استشهاد علي عبدالله صالح ودور محمد بن سلمان في تأخير النصر على الحوثيين

احمد موكرياني
2017 / 12 / 12

ليست هذه المقالة للدفاع عن الشهيد علي عبدالله صالح، فان التاريخ سوف يسرد حسناته وسيئاته، وسيكشف التاريخ دور من ناشدهم لدعمه لاستعادة اليمن لنظامه الجمهوري التسبب في استشهاده، ولكني ادون ما رأيت وما سايرت من الاحداث وفهمي للأحداث الجارية.
• يكفي علي عبدالله صالح انه انتفض ضد الحوثيين، مدرسة التخلف والتجهيل وعملاء لإيران، ومات شهيدا لموقفه ولمبادئه، بعد ان ساهم مع الثوار اليمن في اخراج اليمن من ظلمات العصور البائدة في الثورة ضد الامامة المتوكلية في 1962 التي يحاول الان عبد الملك الحوثي إعادتها لحكم اليمن بدعم من النظام الإيراني، مفرق الإسلام والمسلمين.
• ويكفي علي عبدالله صالح انه حقق حلم اليمنيين بتوحيد اليمنَيين وابقاها موحدة واستشهد واليمن دولة واحدة.

قابلت علي عبدالله صالح مرات عديدة وآخرها كنا لوحدنا في دار الرئاسة بناء على طلبي، وراسلته كثيرا ومنها دعوتي له للتدخل عند صدام حسين لوقف إبادة الكورد في العراق في عام 1991 ومواضيع أخرى مختلفة وكان يتجاوب معي ايجابيا في معظم الأحيان، وتوسط علي عبدالله صالح في اطلاق الرهائن الاجانب من بغداد في ديسمبر/كانون الاول 1990. بالرغم من ان بعض رسائلي لم تخلوا من نقد ولكنه كان يتقبله برحابة صدر، وآخر رسالة لي نشرتها هنا بتاريخ 17 أغسطس/آب 2017، http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=569076، وقد وصلت الرسالة اليه عن طريق صديق رغم حجب هذه الصفحة عن اليمن، وكان الشهيد يحترم صراحتي كما علمتُ ذلك من أقرب مستشاريه.

سألت أحد مساعديه المقربين له المرحوم عبدالله الحضرمي عن طريقة تعامل علي عبدالله صالح مع مساعديه ومستشاريه عند الاجتماع بهم، وهل هو مثل صدام حسين، لم يكن يجرأ أحدا من اعوانه او وزرائه مناقشته او الاعتراض على قراراته، وذكرت له حادثة قتل صدام حسين للدكتور رياض وزير الصحة بنفسه لمجرد اقتراحه ان يستقيل صدام حسين موقتا لحين وقف اطلاق النار مع ايران خلال الحرب الإيرانية العراقية، فأجاب الحضرمي رحمة الله عليه ورضوانه، كثيراً ما نعترض على ما يعرضه علينا الرئيس وبصوت عالي احيانا الى درجة نجعله يغضب ولكن غضبه لم يؤثر على علاقته بنا، ولن يعاتبنا او يحقد علينا بسبب اعتراضاتنا له، فهكذا كان يتعامل علي عبدالله صالح مع مساعديه ومستشاريه.

كان علي عبدالله صالح حكيما كما اطلق عليه المرحوم الشهيد جورج الحاوي الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني لقب "حكيم العرب"، اغتيل الحاوي في عام 2005 من قبل عملاء إيران وسوريا في لبنان.
فقد استوعب علي عبدالله صالح تناقضات المجتمع اليمني وتعامل معها بدهاء وحافظ على اليمن مستقرة لأطول فترة من الفترات التي مرت على اليمن منذ 1948.

اكتشفت ذكاء علي عبدالله صالح من خلال لقاءاتي معه، التقيت به للمرة الأولى في عام 1987، وكانت اسئلته لي ولغيري تنم عن ذكاء وعن اعداد نفسه للقاء بدراسة موضوع اللقاء قبل أي لقاء مهما كان الموضوع بسيطا او معقدا، وهكذا كان يتفوق على زائريه وأصحابه وخصومه فاستمر بالحكم لفترة اكثر من ثلاثة عقود دون منافس او منازع، لذلك لا أتصور ولو للحظة واحدة ان الرئيس علي عبدالله صالح ان يعلن الانتفاضة دون الاعداد الجيد والمحكم لها ولكن لم يحسب خذلان السعودية وقيادات ما يدعى بالقوات الشرعية له وانسحاب القبائل من صنعاء خوفا من بطش الحوثيين.

منذ أكثر من ثلاثة أشهر تداولت الاخبار عن تواصل علي عبدالله صالح مع السعودية بوساطة إماراتية، فلم يحاول على عبدالله صالح الاستعجال في اعلان الانتفاضة عند التجمع الجماهيري في ساحة السبعين في 24 أغسطس/اب 2017 حيث شارك عشرات الالاف من اعضاء ومؤيدي المؤتمر الشعبي للاحتفال بالذكري 35 لتأسيس المؤتمر الشعبي لأن الاستعدادات العسكرية لحماية الانتفاضة لم تكن كاملة.

واقعتان أدتا الى شهادة علي عبدالله صالح وفقا لمتابعتي للأحداث وستثبت الايام صحتها من عدمها، ولقناعتي التامة بإن علي عبدالله صالح الى جانب دهائه السياسي كان عسكريا شجاعا بشهادة العميد محمد عبد الخالق الذي كان القائد العسكري لصنعاء خلال الثورة على المملكة المتوكلية وكان علي عبدالله صالح عسكري برتبة ملازم تحت امرته، فعندما سألته عن علي عبدالله صالح فأجاب كان تيساً، إشارة الى بيت الشعر للشاعر علي بن الجهم في وصف للخليفة المتوكل: " أنت كالكلب في حفاظك للود ...... وكالتيس في قراع الخطوب ".

الواقعة الأولى: السعودية دفعت علي عبدالله صالح للتحالف مع الحوثيين.
• عندما زار احمد علي عبدالله صالح السعودية ولقائه مع محمد بن سلمان قبل بدء عاصفة الحزم بأيام في شهر مارس/اذار 2015 عارضا التعاون مع السعودية في محاربة الحوثيين مقابل حصانة له ولوالده ولعائلته وعرض عليه دعمه بـ 5000 فرد من قوات الحرس الجمهوري عالية التدريب والتجهيز مع أسلحتهم لمحاربة الحوثيين، فكان رد محمد سلمان الرفض والاستهزاء بأحمد علي عبدالله صالح اعلاميا.
• كان محمد بن سلمان يبحث عن نصر سريع لفرض سطوته على عائلة السعود وكان يعتقد بسبب عدم خبرته وعدم دراسته لتأريخ جمهورية اليمن بعد الثورة ضد الامامة المتوكلية، ولم يتفهم ثقافة الغدر والقتل للمليشيات الإيرانية التي تقتل على الاسم والهوية، فتوهم من امتلاكه لأسلحة متطورة، مقارنة مع أسلحة اليمن، ان تكون المعركة مع اليمنيين سهلة وسريعة، فأضاع فرصة ذهبية للاتفاق مع احمد علي عبدالله صالح لتحقيق نصر سريع على الحوثيين، فدفع رفضه علي عبدالله صالح الى التحالف مجبرا مع الحوثيين وضياع الهيبة العسكرية للقوات المسلحة السعودية والمتحالفين معها في عدم قدرتهم على هزيمة إيران في اليمن، وهذه الواقعة اعتبرها السبب الرئيسي لفشل محمد بن سلمان في تحقيق نصر على الحوثيين لحد الآن.

الواقعة الثانية: تأخر رد الحلفاء وعلي محسن الأحمر وعبد ربه منصور هادي في دعم علي عبدالله صالح في صنعاء
بعد الانتفاضة ضد الحوثيين:
• بعد ان دعا علي عبدالله صالح للانتفاضة ضد الحوثيين، انتفض الشعب والقبائل وتحررت مدن ومحافظات ومحاصرة القائد الحوثي صالح علي الصماد، المطلوب رأسه بعشرين مليون دولار للسعودية، في القصر الجمهوري في صنعاء، ولكن لم توجه السعودية قواتها الجوية لضرب القصر الجمهوري ودعم على عبدالله صالح الا بعد خروج صالح علي صماد من القصر الجمهوري واستشهاد علي عبدالله صالح.
• لم تتوجه قوات الجيش الوطني لدعم الانتفاضة مباشرة بل تأخرت في ردها على الانتفاضة.
• ان التأخر في الرد افزع القبائل ومؤيدي علي عبدالله صالح فانسحبوا من مواقعهم لاعتقادهم بان السعودية لا تدعم الانتفاضة.
o ان تأخر علي محسن الأحمر وعبد ربه منصور هادي في دعم الانتفاضة مفهوم لانهما كانا تابعان للرئيس علي عبدالله وان انتفاضته يجعله منافسا لهما وبطل قوميا في اليمن مرة أخرى بعد تحقيق وحدة اليمن والمحافظة عليها بعد معركة الانفصال التي كانت مدعومة من قبل اركان عاصفة الحزم الحالية.
o ولكني لا افهم سبب تأخر قيادة الاركان العسكرية للقوات التحالف في دعم على عبدالله صالح لتحقيق نصر عسكري على الحوثيين، فاعتبر هذا الـتأخر هو السبب الرئيسي الذى أدى الى استشهاد علي عبدالله صالح وفشل اخر لمحمد بن سلمان للتعامل مع القضايا الاستراتيجية الحساسة والحاسمة وعدم استغلاله للفرصة لتسجيل نصر عسكري على الحوثيين للمرة الثانية.

من طرائف علي عبدالله مع خصومه:
• خلال حرب الانفصال في 1994 عُين عبد الرحمن الجفري نائبا لرئيس مجلس رئاسة حكومة الانفصال في عدن بعد رفض المرحوم عمر الجاوي (مؤسس وامين عام التجمع الوحدوي اليمني) للمنصب، اتصل علي عبدالله صالح بالجفري هاتفيا وادعى انه مراسل محطة ام بي سي التلفزيونية، فلم يتعرف الجفري على صوته وأجاب على كل اسئلته حول سير المعارك، وبعد المكالمة الهاتفية قال علي عبد الله صالح لجلسائه مبتسما، من فرحة الجفري بمنصبه لم يتعرف على صوتي.

كلمة أخيرة:
• طالما بقت القيادات العربية والإسلامية تتعامل مع بعضها البعض على أسس العلاقات الشخصية، تآلفها وتنافرها، بالرغم من الاستراتيجيات المعلنة التي تجمعها، كما نراها الآن بوضوح في العلاقات الخليجية مع بعضها البعض وكذلك بين القيادات اليمنية المناهضة للحوثيين وحتى القيادات الفلسطينية والكوردستانية، فانه لا امان ولا استقرار ولا ازدهار للدول العربية والإسلامية.
• ان تفسير "طاعة ولي الامر" من قبل وعاظ السلاطين وبدعة "ولي الفقيه" فيروسات تشوه الدين الإسلامي والمجتمع العربي، فتجعل من الدول العربية والإسلامية مفقسات للإرهابين ومدارس للتخلف وتجهيل المجتمع الإسلامي.