هل تبكي الشعوب ؟!

سامي عبد العال
2017 / 12 / 14

ليس أقبح لأنفسنا من البكاء عويلاً حول ما لا نستطيع فعلَّه. فذلك يعنى انعدام القدرة على أنْ نكون بمستوى الحياة لا العمل فقط. أيسمع العالم صراخ العرب حول قضايا تاريخية كموضوع القدس أو غيره؟ ماذا يفيد البكاء وسط التحولات الاقتصادية وعواصف السياسة وتطور المعارف والعلوم والتكنولوجيا؟... فهذا ما وصل إليه العالم القوي الذي يعيش عصره خارج حدودنا. بينما نحن نستعيض عن الانجاز بالإعجاز، ونكتفي بالاستنكار دون الابتكار، والإستحمار عوض الحرية والاختيار.

ما أخشاه أنْ تذهب الإنسانية نحو المستقبل الافتراضي في حين نرجع نحن إلى حيوانية بدائية. وأنْ نقبل- تحت مطرقة الانتهاك الأمريكي- أدوار القبائل البائدة طائعين. ونستل ريشات حول رؤوسنا لنستغرق قرونا في أصوات تغمغم تجاه بعضنا البعض دون مجيبٍ. ثم نمارس ركض الوجود بشكل عبثي فوق الموت وعبر الأوهام الوثيرة.

للأسف كان هذا حال العرب بعد إعلان نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. بل قبل توقيع ترامب بأيام أخذت الفضائيات في النباح حتى الرمق الأخير. ولم تكن شعوبنا أكثر من ترجمة لمقولة عبدالله القصيمي: العرب ظاهرة صوتية. فلم يفعل رئيس أمريكا سوى أنْ نكأ الجراح بأظافره. جراح الهزائم من الأندلس وفلسطين ثم قتل التنوع العرقي والديني والفكري... وصولاً إلى ضياع التاريخ والجغرافيا والحضارة. وراهناً ضياع الإنسان في مرآة الواقع العربي اليومي. هذا إنْ كان الواقع يرى شيئاً أصلاً. واقع أعمى يدهس العواطف والحقوق بلا استثناء. وربما أنَّ عجلة التقهقر ستأكل مزيداً من لحمنا الحي. ولن تقتل ولن تدغدغ، بل ستمزق بكل قسوة!!

والأبعد أسفاً أنَّ البكاء هو الطريق العائد إلى نشأة العجز العربي. من يُرد أن يعرف أين جذوره، فليحفر داخل بكاء الأطلال والبكاء فوق أشباح القبور وأمام خيمة المحبوبة وعلى الخرق البالية من المناصب الرسمية وآثار السلطة وزوالها. البكاء تصفية حساب سريع التأثير مع الذات. وعندما يتحول إلى طقس عام، يعدُّ ندباً للحظوظ وإضاعة الفرص نحو حياة أفضل. أقرب الأمثلة هذا البكاء والنواح لمصرع الحُسين الذي مازال حتى الآن تراجيديا حية. له إتباعه الذين يتزايدون ويهرعون وراء المراقد المقدسة. ويمثلون الأداء في طقوس جماعية كربلائية نراها جميعاً على شاشات التلفاز.

أيضاً في غمرة الحب يحدو اللغة( كحداء الإبل) هوس البكاء والتمسح ببيت المحبوبة كمن يتمسح بالأضرحة ويقبلُّها، ولا يغيب التماثل على خلفية ذاكرة البكاء(عشقاً وموتاً) في تاريخنا الشعبي كما ينشد قيس بن الملوح بصدد بيت ليلى:
أمُر على الديار ديار ليلى... فأقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي... ولكن حب من سكن الديارا

والانتقال وارد تماماً من ذاكرة الشعر كلغة إلى إمكانية البكاء العام نتيجة ضعف المجتمعات والدول. لكن الذي يختار هذا الشكل من الحياة لا يستحق أنْ ينتصب إلى أعلى. عليه أنْ يهلك كمداً بين الحفر. وإذا كان العرب ينهمكون بالغناء والرقص في هذه الأثناء، فليس ذلك سوى الهروب الكبير حيث الانحدار.

السؤال المفصلي: كيف نرفض ذلك المصير؟! يضعنا أبو القاسم الشابي في متن قصيدته " إرادة الحياة "... لا لكي يحوطنا بنظرات عابرة لكنه يسكب داخل المتلقي بعضاً مما يشعر كنوع من تطهير الرواسب التاريخية. أليس الشعر هو أكبر علاج للشعوب، وجدان الشعوب؟! فالشاعر لن يتحدث بلسان الأنا الفردي التي يمجدها نيتشه ذات عناوين وأسئلة:( لماذا أنا مُدمر، لماذا أنا حكيم، لماذا أنا مُهلِّك؟!) بيد أنَّ إطار الكل مختلف تماماً: " إذا الشعب يوماً أراد الحياة ... فلابد أنْ يستجيب القدر"( أبو القاسم الشابي، أغاني الحياة، الدار التونسية للنشر والتوزيع، تونس 1970، ص 240).

لأنَّ القدرة الحية ليست موضوعاً فردياً كإرادة الأبطال في الأساطير اليونانية. ولا هي قرينة العنترة ( نسبة إلى عنترة بن شداد) كرمز للقوة والتحدي. لكنها هاجس حيوي لشعب ما هو الأمل. ليس متميزاً من بين الشعوب الأخرى لكنه: الشعب وكفى .. هكذا بصيغة ألف ولام التعريف. حيث إنَّه ليس مجهولاً إلى ذاته ولا مقذوفاً إليها بليلٍّ، بالتأكيد هو غير ذلك إذا أراد. مما يتوقف عليه الأمرُ بقبضة الجمع إزاء التحديات.

هنا الإرادة تسبق كل الكائنات، لأنَّها ليست كائنة إنما هي أصل، تفتح، انبثاق، فيض. فالشرط ( إذا..) زمن فاعل لا يحتويه توقُّع دون أنْ يكون الشعب هو القائم. والأخير كلمة لا يوازيها القدر أيضاً، فهي القدر ذاته بموجب سبق إرادة الشعب نحو ما يريد. وبالتالي يبدو الشرط جواباً له في عين الوقت. أي أن الزمن واحد رغم اختلاف النقلتين بين الإرادة والاستجابة. فمن يحرك القدر هو الشعب ومن يستجيب هو بالمقابل قدر الشعب. وكأنَّما الأقدار في الحياة تلتقي في حركة عامة. هي الحياة العامة في الثورات والسياسة وفن العيش وحرية المصير لأنَّها إرادة وجود الكل.

وربما ذلك بمثابة الاستثناء الوحيد الذي يعتبره الشابي قاعدةً. فالحقيقة يحملها ما يترتب على الاستجابة بالمعنى السابق" ولابد لليل أن ينجلي.. ولابد للقيد أنْ ينكسر" ( الديوان نفسه، ص240). والبُد هنا حتم يأخذ مساره بفضل الهدف منه. فلابد لليل.. هذا الدال الذي يتشكل بمجمل المعاني التي قد يستدعيها. الظلم، القهر، المأساة، الضياع، الذل، العبودية، الاحتقار. فتلك الأشياء لا يصح فيما وراء التعبير أن تتجسد على صعيد شعب ما. لأنه يمتلك من الاستثناءات الكاسحة ما يجعله صاحب أي قاعدة يريد. بما فيها كسر القيود. حتى أنَّ الضرورة تبدو من ثم احتمالاً وارداً باستمرار.

ولذلك لا معنى للبكاء إلاَّ أن يكون نوعاً من التنفيس المُر عن عجز الإرادة. ذلك حين لا يقوى الإنسان على تجاوز الحواجز. فيشعر بالهزيمة النكراء دون مفر. وعندئذ يجعله النكوص على النفس محتقناً ومتجمداً على شفا الضياع. كيف سيفعل شيئاً خارج التوقعات بينما تخُور كلُّ قواه؟! وبأي سبيل يدفع أمراً قاهراً كَسَر ظهره؟ إنَّ الحياة لا تعطي أسرارها إلَّا لمن يمخر أمواجها العاتية. " ومن لم يعانقه شوق الحياة... تبخر في جوها، واندثر" ( الديوان نفسه، ص 240).

ولعلنا الآن في المجال العربي– بعدما لم نفهم استثناء الشابي- نحصد سنوات العبودية لكل من هبَّ ودبَّ. عبوديةٌ لحُكام وساسة أقزام لا يرتفع رأس أحدهم أعلى من حذائه، وعبودية لمجتمع قاهر يطاردنا ليلاً ونهاراً كالحيوانات في الغابة، وعبودية لرجال الدين لنجعلهم الأكثر صيتا والأبلغ خطاباً والأقوى إقناعاً. وتحولت الديانات التوحيدية إلى ديانات وثنية يمتطيها اللصوص والإرهابيون لاقتناص مآربهم. لأول وهلة قد لا تُريد بعض الشعوب الحياة لأنَّها لم تصب بعدوى ألف ولام التعريف... هي فاقدة للوعي الثوري، لوعي الحياة كما هي في نزقها وصلابتها.

جفاف نبض الحياة يؤدي إلى جفاف الروح، روح التطلع إلى الأعالي. ما أجمل أن يعيش الإنسان فوق الذرى ليشتم رائحة السحاب وهواء الجبال النقي والأبدي" ومن لا يحب صعود الجبال ... يعش أبد الدهر بين الحفر"( الديوان نفسه، ص 241). لأنَّ سريان الحياة يجب أن يدفعا إلى" الما فوق ". إنَّ الشعب برمته قد يكون متسلقاً جيداً للجبال دون السقوط بينما يعجز آحاده على ذلك. عليه ألاَّ يخاف شيئاً لأن الحياة مغامرات فوق الذري بلا سقف. وأي شعب سيصعد فإنما سيدخل هذا الاحتمال الكوني، مع الطبيعة كتفاً بكتف وساقاً بساق ورأساً برأس." فلا الأفقُ يحضن ميت الطيور... ولا النحل يلثم ميت الزهر" (الديوان نفسه، ص241). المجاز الوسيط هو الطبيعة، تلك الطاقة النامية في كل الكائنات. وهي القانون الذي يسري داخلها طراً. إنّها النور الذي يشد الجميع نحوه، إليك هذا التجلي الأبرز في الوجود. أليس ترى أن الحياة أكثر إبداعاً لو تظللت بنورها؟
لكن كيف يكون النور ظلاً وهو النور؟! فلا ماهية له ولا ظلام فيه حتى يتظلل به الإنسان.

هل الشعوب العربية ضد حياتها؟! هل بإمكان شعب أن يكره نفسه من خلال كراهية الحياة؟ هل تريد الشعوب العيش في الظلام؟ بالطبع لا، لكن" من تعبد النورَ أحلامهُ... يباركه النورُ أنى ظهر"( الديوان نفسه، ص 243).. على الدوام هناك نور بلا ظلام حينما يتطلع الإنسان إليه. أي عندما يشق طريقه باتجاه الإشراق حيث يفترض تجلياً لا يعود مظلماً مهما يكن. ولأنَّ التطلع يجب أنْ يكون ديدناً متواصلاً، فإنَّه يكتسي هدوء العبادة وعواصفها، إنَّه طقس وجودي مع الكائنات التي تستحم يومياً بأشعة النور. كأنَّه نوع من القداسة، فهناك المباركة الآتية بنفس إلهي وراء الغمام. وهي في النهاية نفس إنساني، فظهور النور هو محصلة ظهور إرادة الشعب وتتويجاً لها.

وبالتالي لا يأتي النور همساً، لكنه عندما يوقظ عناصر الطبيعة يترك أثراً كأصوات الأجراس. وبفضل كونه استنهاضاً من داخل إرادة حرة آنذاك، فيعبر عن " لهيب الحياة، وروح الظفر"(الديوان نفسه، ص 244). وبذلك يكون المجال متاحاً لعدوى النفوس، من العام إلى الفردي في النهاية عكس المعتاد. فالاستثناء لا يولد إلا استثناءً في نهاية المطاف" إذا طمحت للحياة النفوسُ... فلابد أنْ يستجيب القدرُ"(الديوان نفسه، ص 244). وكأنَّه بعد الاستجابة الأولى التي هي للشعب وداخله يدفع بالنفوس الفردية عبر أتون الكل. هذه الإرادة العامة التي هي روح الحياة. لا مناص حينئذ من تذوق هذا الطموح، حيث لا تدانيها شهوة تلك التي تسعى إلى تغيير العالم.