صورة من ذاكرة النضال الفلسطيني- العربي في لبنان

ناظم الديراوي
2017 / 12 / 12

صورة من ذاكرة النضال الفلسطيني- العربي في لبنان*
ناظم الديراوي
تعود هذه الصورة، إلى شتاء بيروت عام (1981)، في مقر وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) العتيدة، مع الأخ المرحوم سليمان أبو جاموس مدير هيئة تحرير الوكالة. التي كانت تضم آنذاك نخبة من مناضلي فلسطين ودول عربية بينها؛ لبنان والأردن والعراق ومصر وسوريا وتونس والبحرين. وجُلهم فرَّ من سوط الحاكم العربي المستبد ومقاصله، فوجد ضالته في الإعلام الفلسطيني الموحد ودوائر منظمة التحرير الفلسطينية. وحينها كان القائد الشهيد ماجد أبو شرار، عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" مسؤلاً عنه، قبل ان يغتاله الإرهاب اليهودي - الصهيوني في روما خريف عام (1981).
ونُذكّر أنَّ غالبية أولئك المناضلين كانت تنتمي إلى أحزاب وحركات سياسية عربية متباينة، في إنتمائها العقائدي وولائها السياسي، بل أنَّ بعضها لا يطيق وجود الآخر، ولا يتوانى في تنظيم حلقات نقاش وإصدار منشورات وبيانات لتشوية وتفنيد عقائد وتوجهات مَنْ لا يوالي حزبه وتياره السياسي. ورغم هذا التعارض، تبدو تلك الحركات متفقة تماماً على رفض المشروع الصهيوني العنصري ومواجهته عسكرياً وسياسياً، في فلسطين المحتلة والدول العربية، والدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشريف. ولا أعتقد أنًّ ثمة من يملك ضميراً حياً بوسعه، اليوم، أن يشكك في شرعية وأهمية هذا النضال المشرف المتوج بالتضحيات الجسيمة التي تقاسمها شرفاء فلسطين والعرب والمسلمين لمواجهة قوى العدوان والغدر. اللهم إلا أولئك الحكام الخانعون الذين أفقد المال والسلطان بصيرتهم وأبعدهم عن قضايا أمتهم ودينهم العادلة، وأذل شيوخهم وأتباعهم البؤساء!
ويومها كان الإعلام الفلسطيني في أوج إزدهاره. إذ تم توظيف كوادر مرموقة،في الدوائر الإعلامية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ذوي باع طويل في مجال الصحافة والإعلام والآداب من دول عربية، أرغم مثقفوها على مغادرة أوطانهم.
ورغم أنّي على يقين تام أنَّ مَنْ عاصروا تجربة المقاومة الفلسطينية في لبنان، وكفاحها العادل ضد العدو الصهيوني وحلفائه، وكتبوا عنها يملكون معلومات أوسع عن عمل الإعلام الفلسطيني الموحد ودوره الريادي في التعريف بعدالة قضية فلسطين، غير أنّي أرى أهمية تذكير القراء الشباب العرب بمؤسسات ذاك الإعلام المجاهد، الذي قدم عشرات الشهداء والجرحى. إذ أنَّ جيل الشباب يتعرض اليوم إلى أشرس هجمة، يمولها حكام المملكة السعودية وإمارة أبو ظبي والبحرين ويقودها الكيان الصهيوني وترامب وإدارته البغيضة، المعادية للإسلام، ومن يدور في فلكهم. تروم حرق تلك الصفحات المشرقة من تاريخ النضال الفلسطيني- العربي العادل، وطمس حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف على أرض فلسطين المحتلة. ولهذا أذكر أهم أربع مؤسسات إعلامية، أعرفها عن قُرب، كان لها دور مشهود وريادي في التعريف بقضية فلسطين العادلة، والتصدي للفكر الصهيوني العالمي، وفضح السياسة الإرهابية التي ينتهجها الكيان الإسرائيلي في فلسطين، ودعم صمود الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة، والتواصل مع اللاجئين والمغتربين الفلسطينين؛
1- وكالة الأنباء الفلسطينية، رأس تحريرها لأكثر من ثلاثة عقود الكاتب الأستاذ زياد عبد الفتاح، كان لي شرف العمل النضالي في الوكالة نحو سبعة أعوام، إبان تلك الحقبة العصيبة والممتعة.
2- مجلة وجريدة "فلسطين الثورة"، بكتابها المُجيدين برئاسة الإعلامي الأستاذ أحمد عبد الرحمن ونائبه المناضل الشهيد خالد العراقي ومساعديه الصحفيين المحترفِين السادة؛ محمد سليمان وإبراهيم برهوم وسامي سرحان. وحينها، في عامي (1981-1982) عملت مُصححاً لهذه المجلة المعروفة، التي كانت تُصف وتُطبع في (مطبعة أبو شامخ) في حي الفاكهاني الشهير في بيروت، حيث تقع غالبية مقار القيادة الفلسطينية والمؤسسات والثقافية والإعلامية ومقاهي الكتاب والشعراء العرب ومنتدياتهم، من ذوي الأطياف الحزبية والسياسية، التي لا حصر لها! مع عظيم الإمتنان لأولئك المبدعين الكبار، عظماء أمتنا المعاصرين، ونتاجهم الأدبي والمعرفي فائق الأهمية الذي نعتز به، وبإرثهم الجهادي والإعلامي والثقافي والأدبي الناصع والثري.
3- إذاعة صوت فلسطين. رأَسَ تحريرها الإعلامي وسفير دولة فلسطين في الإتحاد السوفييتي وروسيا لاحقاً الأستاذ نبيل عمرو. ولابُدَّ من الاشادة بإسهامه الملموس في إسناد أعمال المركز الثقافي الروسي- العربي المستقل وحولية "روسيا والعالم العربي"، شُرفنا برئاسة تحريرها منذ عام (1993).
4- الإعلام الخارجي. أشرف عليه الأستاذ محمود اللبدي، الذي تميز بعلاقات واسعة مع الصحفيين الأجانب وبإجادته أكثر من لغة أوروبية. ونُذكّر أنّه إنشقَّ عام (1983) عن حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" وإلتحق بما سُمي ب" فتح الإنتفاضة"، التي شكلها العميد أبو موسى وقيادات بارزة في المجلس الثوري لحركة التحرير الوطني الفلسطيني. بعد اغتيال اللواء سعد صايل (أبو الوليد)، مسؤول غرفة العمليات العسكرية في منظمة التحرير الفلسطينية.
ولكن ورغم مخاطر تلك الأعوام العصيبة وجسامة التضحيات، إلا أنَّ الإيمان الراسخ بملامسة الأمل المنشود كان أقوى وأرفع من كل تلك الصعاب الجمة. إذ لم يكن بوسع الخوف، حينذاك، أن يتسلل إلى أرواحنا شديدة البأس ومعها خير رجال ذاك الزمان، الذي مازال عبق أريجه الفواح بالتفاني والإيثار لم يغادرنا بعد، وربما لن يغادرنا أبداً!
* أعتذر للقارئ الكريم لعدم تمكني من لصق الصورة المشار إليها في مقدمة المقال، التي تعود إلى أكثر من (35) سنة. وعسى أن تكون السطور السالفة قد بينت الغرض من محاولتنا نشر هذه الصورة الفريدة.