الأهمية في تربية وإعداد أطفالها [اجتماعياً ] و[ أخلاقياً ] و[ عاطفياً ] من خلال إحاطتهم بالحب والعاطفة والأمن، وتدريبهم على السلوك الاجتماعي القويم، وتوفير الرعاية الأساسية الممكنة لهم، وإشعارهم بأنهم موضع اهتمامهم وحمايتهم، والاعتزاز بهم.

تتولى الأسرة تعليمهم وتوجيههم لممارسة السلوك المقبول اجتماعياً، من خلال ممارستهم للأعمال والأنشطة المفيدة، والعمل على تجنيبهم كل سلوك ضار ومرفوض من قبل المجتمع بأسلوب تربوي بعيد عن أساليب القمع والإكراه، وأن يكون الوالدين مثالاً وقدوة حسنة وصادقة في سلوكهم وممارستهم أمام أطفالهم، حيث يقلد الأطفال ذويهم ويتعلمون منهم الشيء الكثير.

وعلى ذلك فإن الوالدين تقع عليهم مسؤولية تربوية كبرى يتوقف عليها مستقبل أطفالهم، فالعائلة التي تغرس في نفوس أطفالها القيم والعادات الحميدة تكون قد بنت الأساس المكين لسلوكهم وأخلاقهم مستقبلاً، وعلى العكس من ذلك فإن العادات السيئة والسلوك المنحرف الذي يتعلمه الأطفال في مقتبل حياتهم من أفراد أسرتهم يتحول إلى سلوك دائمي إذا ما استمروا عليه، فمن الصعوبة بمكان أن نلغي لدى أطفالنا عادة ما، ونحل محلها عادة أخرى، حيث يتطلب ذلك منا الجهد الكبير والوقت الطويل.

إن بإمكان الأسرة التي تهدف إلى تربية أطفالها التربية القويمة أن تستعين بالمبادئ التالية:
1ـ من الضروري للوالدين احترام مسار النمو العادي لطاقات أطفالهم والسماح لغرائزهم بالنمو بشكل طبيعي شرط أن لا تعرضهم للاستثارة الزائدة، وإرشادهم فيما يتعلق بمواجهة المشاعر الاتكالية والجنسية والعدوانية، ومساعدتهم على ضبط تلك المشاعر وجعلها طبيعية، وإشباعها بأسلوب لا يخل بالقيم السائدة في ثقافتهم، ولاشك أن الوالدين لهما الحق، وعليهما الواجب في تبني قيم معينة ومحاولة غرسها وتنميتها لدى الأطفال لأن هذا الإطار ضروري لخلق المعايير السلوكية لديهم.

2ـ ضرورة تهيئة المناخ المناسب لتنمية الثقة لدى أطفالهم، والتي تشكل الأساس لكل الروابط العاطفية لأن الأطفال بحاجة للحصول على الخبرة لتحقيق الاستقلال الذاتي، شرط أن لا يعني ذلك إطلاق العنان ومحاولة إشباعها بصورة عشوائية من غير ضوابط .

3ـ على الوالدين إتاحة الفرصة لأطفالهم للتعبير عن الشغف وحب الاستطلاع والمبادأة والاستكشاف، شرط أن لايؤدي ذلك إلى التجاوز على القيم النبيلة أو على حقوق الغير، وتشجيعهم على الكد والمثابرة والاجتهاد.

4ـ ينبغي للوالدين أن يتصفا بالحزم ولكن من دون قسوة، والإرشاد من دون استخدام الأوامر والتعليمات غير المنطقية وغير المبررة، وان يحرصوا على إدامة الثقة فيما بينهم أولاً، وبينهم وبين أطفالهم ثانياً، حيث أن ذلك يساعد الأطفال على النمو خلال مرحلة المراهقة والشباب، والحرص على تنمية المشاعر الإيجابية لديهم فيما يخص تقدير الذات، والقدرة على التحمل والتسامح، والتمسك بالقيم الإنسانية.

5ـ ينبغي للأسرة أن تكون نموذجاً يتسم بالثقة والأمن من خلال تمسكهم بالقيم الفاضلة، والسلوك القويم، والطلب من أبنائهم ممارستها، من خلال ممارستهم لتلك السلوكيات والعمل على تعزيز الجانب الإيجابي في السلوك، وامتداح أبنائهم الملتزمين به، والعمل على كف السلوكيات الخاطئة والمنحرفة، وغير المرغوب بها.

6ـ لا شك أن استخدام المحبة والتقبيل بدلاً من أساليب القوة والسيطرة والعنف هي السبيل الأمثل لتربية وتنمية أطفالهم، وجعلهم أكثر قدرة وقابلية على تحمل المسؤولية عن أفعالهم، وتمسكهم بالتعاون مع الآخرين، وإن استخدام أساليب العنف مع الأطفال لضبط سلوكهم من شأنه أن يؤدي إلى تنمية المشاعر العدوانية لديهم.

إن ما يكتسبه الأطفال خلال السنوات الأولى من حياتهم بين أسرهم، قبل دخولهم المرحلة الوسطى، ونقصد بها المدرسة والتي هي امتداد للتربية في البيت، حيث تعد الأبناء لدخول حياة المجتمع، ولذلك فهي من الأهمية بمكان لمستقبلهم، فإذا ما كانت الأسرة تعيش حياة آمنة ومستقرة، يسودها المحبة والاحترام، والتعاون بين أفرادها، وخاصة الوالدين، وتتمسك بالسلوك والأخلاقيات القويمة، فلا شك أنها سوف تؤثر تأثيراً إيجابياً عميقاً في نفسية وسلوك أبنائها، وعلى العكس من ذلك فإن الأسر الممزقة والمتناحرة، والتي تفتقد إلى الاحترام المتبادل بين الوالدين وبقية أفراد الأسرة، وكذلك الأسر التي انفصل فيها الوالدين، ويعيش الأطفال مع أحدهما، أو كلاهما بالتناوب فإن ذلك يؤثر تأثيراً سلبياً بالغاً على نفسية وسلوك أبنائهم بكل تأكيد.

لقد اتضح من الدراسات التي أجراها علماء التربية وعلم النفس أن الأسر التي لا تعاني من مشكلات سلوكية بين أعضائها تعيش حياة هادئة، ويرتاح بعضهم إلى البعض الآخر، وهم يستطيعون إجراء المناقشات فيما بينهم بمهارة ويسر، وعلى الرغم من وجود فروق في الأدوار لكل فرد منهم، فإنهم يشتركون جميعا في القيم السامية التي تحافظ على بناء وتماسك أسرهم، على الرغم من أن الأسر لا يمكن أن تخلو من بعض التوترات والإحباطات، والغضب والغيرة وغيرها من المشكلات، فهذه خصائص موجودة في كل أسرة، لكن هذه الأسر تختلف بعضها عن البعض الآخر في كيفية مجابهة تلك المشاكل التي تحدث داخلها عن طريق الحكمة والتعقل الممتزجة بالحبة والعطف والاحترام العميق لمشاعر الجميع صغاراً وكباراً.

وعلى العكس من ذلك نجد الأسر التي يعاني أفرادها من الاضطراب السلوكي تتميز بالضعف، وهشاشة العلاقة فيما بينها، ومع البيئة الاجتماعية الخارجية، وتتسم العلاقات الأسرية بالغضب والاستفزاز والعداء، وتنتابهم باستمرار مشاعر التهديد والمراوغة والكراهية حيال بعضهم البعض، ويسود الأسرة مناخاً من الإحباط والركود، وقد نجد أبناءهم يهربون إلى خارج الأسرة.

إن الأسر التي تعاني من المشاكل بين الوالدين تتسم تربية أبنائهم بالازدواجية حيث يتلقون التوجيهات المتناقضة منهما وقد يلجاً أحد الوالدين إلى تحريض أبنائهم على عدم الإصغاء لنصائح الطرف الآخر و تشويه صورته والإساءة إليه، مما يؤدي إلى عدم احترام الأبناء لهما، أواتخاذهما نموذجاً يحُتذى به في سلوكهم.