الإرهابي والفقيه والسياسي

سامي عبد العال
2017 / 12 / 12

بلغة الرياضيات بات هذا المثلث أخطر صيغة تعادلية في عصرنا الراهن. لكونِّه ضرباً من التواطؤ الخفي لضلعي( الإرهاب والفقيه) على قاعدة ( السياسة ) وبخاصة تحت سلطة الحُكم السائد. فالفقيه يؤدي " خدمات دليفري" delivery order لكل نظام حاكم يرى نفسه محارباُ للإرهاب. وإلاَّ ما كانت لتتسع الدولة العربية لطبقة مزيفة من الفقهاء تأخذ آراءهم في كل صغيرة وكبيرة( بهلوانات السلطان ). حتى في ترسيم حدودها الجغرافية والسيادية، وحتى بصدد مباركة تدوير الزبالة والتخلص من النفايات المعارضة وتناول لحوم الحمير من عدمه.

وبالتالي تجيء الصورة كالتالي: لو أنَّ هناك جماعات إرهابية، فإننا نحتاج- كما يقنعنا إعلام الدولة- فقيهاً لمحاربته، ثم نحتاج سياسياً يختلق العلاقة الشائكة حول رعاية الدولة لرجال الدين كي تصطاد المارقين عن لونها الديني السياسي الغالب. وتأخذ الدوائر الزئبقية في الاتساع لتلتهم رقعة الأرض تحت أقدام الأفراد والجماعات. ودون سابق إنذار هناك اعتماد ضمني متقلب الوجوه بين الإرهابيين والفقهاء والسياسيين.

وفي غير موضع يتبادل( هؤلاء الثلاثة ) الأدوار فوق جماجم المواطنين. ويشربون نخب المنافع على قارعة المجتمع رغم الانتقادات التي توجّه إليهم ورغم تدهور الأحوال من سيء إلى أسوأ. والمؤكد أنَّهم( الثلاثة أيضاً ) يرتدون ذات الأقنعة في مواقف كثيرة ليس أقليها الموقف إزاء الغرب وإزاء المختلف في الأيديولوجيا والدين. لأنَّ بنية السلطة واحدة بالنسبة إليهم. فضلاً عن أن خطاباتهم لها العلامات والآليات المتماثلة في تزييف الوعي وتدمير القدرة على الحوار والتسامح. ومن أسفٍ أن نمط التفكير السائد وثقافته في المجتمعات العربية الإسلامية لن تُخرج إلاَّ أحد أضلاع المثلث بنفس المواصفات.

لكن كيف يُرسم ذلك المثلث الجهنمي وما هي طبيعته؟!

• مرة يكون الإرهابي فقيهاً. وهذا هو الغالب، فقذف بفتاوى التكفير شمالاً ويميناً وبالأعلى والأسفل كالصواريخ الضوئية( الفشنك ) التي يستعملها الأطفال ابتهاجاً بالأعياد والمناسبات. وتملأ سماء الدولة بالدخان ورائحة البارود وبقايا الأصوات العالية والهرج والمرج في كل مكان. وقد يحولها أتباعُه إلى رصاصات وقنابل حية تحصد أرواح الناس وتخرب المدن.

وهو – أي الإرهابي – يعلم تمام العلم أنَّه سيجر إلى حلبة الصراع( بفضل الاعتماد المتبادل) أبرز فئات الفقهاء مثل السلفيين والإخوان والوهابيين والمتشددين في المؤسسات الدينية واللاعقين لأذرع السلطة من أصحاب التدين الشعبي الزائف. ويظل يخاطبهم طوال هذه الفرقعات الصوتية على الفضائيات وعبر شبكات التواصل الاجتماعي. ولا يهم الإرهابي آنذاك نتائج أفعاله مثل: خلق أجواء للكلام الفارغ من التفكير المنتج ومن الإبداع في ممارسات عامة. الإرهابي هو ناعق الخرابات الاجتماعية والسياسية بامتياز. فيأخذه الزهو للتحليق فوق الجثث عائدا باستمرار إلى حلمه القديم المعاصر: تحويل الدولة إلى مقبرة جماعيةٍ!!

• ومرة يكون الفقيه إرهابياً عندما يعلم أنَّ الدولة تحارب المضاد البيولوجي لها( الإرهاب ) فيزايد على التشدد في الآراء. أولاً: لاكتساب مكانة لدى السلطة وكأنَّه يقول إنَّ ما تتخذه الدولة من خطوات مهمٌ ولا تنازل عنه إطلاقاً. ليس بالنسبة لحربها الضروس بل بالنسبة إلى المجتمع ككل. ثانياً: يضع نفسه خازناً على النصوص المقدسة مانعاً أيَّ اختلاف في الآراء حتى يعرف المجتمع أنَّه يمسك بكل خيوط الدين وعليه يصبح هو البطل على مسارح العرائس السياسية. ثالثاً: يحتكر التحدث بلسان السماء ليكون بمثابة باب النعم والعطايا إلى الحاكم وسلطانه. ومن حينه يُظهِر صرامة هو يجيد افتعالها دفاعاً عن (دين الله).

السؤال: لماذا يتم اللجوء إلى الفقهاء سياسياً؟ هل لأنَّ هناك قضايا سياسية هم القادرون على الإدلاء فيها بآرائهم أم لكونهم شيئاً ضرورياً في أيِّ مجال عام؟

بالطبع لا هذا ولا ذاك.. ومن هنا يأخذ الفقيه كلَّ المغالاة في إخراج لسان التكفير ضمنياً أمام من يعترض ومن يرفض خطاباته الموالية. وبهذا يدفع معارضيه للاصطدام بالسلطة أي يجعلهم كفاراً سياسيين لدى الحاكم. وإذا لم يتورعوا عن ذلك – باعتبار أن الموضوع برمته لعبة سياسية- يستخدم سلاحه اللاهوتي الأخير زجاً بهم للاصطدام بسلطة الله. وفي ذلك يعلن أنَّ هؤلاء المارقين( المعارضين) إنما يعارضون إرادته في الأرض ويصدون عن سيبله. ولم يتبق أمامه غير توديعهم على باب جهنم ساحباً إياهم إليها مع سبق الإصرار والترصد.

السلفيون بأطيافهم المختلفة يجيدون هذه الحركة أمام الدولة معتبرين إياها قنطرة للآخرة ولتحقيق أغراضهم وتسطيح الأدمغة. ومن جهة تالية، يحمل هذا الفقيه في عباءته رجل دين منبطح متذلل يتعلق في الروحانيات وزاهداً في الدنيا ومتاع الحياة. لكنه لا يخرج من تلك العباءة إلاَّ إذا وجد أن التكفير لن يجدي. في هذه الحالة يقول كلاماً مائعاً حول الدين والآخرة. بينما هو يعلم أنه يقتنص الفرصة لمكانة مقبولة لدى الحاكم. فالإدعاء بارز والتزلف لا تخطئه العين واللعاب سائل لنيل الحظوة تحت عنوان: أنا الأفضل، أنا الأقرب، أنا الأقدر على توصيل الرسالة.

وهذا الخطاب هو الوجه الناعم والخادع من التكفير. إنه بمثابة البطانة الخفية له. بمعنى أن كل تكفير دموي يستند على مخزون هائل من الروحانيات المفتعلة والتمسكن والتذلل بملابس أولياء الإله ( بهاليل السلطان). وأنَّ رسم حدود مثالية ( سلفية) للتدين والمعتقدات إنما هو إعداد رهيب لعقول متحجرة وقابلة للانفجار في أي وقت.

ولكم لجأ فقهاء الإخوان إلى تلك الحيلة عندما كانوا يتحدثون عن القبول الزائف للآخرين وعن أدوار الدين في الحياة والسياسة. وهم يعزفون على وتر الخفة في بث الكلام الذي لا يُفهم ولا مجال له إلاَّ كنغم ضائع وسط العنف سواء من الإرهاب أو من الدولة. لكن عندما دخل الإخوان حلبة (التمكين) طالت الذقونُ وغلظت الشفاهُ واحمرت العيونُ وتقطبت الجباهُ وتحجرت الكلماتُ!! وأخرجت الألسنُ أثقالَّها من الشدة عنفاً في توجيه الاتهامات والانحياز إلى التكفير السياسي والأيديولوجي. كان على أثر ذلك انطلاق الموجات العارمة( تسونامي الذقون) لأخونة الدولة المصرية في كافة الميادين.

• مرة أخيرة يكون السياسي فقيهاً عندما يأخذ موقع الوعظ والإرشاد لا العقلانية والبرجماتية المقبولة للصالح العام. والغريب أنه مع اشتداد نوبات صراع الدولة المصرية – مثلا- مع الإرهاب يرصع السياسي كلامه بالآيات القرآنية والأحاديث الدينية وأفعال من سير الصحابة والتابعين. وهو يعلم أنَّ هذا أمر خارج مجال ما يسمى بالدولة. وهنا أعطى مبرراً للإرهابيين للتدخل وللفقيه أن يعقب عليهما ثم للرأي العام أن يحاكم الاثنين بناء على معايير غامضة ومنحازة سلفاً لصالح التشدد. وبالتالي رغم أنه – أي السياسي- يزعم مناصرة الدولة المصرية، إلاَّ أنه يؤكد هزيمتها بل يدفعها إلى الانسحاق التام. لأن الدولة على طاولة الدين هي (جيفة حية) تنهشها أنياب الرعاع والوصوليين واللصوص والفقهاء والإرهابيين في وقت واحد( قالوا للحرامي احلف قال جالك الفرج ).

ليس من وظيفة السياسي أنْ يحول الدولة إلى ساحات للصلوات الدينية لأجل إنقاذها من الإرهاب. كما أنَّه يستحيل اعتبارها مرجعية فقهية يمكن أن تتيح فرصاً للحياة الكريمة والعيش المشترك والقضاء على العنف. إذا السياسي بلسان الفقهاء هو قناع خلفي لألعاب الدين في حركة الواقع اليومي. وما كان السياسي ليجرؤ على هذا لو كانت الدولة تجسد نوعاً من العقلانية الحرة. لأنَّ تلكم العقلانية بطبيعتها تلفظ أي خطاب يتحرك برسوم الاعتقاد وآلياته. السياسة نوع آخر تماماً من الإقناع والبناء والتغير وتختلف جذرياً عن الاعتقادات الدينية أو ما يحمل ميكروباتها مثل النصوص والأفكار والمقولات.

والسياسي بهذا الصنيع أسوأ من الإرهابي والفقيه. حيث يكمل المشهد بإقصاء الآخرين بلغة العنف السلطوي. إنه فعلاً الإرهابي الأخير تحت إبط الدولة مباشرة. وخطورته تتأتى من كونه غير مرئي، لأنه محسوب على النظام أو على الأقل يكمل المشهد ويدير تروسه مع النظام الحاكم. فمن أسباب التخلف أنْ يؤله السياسي الدولة ويراها رأس حربة – عودةً إلى البربرية- في وجوه المعارضين للسلطة والناقدين لممارساتها. لا توجد دولة عربية واحدة لا ترعي وتربي وتدجن هذا النمط الرعاعي من السياسيين الجربائيين الذين يلهجون بلسان الغفران للنظام والشكر لآلائه ونعمائه الغفيرة على عباده المواطنين والمتسولين. ولا يكفون عن التسبيح بقوة النظام الحاكم وعليائه وأنَّه لولا وجوده بهذه الشاكلة وتلك الشخصيات ما كنا لنرى أية حياة على كوكب الأرض ناهيك عن عدم العثور على أية مياه وبقايا حياة على كوكب المريخ!!

هؤلاء السياسيون المدجنون( خصيان هذا العصر) هم القفاز الماكر للإرهاب. والأكيد أنَّهم المبرر القوى لتدمير مفاهيم الدولة عن بكرة أبيها. فليست الأخيرة ضريحاً يتزاوره دراويش وأعيان السياسة لكنها تقنية إرادة كلية لجميع أطيافها. وظيفتها في المقام الأول التطلع نحو الأفضل في فرص الحياة والاختلاف وحماية الإنسانية داخل المجتمع. وعندما يأتي سياسي ليؤله حاكماً أو نظاماً فقد استدعى دون أن يدري الإرهابيين والفقهاء. لأن القضية ليست في أبعاد الاثنين معاً( الإرهابي والفقيه) خارج السلطة إنما: ما هي القواعد الذكية التي تستطيع أن تفرز المواقف المتسلقة أو المحاربة لكيان الدولة. وما لم تكن دائرة السياسة قاعدة من هذا النوع فلن يكون السياسي إلا إرهابياً تكفيرياً.

في العالم العربي تبدو الأمور السياسية كالمتاهات التي نعرف بدايتها ولا نهايتها. لأنها ببساطة – رغم تعقيدها- لا تنهض على قاعدة واضحة. ولا تستند إلى أرضية شعبية قائمة على القبول والحوار. فالدول ليست دولاً على أساس الحرية والعدالة وحيادية الإرادة العامة وتداول السلطة.

الدول العربية أشبة بكائنات الزومبي( المسخ ) التي تقتات على لحم المواطنين وتمضغ الحريات الواحدة تلو الأخرى، وترسخ الصراع المشار إليه بين الإرهابيين والفقهاء والسياسيين. وفي كل مرة سيكون السؤال الذي يهرب منه الجميع حتى الآن: كيف تكون هناك دولة تحول دون هذه الترسانة الخطابية العنيفة وتفكك علاقات الاعتماد المتبادل بين هؤلاء داخل أحشائها؟!