الخروج من المتاهة 1

أيمن عبد الخالق
2017 / 12 / 12

الخروج من المتاهة ـ 1
التعليم المدرسي سيجلب لك وظيفة، أماالتعليم الذاتي فسيجلب لك عقلا
" اينشتين"

o بعد أن انتهينا من المتاهات الفكرية الثلاث الكبرى المسيطرة على الساحة الثقافية في العالم، ومشاكلها العديدة بعد أن تم أدلجتها وتسييسها، أود أن اتحدث معكم الليلة عن كيفية الخروج منها.
• سبق وأن قلت لك أنّ الخروج من المتاهة لايمكن أن يحصل إلا بعد أن نشعر أولا بكل قلوبنا أننا نعيش فيها بالفعل، ونكتوي بنارها، ونشاهد رموزها الشريرة يتلاعبون بنا في كل لحظة، ويخرجوننا من متاهة ليوقعونا في متاهة أخرى.
o نعم اتذكّر ذلك، وقلتم أنّ هناك من لايشعر بهذه المتاهة، نتيجة الضغوطات والتمويهات الإعلامية من حوله، والتي غالبا مايديرها أصحاب المتاهة من وراء الكواليس، فيكون حاله كحال النائم أو السكران.
• نعم..ومن هنا نفهم أن الدور الرئيسي المشترك الذي يلعبه أصحاب هذه المتاهات، هو الدورالإلهائي التخديري، إما باللعب على أوتار الغرائز المادية الحيوانية في الإنسان بالجنس والمخدرات وأفلام الأكشن، وإلهاء الناس في الليل والنهار بتحصيل لقمة الخبز الضرورية، بحيث لايصبح لديهم أي وقت ليفكروا، لا في أيام العمل، ولا في أيام العطلات، كما هو الحال في المتاهة المادية الرأسمالية، أو عن طريق تأجيج المشاعر الدينية الخيالية بالشعائر والطقوس، أوتوهم الجهاد في سبيل الله، كما في المتاهة الدينية، أو بتحريك الجوانب الروحية الوهمية كما هو الحال في المتاهة الروحية.
o نعم... هذا مانشاهده بالفعل بأعيننا، وكأن كل شيء قد تم له الإعداد بدقة، وتنسيق كامل.
• صحيح...وثانيا من أجل التحرر من هذه المتاهات، علينا أن نتذكر كيف وقعنا فيها؛ حتى نتمكن بعدها من العودة إلى بر الأمان والاستقرار، وشاطئ الحرية الإنسانية الحقيقية، لاالمزيفة أو الموهومة.
o وكيف يتمكن الإنسان من استعادة هذه الذاكرة الأولى التي كان عليها؟
• على الإنسان بعد شعوره بالمتاهة أن يعقد العزم على الخروج والتحررمنها، ثم يسعى لأن ينسى، أو يتناسى كل شيء قيل أو يقال له، من عقائد وآراء، ومبادئ وقيم عرفية وغير عرفية، دينية ولا دينية، وأن يرجع إلى نقطة الصفركما ولدته أمه.
o هذا يعني التشكيك في كل شيء!
• نعم..حتى نتحرر من كل ماتم زرعه في عقولنا من أفكارورؤى، قاموا بتلقيننا إياها منذ نعومة أظافرنا، منذ أن ولدنا في هذه المتاهات، بحيث أصبحنا بعد ذلك نؤمن ونستأنس بها، وندافع عنها بكل ماأوتينا من قوة.
o وماالفائدة من كل هذا؟!
• إن سلوكنا وتصرفاتنا في هذه الحياة مبتني على مجموعة من القيم والمبادئ العملية الأخلاقية والاجتماعية التي نؤمن بها(morals)، وهي التي تحدد لنا دائما ماينبغي فعله، وماينبغي تركه، من أجل الوصول إلى الراحة والسعادة التي ننشدها، وهذه القيم والمبادئ تبتني بدورها على رؤيتنا الكونية عن الحياة(world view) ، وهذه الرؤية تم تشكيلها بناء على مبادئ فكرية أولى تم زرعها في عقولنا منذ صغرنا، وكل هذه الأمور تشكل العقل الباطن عندنا، والذي يتحكم بتلقائية في كل أنحاء تفكيرنا، وسلوكياتنا، وتعاملنا مع الاخرين.
o هذا تحليل رائع لأفكارنا، ومنطلقاتنا الفكرية، وهو شبيه بعملية التحليل النفسي(psychoanalysis)
• نعم...، ولكنه تحليل نفسي ذاتي، نقوم به بأنفسنا، وبعقولنا الواعية، لا الذي يقوم به غيرنا من الأطباء النفسانيين...فعلينا أن نعود لنستكشف هذه المبادئ الفكرية الأولى، التي تشكل نمط تفكيرنا، وتتولد منها رؤيتنا عن الحياة، والتى تنبعث عنها منظومتنا القيمية الأخلاقية والاجتماعية، والتي تتحكم مباشرة في أفعالنا، وسلوكياتنا في الحياة. فكل اعتقاداتنا التي نؤمن بها، وكل أحكامنا وقراراتنا التي نتخذها في هذه الحياة، وانتقاداتنا للاخرين، إنما ينطلق من هذه المنظومة الفكرية، ومبادئها الأولى، والتي تكون بمثابة البرنامج الذهني (mental software)، الذي يتحكم فينا، ويوجهنا إلى اتجاه معين في هذه الحياة.
o ومن هنا يسعى أصحاب المتاهات إلى برمجة العقول بالوسائل المختلفة، من أجل التحكم في سلوك الناس، وحياتهم الشخصية والاجتماعية، بنحو يتمكنون من خلاله من الهيمنة على الشعوب، واستغلالها لتحقيق مصالحهم غير المشروعة.
• بالضبط هكذا...ولذلك يتبين لك أهمية العودة إلى المبادئ الفكرية الأولى التى أوقعتنا في المتاهة، والتي تم زرعها في أذهاننا، وفحصها بدقة من جديد، بعد التشكيك الاختياري فيها، ثم فلترتها، بميزان العقل البرهاني الموضوعي الدقيق، وإبقاء مايصلح منها، واستبعاد مالايصلح، وهو كما ترى يحتاج إلى إجراء عملية جراحية دقيقة، يحتاج بيانها إلى وقت آخر.
o كنت أتمنى ألا ينتهي كلامكم هنا، وأن نستمر في الحوار، ولكن الأمر إليكم.
• ليست قيمة الكلام في كميته، وإنما في كيفيته، وخير الكلام ماقل ودل...، فما قلناه لكم، وإن كان قليلا من الناحية الكمية، لكنه عميقا من الناحية الكيفية، فعليكم أن تتأملوا جيدا فيما قلناه، إلى أن نلتقي مرة أخرى إن شاء الله.