الشيوعيّة ليست - طغيانا طوباويّا - بل هدفا قابلا للتحقيق و هدفا تحرّريا – مقتطف من كتاب - ماتت الشيوعية الزائفة ... عاشت الشيوعية الحقيقية !- تأليف بوب أفاكيان

شادي الشماوي
2017 / 12 / 13

الشيوعيّة ليست " طغيانا طوباويّا " بل هدفا قابلا للتحقيق و هدفا تحرّريا – مقتطف من كتاب " ماتت الشيوعية الزائفة ...
عاشت الشيوعية الحقيقية !" تأليف بوب أفاكيان
[ لتنزيل الكتاب بأكمله نسخة بى دى أف : مكتبة الحوار المتمدّن ]
https://www.4shared.com/office/TAHEVgGAca/__-______.html
الماويّة : نظريّة و ممارسة
عدد 28 / جويلية 2017
شادي الشماوي

( ملاحظة : هذه الترجمة ليست رسميّة /This is not an official translation )
مقدّمة المترجم للكتاب 28 :
عنوان كتاب بوب أفاكيان الذى ترجمنا إلى العربيّة وننشر هنا هو" ماتت الشيوعيّة الزائفة...عاشت الشيوعيّة الحقيقيّة !" وهو ذات عنوان بيان شهير للحركة الأمميّة الثوريّة بصدد ما جدّ في أواخر ثمانينات القرن العشرين و بدايات تسعيناته في الإتّحاد السوفياتي و البلدان التي كانت تمثّل كتلته من تفكّك و تداعى و إنهيار . و الحركة الأمميّة الثوريّة وليدة الصراع بين الخطّين صلب الحركة الشيوعيّة العالميّة الذى خاضه ورثة ما سمّي بداية " فكر ماو تسى تونغ " و تاليا الماويّة ضد كلّ من التحريفيّة المعاصرة السوفياتيّة و التحريفيّة الصينيّة و التحريفيّة الألبانيّة أو الخوجيّة ، تنظيم عالمي لمجموعة كبيرة من الأحزاب و المنظّمات الماويّة أو الماركسيّة – اللينينيّة – الماويّة نشأ على أساس بيان الحركة الأممية الثوريّة لسنة 1984 الذى أردف لاحقا ، سنة 1993 ، ببيان " لتحي الماركسية - اللينينيّة - الماويّة " . و ظلّ هذا التنظيم العالميّ ينشط موحّدا إلى 2006 حيث حصل داخله إنشقاق أساسيّ كبير لعدّة أسباب أبرزها الإنحراف اليمينيّ ، التحريفيّ الإصلاحيّ للحزب الشيوعيّ النيبالي ( الماوي ) الذى أوقف حرب الشعب الماوية التي قادها لسنوات عشر و بدلا من إنجاز الثورة الديمقراطية الجديدة و تعبيد الطريق للثورة الإشتراكية بقيادة البروليتاريا و بالتالى تحطيم الدولة القائمة للطبقات الرجعيّة ، إنخرط في العمل في إطار الدولة الرجعيّة لإصلاحها . و قد سبق لنا و أن وثّقنا هذا الصراع داخل الحركة الأممية الثوريّة في كتابين تجدونهما بمكتبة الحوار المتمدّن و هما " الثورة الماويّة في النيبال و صراع الخطّين صلب الحركة الأمميّة الثوريّة " و " الماويّة تنقسم إلى إثنين ".
و بوب أفاكيان هو رئيس الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتّحدة الذى كان من أهمّ الفاعلين في تشكيل الحركة الأمميّة الثوريّة و في قيادتها لذلك لم يكن مفاجأ أن يحمل بيان تلك الحركة نفس عنوان كتاب أفاكيان كما لم يكن مفاجأ أن تروّج أحزاب و منظّمات تلك الحركة لهذا الكتاب عبر العالم قاطبة و كذلك لم يكن مفاجأ عدم نشر الجزء الثاني المعدّ في الأصل لهذا الكتاب مع الجزء الأوّل منه بل صدر في مجلّة الحركة الأمميّة الثوريّة ، " عالم نربحه " عدد 17 سنة 1992 ورابطه على الأنترنت هو : http://www.bannedthought.net/International/RIM/AWTW/1992-17/index.htm. و قد إنصبّ إهتمام المؤلّف في الجزء الذى نشر بالمجلّة إيّاها على نقد إنحراف يمينيّ ديمقراطيّ برجوازي ظهر صلب قيادة حزب من الأحزاب المنتمية إلى الحركة الأمميّة الثوريّة ونقصد الحزب الشيوعي الهندي ( الماركسي – اللينيني) لجنة إعادة التنظيم. و بعد بضعة سنوات ، في طبعة ثانية للكتاب ، وقع ضمّ الجزء المنشور بالمجلّة إلى بقيّة الكتاب . لذلك لم نترجم الكتاب كما صدر في طبعته الأولى فحسب بل أضفنا إليه النصّ الذى نشر في " عالم نربحه ".
و لئن إنكبّ بوب أفاكيان في الجزء المنشور في مجلّة الحركة الأمميّة الثوريّة بتسليط سياط النقد على ذلك التوجّه التحرفيّ الإصلاحي فإنّه في الجزء الذى صدر من البداية ككتاب قد إعتنى بالردّ على الهجوم الإيديولوجيّ على الشيوعيّة الحقيقيّة ، الشيوعيّة الثوريّة من قبل الممثّلين السياسيّين و الأدبيّين للبرجوازيّة الإمبرياليّة و بالأخصّ ما صرّح به جورج بوش و برجنسكي المستشار السامي في إدارته .
و ليست هذه هي المرّة الأولى التي ينبرى فيها بوب أفاكيان و حزبه للتصدّى للدفاع المستميت عن علم الشيوعية و التجارب الإشتراكيّة للبروليتاريا العالمية وتعرية التيّارات التحريفيّة و الإصلاحيّة فقد رأينا بوب أفاكيان يقارع التحريفيّة الصينيّة التي إستولت على السلطة في الصين إثر إنقلاب 1976 و حوّلت الصين الماويّة الإشتراكيّة إلى صين رأسماليّة ، في كتاب " المساهامات الخالدة لماو تسى تونغ " و رأينا الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، ينقد بصلابة الخوجيّة و يرفع راية الماويّة في كتابنا ، " الماويّة تدحض الخوجيّة و منذ 1979 " ، و رأينا هذا الحزب بقيادة بوب أفاكيان ، يفضح تحريفيّة و إصلاحيّة الحزب الشيوعي النيبالي ( الماوي ) في كتابنا " الثورة الماويّة في النيبال وصراع الخطّين صلب الحركة الأمميّة الثوريّة " ) و ألفيناه أيضا يواجه دغمائيّة بعض الأحزاب و المنظّمات التي كانت منتمية إلى الحركة الأممية الثورية من أفغانستان و الهند و إيطاليا و غيرها و معارضتها التعاطى مع الشيوعيّة كعلم و تطوير الماويّة تطويرا ثوريّا في كتابينا " الماويّة تنقسم إلى إثنين " و " آجيث صورة لبقايا الماضى " . و لتكوين فكرة عن الخلاصة الجديدة للشيوعيّة أو الشيوعيّة الجديدة التي يعتبر بوب أفاكيان مهندسها و التي يمكن أن تعدّ مزيجا من الدفاع عن المبادئ الشيوعيّة الصحيحة و مكاسب التجارب الإشتراكية من ناحية و نقد لبعض الإنحرافات و الأخطاء و تطويرثوريّ للماويّة أو الماركسيّة – اللينينيّة – الماويّة لجعلها أرسخ علميّا و أقدر على قيادة المرحلة أو الموجة الجديدة للثورة الشيوعية العالميّة من ناحية ثانية ، نقترح على القرّاء الغوص في كتابنا – المتوفّر هو و بقيّة الكتب الآنف ذكرها بمكتبة الحوار المتمدّن – " عن بوب أفاكيان و أهمّية الخلاصة الجديدة للشيوعية – تحدّث قادة من الحزب الشيوعيّ الثوريّ ، الولايات المتّحدة الأمريكيّة ".
و قد ينبرى أحدهم ليثير سؤال : ما علاقة كتاب " ماتت الشيوعيّة الزائفة ... عاشت الشيوعيّة الحقيقيّة ! " بمجريات أحداث الصراع الطبقيّ و الصراع الإيديولوجي تحديدا الآن و هنا ، بعد ما يناهز الثلاثة عقود من صدور ذلك الكتاب ؟ و الجواب في غاية البساطة : المسائل المطروحة و المناقشة مسائل ما إنفكّت تطرح على بساط البحث إلى اليوم في صفوف فرق اليسار عربيّا فضلا عن كون الهجوم الإيديولوجيّ على الشيوعيّة الحقيقيّة ، الشيوعيّة الثوريّة ما لقي تصدّيا كما يجب كمّا و نوعا من الشيوعيّين و الشيوعيّات في البلدان العربيّة و ما زلنا إلى اليوم نعانى أيّة معاناة من تبعات ذلك . و حتّى عالميّا ، لا تزال أفكار هذا الكتاب ليس صالحة و حسب بل تنبض حياة و على سبيل المثال سيتفطّن دارس الخطّ التحريفيّ الإصلاحيّ للحزب الشيوعي النيبالي ( الماوي) منذ 2006 و دارس نقد أفاكيان للحزب الهنديّ في الجزء الثاني من هذا الكتاب تقاطعا إلى درجة كبيرة بين أطروحات الحزبين المنحرفين و بالتالى بالإمكان إستغلال حجج أفاكيان في هذا المصنّف للردّ عليهما معا و حتّى على أشباههما ممّن صاروا من أنصار الديمقراطيّة البرجوازيّة المغلّفة بغلاف شيوعيّ في الكثير من بلدان العالم و على النطاق العربيّ أيضا .
و وحده من يسلك سياسة النعامة و يدفن رأسه في الرمل بوسعه إنكار ضرورة الفرز اليوم بين الشيوعيّة الزائفة أي التحريفيّة و الإصلاحيّة السائدتين داخل الحركة الشيوعيّة العربيّة من جهة و الشيوعيّة الحقيقيّة ، الشيوعيّة الثوريّة من الجهة الأخرى سيما و انّ التحريفيّة و الإصلاحيّة قد نخرا و لا يزالان أجسام حتّى القلّة القليلة الباقية من المنظّمات الشيوعيّة الثوريّة أو التي تدّعى ذلك ، و قد سمّما أفكار الشيوعيّات و الشيوعيّين و حوّلا تلك المنظّمات و أولئك الأشخاص إلى ديمقراطيّين برجوازيّين أو قوميّين شوفينيّين لا غير .
و من هنا يندرج عملنا هذا ضمن توضيح و مزيد توضيح خطوط التمايز بين علم الشيوعيّة كسلاح جبّار من أجل الثورة الشيوعيّة العالميّة من ناحية و الصورة المحرّفة و المشوّهة له التي يقدّمها التحريفيّون و الإصلاحيّون من الناحية الأخرى. غاية عملنا إذن هي مساهمة أخرى تنضاف إلى مساهماتنا السابقة في ممارسة الماركسيّة و نبذ التحريفيّة كما أوصانا ماو تسى تونغ . و يكفى إلقاء نظرة على مضامين هذا الكتاب الذى نضع بين أيديكم للتأكّد من مدى أهمّية و صحّة هذا و لا ظلّ للشكّ في أنّ دراسة القضايا المناقشة في هذا الكتاب ستساعف على كشف حقائق في منتهى الأهميّة و الدلالة و رفع الوعي الشيوعيّ الحقيقيّ و نشره في مجابهة أعداء الشيوعيّة و مزيّفيها . و بطبيعة الحال ، ينبغي عدم نسيان إعمال سلاح النقد و قراءة الكتاب قراءة نقديّة في علاقة بواقع أيّام كتابته و أيّامنا هذه و لما لا صياغة ملاحظات نقديّة تفيد في الجدالات و الصراعات في سبيل تطوير فهم علم الثورة البروليتاريّة العالميّة و تطبيقه من أجل تغيير العالم تغييرا شيوعيّا ثوريّا و تحرير الإنسانيّة من كافة أنواع الإستغلال و الإضطهاد.
و محتويات العدد 28 من " الماويّة : نظريّة و ممارسة " ، فضلا عن مقدّمة المترجم :
ماتت الشيوعية الزائفة ... عاشت الشيوعية الحقيقية !

مقدمة الناشر :
تمهيد :
موت الشيوعيّة و مستقبل الشيوعيّة
القمم الثلاث
1 / ماركس :
أ- المادية التاريخية هي الجانب الجوهريّ فى الماركسية :
ب- السرّ القذر للإستغلال الرأسمالي :
2 / لينين :
أ - الإقتصاد السياسي للإمبريالية :
ب- الحزب البروليتاري الطليعي :
ت- تطوّر الثورة البروليتاريّة العالميّة كسيرورة ثوريّة عالميّة :
3 / ماو تسى تونغ :
أ- نظرية و إسترتيجيا ثورة الديمقراطيّة الجديدة :
ب- مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتوريّة البروليتاريا :
4/ الماركسية - اللينينية - الماوية : توليف كلّي القدرة لأنّه صحيح

الجزء الأوّل
الهجوم الراهن ضد الماركسيّة : المراوغات و الردود
1/ أسطورة الأسواق الحرّة فى مقابل الإشتراكية الحقيقية :
2/ بصدد البرجوازية و " الطبيعة الإنسانية " و الدين : الردّ الماركسي :

3/ مرّة أخرى حول الإقتصاد البرجوازيّ و خلط البرجوازيّة للأمور:

4/ من يدافع حقا عن التحرر الوطنيّ و ما هو مفهوم الأمميّة :

5/ دكتاتورية البروليتاريا : ألف مرّة أكثر ديمقراطيّة ... بالنسبة للجماهير :

6/ الشيوعيّة ليست " طغيانا طوباويّا " بل هدفا قابلا للتحقيق و هدفا تحرّريا :

7/ " الماديّة التاريخيّة " الميكانيكيّة و الماديّة التاريخيّة الجدليّة :
الجزء الثاني
مرّة أخرى حول التجربة التاريخيّة للثورة البروليتاريّة – مرّة أخرى حول كسب العالم

1/ مسألة قوى الإنتاج :

2/ تقدّم الثورة العالميّة و تعزيزها :

3/ الثورة البروليتاريّة و الأمميّة : القاعدة الإجتماعيّة :

القيام بالثورة و دفع الإنتاج
1/ تحويل العلاقات بين الناس و تحويل الملكيّة :

2/ المساواة و الوفرة العامة فى ظلّ الإشتراكيّة :

3/ ماذا يعنى أن تكون الجماهير سيّدة المجتمع ؟

4/ البناء الإشتراكيّ فى الإطار العالميّ :

خاتمة
1/ المواجهة الإيديولوجيّة :

2/ نظرتان إلى العالم ، رؤيتان متناقضتان للحرّية :

3/ أبعد من الحقّ البرجوازيّ :

4/ التكنولوجيا و الإيديولوجيا :

5/ تغيير المجتمع و تغيير " طبيعة الإنسان " :

6/ الماديّة التاريخيّة و تقدّم التاريخ :

-------------------------------------------------------------------------------------
الديمقراطية :
أكثر من أيّ زمن مضى بوسعنا و يجب علينا إنجاز أفضل من ذلك
مقدّمة :
1 / بصدد الأحداث الأخيرة بالكتلة السوفياتية السابقة و بالصين

2/ أفق كمونة باريس : الثورتان البلشفيّة و الصينيّة كإمتداد و تعميق لها :

3 / ممارسة السلطة فى المجتمع الإشتراكيّ : القيادة و الجماهير و دكتاتوريّة البروليتاريا :

4/ الصراع الطبقيّ فى ظلّ الإشتراكيّة و أشكال الحكم الجماهيريّ :

5 / مشكلة البيروقراطيّة و دور الحزب و هياكل الدولة فى ظلّ الإشتراكيّة :

6/ تصفية التحليل الطبقيّ بإسم معارضة " الإختزاليّة الطبقيّة " :

7 / تقييم التجربة التاريخيّة :

8/ المركزيّة و اللامركزيّة و إضمحلال الدولة :

9/ إن لم تكن الطليعة هي التى تقود فمن سيقود ؟

10/ أيّ نوع من الحزب ، أيّ نوع من الثورة ؟

11 / النموذج الإنتخابيّ البرجوازيّ مقابل قيادة الجماهير لإعادة صياغة العالم :

12 / المركزيّة الديمقراطيّة و صراع الخطّين و الحفاظ على الطليعة على الطريق الثوريّ :

خاتمة : رفع التحدّى أم التنكّر للثورة ؟
ملحق " الديمقراطية :
أكثر من أيّ زمن مضى بوسعنا و يجب علينا إنجاز أفضل من ذلك "
حول الديمقراطة البروليتارية

( اللجنة المركزية لإعادة تنظيم الحزب الشيوعي الهندي ( الماركسيّ – اللينينيّ) )
1 / المقدّمة :

2/ دكتاتوريّة البروليتاريا :

3- ماركس و كمونة باريس :

4/ لينين و سلطة الدولة البروليتارية :

5 / السوفياتات و ممارسة دكتاتورية البروليتاريا :

6/ نقد وجّهته روزا لكسمبورغ :

7/ ماو و الدولة الديمقراطيّة الجديدة و الثورة الثقافيّة :

8/ الخطأ الأساسيّ :

9/ الدكتاتوريّة البرجوازيّة و الديمقراطيّة البروليتاريّة :

10/ الحاجة إلى توجّه جديد:

11 / دور الحزب الشيوعيّ و عمله :

12 / حلّ لغز الحزب الشيوعيّ :

13 / بعض المسائل الإضافيّة :

14 / الخاتمة :

---------------------------------------------------------------------------------------
ملحق الكتاب
فهارس كتب شادي الشماوي
++++++++++++++++++++++++++++++


6/ الشيوعيّة ليست " طغيانا طوباويّا " بل هدفا قابلا للتحقيق و هدفا تحرّريا :

لكن لنرى ما يقوله بريجنسكى عينه فى الختام . مجيبا عن سؤال بصدد هل أنّ الشيوعية لا تمثّل على الأقلّ بعض المُثُل ذات القيمة ، مثل العمل من أجل المصلحة المشتركة و ما إلى ذلك ، قال : " أرادت [ الشيوعية ] أن تمضى بالمثاليّة إلى أقصاها ممّا إنعكس فى طوباويّة مؤسساتيّة و إرغاميّة أنتجت الضلالات التى شاهدنا فى الإتّحاد السوفياتي . فى إعتقادي ، خُلق زواج فجّ بين المثاليّة المدفوعة إلى أقصاها و عقلانيّة مفترضة مدفوعة إلى نهايات غير عقلانية . فقد كانوا يعتقدون أنّه من الممكن بناء مجتمع متكامل وفق مخطّط و أنّ هذا يعلّل القضاء على أيّ إمرء ليس موافقا على ذلك . كلّ هذا أفضى إلى التراجيديا و الجرائم و ختاما الإخفاق الذى شاهدنا " .

هذه لازمة معروفة . فى الواقع ، هو يردّد صدى آناه آراندت و " نظريّتها " عن الكليانيّة التى حلّلتها فى كتاب " الديمقراطية ...". و تشبه فضلا عن ذلك تعليقات مقال فى " النيويورك تايمز " كان يقول : " [ الإتّحاد السوفياتي ] كان مصدرا للتسلّط و مركز الإيديولوجيا المثاليّة التى بإسمها وقع القضاء على الحرّيات و أفلست إقتصاديّات فى قارتين ... الوهم المخطِأ الرئيسي كما قال ذلك الباتريارك [!] آلاكساي كان من الممكن " صنع مادة إنسانيّة جديدة " و خلق إنسان كامل عبر الإستخدام الإصطناعي للتنظيم الإجتماعي . نستطيع القول إنّ ،على العكس ، قوّة الديمقراطيّة و السوق الحرّة تعزى إلى أنّها تعترف بأنّه رغم كلّ هيناتها يتطوّر الإنسان بصورة أفضل حين يُقيِّم هو بذاته ". ( " شاهد للثورة " ، " النيويورك تايمز" ، 25 أوت 1991 ) .

فى المصاف الأوّل ،هذا مديح دون موارات للأنانيّة . متحدّثا بهذا الصدد فى " نهاية/ بداية " أشرت إلى أنّ المرء بإمكانه أن يحصُل على فكرة جيّدة عن أيّ نظام و المدافعين عنه بالنظر فى القوانين التى يضعونها هم ذاتهم كنموذج . يلحّ النظام البرجوازي على أنّ الأنانيّة هي القوّة المحرّكة جوهريّا للمجتمع الإنسانيّ ، هذا هو إنفضاح ذاتيّ جليّ للرؤية العالميّة للبرجوازيّة و ل" أخلاقها " و للعلاقات القائمة عليها .

و من ناحية ثانية ، أقوال مثل " الإنسان الذى يقيّم هو بذاته " أو إنّ للناس ماهيّة ثابتة ( وغير قابلة للتغير) غريزيّة و/أو تتشكّل بعيدا عن العالم الحقيقيّ و التفاعل الإجتماعيّ ، كلّ هذا هراء برجوازيّ نموذجيّ . يمكن القول إنّ للناس نوعا من الخصوصيّة بإعتبارهم من النوع نفسه : ثمّة بعض المظاهر الجوهريّة المشتركة تميّز عموما كلّ الناس ، بعض مظاهر تكوينهم البيولوجي مثل التطوّر الهام جدّا للمخّ ،غير أنّ هذه الخصوصيّة الإنسانيّة المشتركة نسبيّة و ليست مطلقة و إحدى الميزات الأكثر دلالة التى يختصّ بها الإنسان بوجه عام هي "المرونة " الكبرى أي قدرته على التأقلم و التغيّر تبعا للظروف و كذلك قدرته على تغيير هذه الظروف الخارجيّة بشكل أوعى فأوعى .

طوال آلاف سنوات تاريخه ، شهد الإنسان و مجتمعه تحوّلات بالغة العظمة ، و لو أنّها كما قلت سابقا ، حدثت فى حدود معيّنة جدّا ، تعود فى ذاتها إلى التطوّر المحدود بعدُ لقوى الإنتاج الإجتماعية و العلاقات الإنتاجيّة و العلاقات الإجتماعيّة المواتية و لا تعود إلى المدعّوة " طبيعة إنسانية " غير القابلة للتغيّر . و حتّى ما يعدونه " طبيعة إنسانيّة " ( و ما يعدّونه "عقلانيّا " و "غير عقلانيّ " ) كان مختلفا من عصر إلى آخر و بالنسبة لكلّ طبقة ( على سبيل المثال ، ما يبدو عقلانيّا أو غير عقلانيّ بالنسبة للرأسمالي و مالك العبيد هو أشياء مختلفة فكلاهما مستغلِّين لكنّهما يمثّلان أنظمة علاقات إستغلال بقيمها المناسبة لكلّ منها ، " أخلاقها " إلخ مختلفة ) .

إن أمكن تشخيص بعض المظاهر المشتركة للمجتمع البشريّ ، إلى حدّ الآن ، فمرجع ذلك هو أنّ للناس بالفعل بعض الميزات الأساسيّة العامة المشتركة ، لكن بالخصوص إرادة الإثراء على حساب الآخرين و فكرة أنّ بعض الأشخاص و الأمم أرقى و أنّ على الرجل أن يهيمن على المرأة و مفهوم أنّ قوّة أو سلطة ماورائية تحكم مصير الناس : لا شيء من هذا ينسب إلى" الطبيعة الإنسانية " بل ينسب إلى أنّه ، إلى حدّ الآن ، لم يُوجد أساس مجتمع ، عالم وناس يشتركون بحرّية، واعون علاقتهم مع بقيّة الطبيعة و فيما بينهم . غير أنّ المهمّ هو تحديدا أنّ الآن و لأوّل مرّة فى التاريخ الإنسانيّ ، نعم توجد هذه الإمكانيّة و أيضا توجد ضرورة ملحّة للقيام بذلك . برؤية ثوريّة وصف إنجلز ذلك على هذا النحو :

" و لكن إذا كان للإنقسام إلى طبقات بعض ما يبرّره تاريخيّا ، فليس ذلك إلاّ لفترة معيّنة ، إلاّ فى ظلّ أوضاع إجتماعيّة معيّنة . لقد إشترطته عدم كفاية الإنتاج ، و سيكنسه تطوّر القوى المنتجة الحديثة الكامل . و بالفعل ، يفترض إلغاء الطبقات الإجتماعيّة بلوغ درجة من التطوّر التاريخيّ يغدو معها وجود هذه الطبقة المسيطرة أو تلك ، بله وجود كلّ طبقة مسيطرة على العموم ، و بالتالي إنقسام المجتمع إلى طبقات ، بقيّة من بقايا الماضى و ظاهرة من الظواهر ولىّ زمنها . إنّ إلغاء الطبقات يفترض ، إذن ، أن تطوّر الإنتاج و المنتجات ( و بالتالي للسيطرة السياسية وإحتكار الثقافة و القيادة الفكريّة ) من الأمور النافلة و حسب ، بل يغدو أيضا عائقا أمام التطوّر الإقتصاديّ و السياسيّ و الفكريّ ، و قد تمّ اليوم بلوغ هذه الدرجة ...
إنّ بإمكان الإنتاج الإجتماعي أن يؤمّن لجميع أعضاء المجتمع لا ظروف معيشة ماديّة تكفى تماما و تتحسّن يوما بعد يوم و حسب ، بل أيضا حرّية تطوير و ممارسة مواهبهم الجسديّة و الفكريّة على نحو كامل ، و هذه الإمكانيّة قد تحقّقت الآن لأوّل مرّة و أنّها موجودة الآن فعلا .

فما أن يتملّك المجتمع وسائل الإنتاج حتّى يزول الإنتاج السلعيّ و تزول معه سيطرة المنتوج على المنتجين . و محلّ الفوضى داخل الإنتاج الإجتماعي ، يحلّ تنظيم واع منهجيّ . و يزول النضال فى سبيل البقاء الفردي ."

( إنجلز ، " الإشتراكية الطوباوية و الإشتراكية العلمية " ، صفحة 88-89 ، دار التقدم ، موسكو ، الطبعة العربية ).

فى الختام ، ردّا على بريجنسكى أقول إنّ الماركسيّة رؤية علميّة للعالم ( إنّها نقيض الطوباويّة ) و قد ناضل ماركس بصلابة طوال حياته ضد عديد ألوان " الإشتراكية الطوباوية " التى لم تكن تعتمد الواقع و القاعدة الماديّة للمجتمع الإنسانيّ و تطوّره التاريخيّ . إضافة إلى ذلك ، لم يكن للمجتمعات الإشتراكيّة التى وجدت إلى الآن أيّ شيء من الخيال و لا كان هذا ما يبحث عنه قادتها . بيد أنّ هذه المجتمعات تمثّل تقدّما ضخما مقارنة بالرأسماليّة و كافة المجتمعات السابقة .

إنّ لينين ( و حتّى ستالين إلى حدود معيّنة ) إعترف و أبرز أنّ المجتمع الإشتراكي و إن كان يمثّل قفزة كبرى إلى الأمام ، فإنّه سيكون مليئا بالتناقضات و الصراع فى سبيل تغيير الظروف و الناس مثلما قال ماركس . و قد لخّص ماو تسى تونغ ذلك مثلما رأينا و طوّره إلى مستوى أرقى بصياغة الخطّ الجوهريّ القائل بأنّ المجتمع الإشتراكي مرحلة إنتقاليّة طويلة من الرأسمالية إلى الشيوعيّة فيها ستوجد طبقات و سيوجد صراع طبقيّ ( لا سيما الصراع الحاسم بين البروليتاريا و البرجوازيّة الذى تفرزه بإستمرار التناقضات الأساسيّة للمجتمع الإشتراكي ) و أنّ ثمّة إذا خطر دائم لإعادة تركيز الرأسماليّة و أيضا خطر الهجمات الإمبرياليّة . و قد أبرز ماو أنّه حتّى عندما تبلغ الإنسانيّة مرحلة الشيوعيّة ، فإنّ المجتمع سيظلّ يتقدّم عبر التناقضات و الصراع ( بصفة خاصة ، بين القديم و الجديد ، بين الخاطئ و الصحيح ) مع أنّها لن تكون تناقضات طبقيّة و لا صراع طبقات . كيف سينعت هذا بالطوباوية !

لكنّنا لن نتوقّف عند هذا الحدّ . و بالفعل ، للماركسية - اللينينية - الماوية جانب يمكن تسميته ب" الطوباوي " و " التنبئي" . لا أقول ذلك وبذات المعنى الذى يستعمله إيديولوجيو البرجوازيّة و الناطقين بإسمها ، لا أريد القول إنّ الماركسية - اللينينية - الماويّة تعدُ بمجتمع " كامل " دون تناقضات لأنّه كما عبّر ماو ، دون تناقضات و صراع سيكفّ العالم عن الوجود . ما أودّ قوله هو أنّ للماركسيّة – اللينينيّة – الماويّة و لا بدّ أن يكون لها جانب الذهاب أبعد من الحدود التى تفرضها المرحلة الحالية للمجتمع الإنساني وتصوّر عالم مختلف راديكاليّا فيه يكون الناس متحرّرين من سلاسل المجتمع المنقسم إلى طبقات.

و للردّ على بريجنسكى بكلماته هو ، فى الشيوعيّة ثمّة نوع من الشخصيّة ، توليف من المثاليّ و العقلاني ، أي المثل الأعلى لعالم دون إستغلال و إضطهاد و دون إختلافات طبقيّة أو حتّى إختلافات قوميّة هو هدف عقلانيّ ، ممكن التحقيق فى هذه المرحلة من التاريخ الإنساني ، لكن هذا بمعنى فلسفيّ أعمق و أكثر جوهريّة ليس مثاليّة بل ماديّة : ماديّة جدليّة . إنّه تعبير عن أنّ تطوّر المجتمع الإنساني ( الذى يحدث ليس فحسب عبر تغيّرات كمّية ، و إنّما أساسا عبر قفزات ثوريّة و إنقطاعات راديكاليّة ) أعدّ الأرضية لبلوغ هذا المجتمع الشيوعيّ و يتطلّبه بصفة إستعجاليّة . و مثلما قال لينين مرّة بصدد النضال الثوريّ ، الحُلم أمر حسن ، من الضروريّ أن نحلم طالما أنّ الأحلام تكون متماشية مع سيرورة تطوّر الواقع و طالما نعمل دون كلل كي نحقّقه. هكذا بالضبط ينبغى معالجة مسألة الشيوعيّة الآن أكثر من أيّ زمن مضى .

هذا هو جوابي على أناس من فصيلة بريجنسكى و بوش و آخرين يتحدّثون عن " موت الشيوعية " المفترض.

--------------------------------------------------------------------------------