ساسة بغداد يكافئون البيشمركة بالجحود

ماجد ع محمد
2017 / 12 / 11

"كل سلطان لا يكون عادلاً، فهو واللص بمنزلة واحدة
وكل عالم لا يكون ورعاً، فهو والذئب بمنزلة واحدة"
الإمام إبراهيم بن أدهم
يبدو أن ساسة العراق الحاليين ليس في نيتهم ترك شيئ ملفت جدير بالتقدير يدل عليهم في قادم الأيام، أو إضافة شيء مهم إلى سجلات أهل الحكم في دولة العراق، باعتبار أن جل مواقفهم السياسية وممارساتهم السلوكية تكاد تكون نسخ فوتوكوبية عن مواقف وتصرفات من سبقوهم إلى مواقع السلطة في نفس البلد، بل وإن العِبِر التي خلّفها السلاطين في غابر الأيام في أرض السواد تدع قارئ مدوناتهم يحس حيالها وكأنها خُصصت لأهل السلطان في هذا الزمان، حيث بمقدور أي باحث فتح سّفرٍ ما من آثار السّلف حتى يجد وصفةً جاهرة ومناسبة تماماً لأحوال وعلل من يتبوأ مواقع السلطان في العراق الحالي.
والذي دفعنا مرةً أخرى للعودة إلى عِبر السلف وتجارب الراحلين هو تجاهل رئيس وزراء العراقي حيدر العبادي لدور البيشمركة الذين ساهموا في انتشاله من براثن الإرهاب، وذلك في حديثه عن انتهاء الحرب على تنظيم داعش، ولكن الأهم في الأمر هو عدم سكوت وزارة البيشمركة على المحاولات الجاحدة للعبادي وإصدارها مباشرةً بياناً جاء فيه "هذه المرة لم يستطع السيد العبادي أن يخفِ كرهه وحقده للبيشمركة، ولا نعلم ولا نتفهم كيف لضميره أن يرتاح؟ وماذا سيقول لأطفال وعوائل 1824 شهيداً، وأكثر من 10 آلاف جريح من البيشمركة، وهو يعد نفسه رئيساً للوزراء، وبأي وجه ينتظر مِن هؤلاء ومِن شعب كوردستان أن يطمئنوا للعراق في الوقت الذي يتعامل معهم رئيس الوزراء البلد بهذا الشكل".
ولا شك أن الشخص الذي يتجاهل عمداً تضحيات 1824 شخص ممن تركوا خلفهم مئات الأطفال والثكالى، هو جاحد بكل المعايير وسيكون ناكر لأي معروف سابق أو لاحق، وكل خدمة لهكذا نماذج بشرية هي حتماً ستذهب سدى، وأن أي معروف مع سلطان غير منصف وحكومة لا تقدِّر دماء من استشهدوا في سبيلها أو بسببها مصيره الزوال، حيث يتم التجاهل العمد لتضحيات أولئك النبلاء بسبب بُغض الحاكم لبعض سياسيي الإقليم، أو لأن شعب الإقليم أراد أن يعبّر عن رأيه وودَّ أن يتخلص بالطرق الحضارية من التبعية السياسية والاقتصادية لحكومة غارقة في الفساد حتى أذنيها على حد تعبير النائبين العراقيين مشعان الجبوري وفائق الشيخ علي.
ومن كل بد أن موقف أي شخص ناكر لمعروف مَن أحسن إليه، وقدَّم كرمى بقائه حياً أغلى ما يمتلك ولا يقدِّر البتة حجم تضحيات الغير، وذلك سواءً أكان الناكر من المثقفين أو من الحكام أو من العوام، فإن ذلك السلوك سيدفع أي واحد منا لاستقباح الموقف واستهجان الجاحد أياً كان، وهو بالضبط ما يحضنا إلى العودة للتراث وإعادة تذكير القراء بقصة الملك والكلاب، حيث يُقال بأن ملكاً أمر يوماً بتربية 10 كلاب وحشية لكي يرمي لها كل وزير يخطئ فتنهشه وتأكله بشـراهة، وفي إحدى الأيام قام أحد الوزراء بإعطاء رأي خاطئ لم يعجب الملك، عندئذٍ أمر الملك برمي الوزير للكلاب، فرد الوزير أنا خدمتك 10 سنوات وتعمل بي هكذا!! قائلاً للملك أمهلني 10 أيام قبل تنفيذ هذا الحكم، فقال له الملك لك ذلك؛ فذهب الوزير إلى حارس الكلاب وقال له أريد ان أخدم الكلاب فقط لمدة 10 أيام فقال له الحارس وماذا تستفيد؟ قال له الوزير سوف أخبرك بالأمرلاحقاً؛ فقال له الحارس لك ذلك، فقام الوزير بالاعتناء بالكلاب و‘طعامها وتغسيلها وتوفير جميع سبل الراحة لها، وبعد مرور 10 أيام جاء تنفيذ الحكم بالوزير وزج به في السجن مع الكلاب، والملك ينظر إليه مع الحاشية، فاستغرب مما رآه الملك، إذ أن الكلاب جاءت تنبح تحت قدميه؛ فقال له الملك ماذا فعلت للكلاب فقال له الوزير خدمت هذه الكلاب 10 أيام فقط فلم تنس الكلاب هذه الخدمة وأنت خدمتك 10 سنوات فنسيت كل ذلك، فطأطأ الملك رأسه وأمر بالعفو عنه؛ ونترك القارئ ههنا ليجري هو بنفسه المقارنة من دون أي تدخلٍ منا.
عموماً فإن نفس الموقف الجحودي سبق ولجأ إليه نوري المالكي من قبل في شهر تموز 2017، وذلك عندما وجه التهنئة إلى المرجعية الدينية العليا والشعب العراقي على وجه العموم بمناسبة تطهير مدينة الموصل من رجس الإرهاب الداعشي، إذ لم تتضمن برقيته أية إشارة إلى قوات البيشمركة في إقليم كوردستان التي شاركت بكل بسالة في تحرير عشرات القرى والمناطق وليس فقط في تحرير الموصل، حبث ذكر المالكي وقتها جميع القوات المشاركة في الحرب على داعش في مدينة الموصل عدا البيشمركه كما هو حال خلفه الحالي حيدر العبادي بالضبط.
ويبقى الملفت للنظر حيال موضوع البيشمركة الذين في كل فترة يكافؤون من قِبل ساسة بغداد بالجحود هو أن النائبة في البرلمان العراقي سروة عبد الواحد وبالرغم من انقيادها التام مع مصالحها الشخصية المتوافقة مع مصالح طغمة الحكم في العراق، فقد بيّنت بأنها الأقل جحوداً وإنكاراً للفضائل ممن يتبوؤن المواقع السيادية في بغداد، حيث عبّرت النائبة عن استغرابها من تجاهل دور وتضحيات البيشمركة في تحرير جميع أراضي البلاد من قبضة تنظيم داعش.
على كل حال فهذا التصرف الأخير من قبل حكام بغداد يشير بأن الحاقدون على الإقليم وشعبه لم يُشفى غِلهم إلى الآن، وذلك رغم الحصار الذي فرضوه ويفرضونه على شعب الإقليم منذ أن شنت قواتهم الأمنية مع مليشيات الحشد الطائفي المدعوم إيرانياً في 16 تشرين الأول 2017 هجومها على كركوك والمناطق الكردستانية الخارجة عن إدارة إقليم كردستان اثر الخيانة التي تعرضت لها قوات الپيشمرگة من قبل رهط بافل طالباني المباع، ولأنهم لم يحظوا بإذلال الإقليم كما يرغبون ويتمنون، وكما هو الأسلوب المعتاد الذي يلجأ إليه عادةً أي شخص يبغض مَن يحسن إليه ويود بالتالي التخلص من فضل المُحسن بشتى السبل، فها هم ينكرون وبكل صفاقة معروف من أنقذهم من الهلاك المحتوم، وكحالة أي قناصٍ خَوَّار يستغل الفرص لصالحه دون مراعاة شركائه، يُحاكي بعض أهل السياسة والحكم في بغداد نفس الممارسات القميئة لذلك الانتهازي الرعديد الفالح في سرقة انتصارات الآخرين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملحوظة: نشرت بعض وسائل الإعلام أن رئيس الوزراء العراقي عدّل خطاب النصر بسبب الانتقادات التي وجهت إليه وأضاف على مضض كلمة البيشمركة، إلا أني لم أود تغيير فحوى المقالة لاقتناعي بأن النية سابقة العمل.