سيرة أخرى 58

دلور ميقري
2017 / 12 / 12

1
جادّة بوابة الصالحية، كانت وما فتأت المكانَ الأثير لمشاوير الشباب والفتيات. إنها تمتد بين ساحة الفردوس جنوباً وساحة عرنوس شمالاً، فضلاً عن انفتاحها على شوارع لا تقل رقياً سواءً بالأبنية أو المحلات؛ كالحمراء والعابد. تسمية البوابة، جاءت من العصور الوسطى حين أمتد العمران إلى خارج المدينة القديمة. آنذاك، كانت الصالحية هيَ أكبر الضواحي الدمشقية. فلم تلبث أحياء أخرى أن ظهرت في جنوب الصالحية، كسوق ساروجة والقنوات والعمارة البرانية. من حَظِيَ بمطالعة صور قديمة لدمشق، عائدة لمطلع القرن العشرين، سيجد أن البساتين كانت تغطي معظم مساحة جادة بوابة الصالحية.
مرتادو جادة البوابة، كانوا على سويات اجتماعية مختلفة ومنابت متعددة. إلى ذلك، كانت ثمة مناظر تؤذي العين والمشاعر، وكان يتسبب بها غالباً شبان غرباء من محافظات نائية. كأن يتمشى بعضهم وهم متعاقدو الأصابع الصغيرة، وكل منهم قد كسر كلاشه. آخرون، كانوا يرتدون بناطيل الشارلستون بألوان فاقعة فوق بساطيرهم العسكرية. وغيرهم، ممن كان يتباهى برداء الطب الأبيض أو الملزمة الجامعية. الأسوأ من كل ما سبق، أولئك العساكر الأوباش المنتمين لسرايا الدفاع، الذين أعتادوا على التحرش بالدمشقيين وإهانتهم. يقال، من ناحية أخرى، أن المهندسين الفرنسيين أرادوا لهذه الجادة أن تكون صورة مصغرة عن شارع الشانزيليزيه، الباريسي. ولأنني تجولت في هذا الأخير، خلال زيارتين لمدينة النور، أرى أن المقارنة بينهما جائزة فعلاً. ولكن عوضاً عن النصب المنيف لقوس النصر، في ذلك الشارع الباريسي، أبتلينا نحن بنصبٍ كريه وبشع للقائد الخالد بآخر جادة الصالحية!

2
حي الصالحية، تعرفت على تفاصيل أزقته ودروبه أثناء فترة عملي ليلاً كمراقبٍ صحيّ. كان ذلك في مفتتح عقد الثمانينات، وعلى أثر غيابي عن دمشق لأكثر من عامين بسبب أداء الخدمة الإلزامية في مدينة اللاذقية. قبل فترة عملي تلك، لم أكن أعير انتباهاً خاصاً للأوابد الأثرية، العائدة للعهد الأيوبيّ. هذا مع كون صلتي بدمشق القديمة وأوابدها الإسلامية تعود لوقت مبكر من عُمري، حيث كنتُ معتاداً آنذاك على القراءة في المكتبة الظاهرية.
حفيد خالتي الكبرى ( توفي مؤخراً في ألمانيا )، كان من جيلي. في طفولتنا، دأبنا على زيارة أقاربه المقيمين في حارة الأيوبية، التي تعتبر البؤرة السكنية الأولى لصالحية الأكراد. ثمة، كان شعور الرهبة يتملكني حينَ وقوع بصري على قبور أثرية متناثرة في الأزقة. كذلك كان أولئك الأقارب يتحدثون عن وليّ غامض، يُدعى " بمبو بابا "، وأنه يمد رجله الملفوفة بالقطن من داخل قبره. إلى ذلك، كان يصلنا من مسجد البوطي المجاور صوتُ خطيبه ( د. سعيد رمضان ) وهوَ يندد بما يدعوها الأفكار المستوردة الخطرة على عقول الشباب المسلم. بعد عقدٍ من الأعوام، كان على قدميّ أن تعتادا زيارةَ تلك الحارة مجدداً، لكي أزور هذه المرة واحداً ممن كان ينشر " الأفكار المستوردة "؛ وكان هوَ نفسه من أحفاد الوليّ ذي الرجل المباركة!

3
شغفي بالآثار، عائدٌ لفترة الطفولة. ظهرَ ذلك، حينَ أعطتني شقيقتي الكبيرة ذات يوم رسوماً صقيلة تمثّل الآثار المصرية. كانت تستعين بالرسوم في دفتر التحضير، الخاص بدراستها في دار المعلمات.. لم يكن بالغريب إذاً، أن أنتقل بعينيّ لاحقاً إلى الآثار الإغريقية والرومانية والبيزنطية، المتناثرة في أحياء دمشق القديمة. يقال في هذا الشأن، أن تلك الأحياء تقوم أساساً فوق مركز المدينة الوثنية؛ ( الكاردو ). ويمكن للمرء رؤية قواعد الأعمدة والمعابد، وهيَ قائمة في العديد من الأماكن هناك.
حادثة من الطفولة، ضافرت في اهتمامي الموصوف بالآثار. إذ كنتُ مرةً مع عدد من لدّاتي نرتقي جبلَ قاسيون، كعادتنا في أيام العطلات. عندما أضحينا في الجهة الأخرى من الجبل، بدت لأعيننا مغارة ملتصقة بالأرض. غرابة شكل المغارة، دفعتنا لمحاولة استكشاف مجاهلها. ولأنني كنتُ الأكثر نحولاً بين الأصدقاء، فقد حظيتُ أولاً بالدخول إليها. بعد قليل، خرجتُ من المغارة وبيدي حجراً بازلتياً عليه نقشُ خنجرٍ أو ربما صليبٍ. بقيتُ محتفظاً بتلك اللقية زمناً، وكما لو أنها كنزٌ. في سنّ المراهقة، دأبتُ وبعض أولئك الأصدقاء على القيام بجولات في حي باب توما. ثمة، كان هؤلاء الفتية يلاحقون الفتيات بأعينهم. وكانوا يعلقون عليَ ساخرين وهم يرونني أشيح ببصري إلى ناحية الأوابد الأثرية، التي يذخر بها ذلك الحي.