حرث في المفاهيم الدكتور جلال الخياط في (المتاهات) النقدية...

شكيب كاظم
2017 / 12 / 11

هذا كتاب في النقد، للناقد الاكاديمي العراقي الراحل الأستاذ الدكتور جلال الخياط، وجلال الخياط مع جملة من النقاد الاكاديميين، أمثال الدكتور عبد الاله احمد، وأستاذي الدكتور علي جواد الطاهر وأستاذي الدكتور علي عباس علوان وأستاذي الدكتور عناد غزوان، أثروا العملية النقدية في العراق، حتى تَخَطَّفَ الموت بعضهم، واسكت آخرين لدواع عدة، موضوعية وذاتية.
وهذا الكتاب على إيجازه، وهو ما يميز كتابة الدكتور الخياط، فانه يميل إلى التكثيف غير المخل، والإيجاز الذي يغني عن الإطناب والترهل، خاصة مع تعقد الحياة، وبحث الإنسان عن فسحة وقت يزجيها بقراءة نافعة، هذا الكتاب على إيجازه يتناول موضوعات ثقافية ونقدية جديرة بالعرض والمناقشة وإبداء الراي النقدي الرصين فيها، واذا كان العديد من نقادنا، قد قصروا جهدهم على نوع من أنواع الإبداع، فقد كتب عبد الاله احمد وفاضل ثامر وعلي جواد الطاهر وعبد الجبار عباس في القصة والرواية غالبا، في حين جعل محسن اطميش وعلي عباس علوان وحاتم الصكر وعناد غزوان ورزوق فرج رزوق وجلال الخياط، همهم الشعر، واذكر جوابه على سؤال وجه له في ندوة تلفزيونية من انه لم يغادر منطقة الشعر حتى الآن إلى أنواع إبداعية أخرى فأجاب جواب الأنسان المتواضع، بانه لم يقل حتى الأن كل الذي يريد قوله، في مجالات الشعر، ومتى آنس في نفسه أنه قد أجاب عن كل أسئلة الشعر في ذاته، فانه سيتحول إلى ألوان الكتابة الأخرى، ويبدو أنه على الرغم من إنجازه العديد من الكتب النقدية في عالم الشعر والشعرية مثل (الشعر العراقي الحديث. مرحلة وتطور) وأراه من أروع ما كتب الخياط، فضلا على كتبه (التكسب بالشعر) عن الشعراء الصعاليك و(الشعر والزمن) و(المثال والتحول في شعر المتنبي وحياته) و(الأصول الدرامية في الشعر العربي) و(المنفى والملكوت. كلمات في الشعر والنقد) الصادر عن دار المعرفة ببغداد عام 1989 ظل في عالم الشعر لايريم حتى تخطفه الموت وهو في لندن عام 2004، ولعله لم يقل كلمته الأخيرة، وهل قال كاتب كلمته الأخيرة؟ معنى كلمته الأخيرة أنه أجدب وتصحر وصوح من قبل ذلك طويلا وتبقى الكتابة علامة حياة، في حين تبقى الكلمة الأخيرة تشير إلى ان صاحبها دخل جب الموت ونفقه، وكان أخر ما صدر لأستاذي الدكتور جلال الخياط كتابه النقدي الممتع (المتاهات) وتناول فيه بقلمه الغزير وأسلوبه الجميل، ومنذ عقود اطلق سانت بيف قولته : الأسلوب هو الرجل، تناول قضايا نقدية عشرا، عشر متاهات نقدية، فكان يعرضها عرض باحث مقتدر، ويناقشها من جوانبها المختلفة، ويدلي في النهاية برأيه النقدي الرصين، وظل الشعر شاهده، وظل الشعراء محور حديثه.
في أولى متاهاته، يتناول الناقد جلال الخياط (متاهة التناص) هذه التي أوغل الدارسون في سبر أغوارها دون الوصول إلى تعريف جامع مانع، منذ أن أبدعت هذا المصطلح (جوليا كريستيفا) في حين اطلق عليه النقاد العرب القدامى مصطلح وقوع الحافر على الحافر، أومصطلح السرقات الشعرية، التي اكثر الحاسدون الشانئون منها، يرمون بها المبدع الكبير ابا الطيب المتنبي، او(الذئب خراف مهضومة) وينسب للفرنسي بول فاليري وأراه لغيره ليصل الا رأي مفاده : وراء النص كل النصوص التي قراها الناص وتمثلها، فاستقرت في الذاكرة، وبدأت تؤدي مهامها (الافصح: مهماتها) في الوعي واللاوعي، ليس بمقدور انسان لم يقرأ نصوصا او يسمع نصوصا في حياته ان يتحفنا بنص نصفه بالابداع ولايمكن ان يصل الى ذلك الابداع من غير نصوص، تفاوتت جودتها، كتبها هو ندرجها مع النصوص المكتسبة)) ص11 واضيف عدا نصوص ريادية ابتكارية ضربت في ارض بكر لم يطأها احد قبلهم مثل: ملحمة كلكامش، مجهولة النسب والمؤلف الذي يصف نفسه : هو الذي راى كل شي، او ملحمتي ألالياذة والاوديسة لشاعر اليونان الاعمى هوميروس، والانيادة لفرجيل، لماذا لاينطق الاخرس، انه لايولد اخرس، بل يولد اصم اطرش وان عدم سماعه للاصوات من حوله، يحيله الى عالم الصمت الدائم والخرس الدائم، انه لم يتعرف الى عالم الحرف المنطوق كي يفككه ويجمعه محيلا اياه الى كلام منطوق، مع علمه بان الدنيا تمور بالاصوات التي يتخاطب بها السامعون غيره، من هنا تكتسب مقولة ان وراء اي نص كل النصوص التي قرأها الناص فضلا على موهبة الربط بين كل هذا الملفوظ، واعني بها موهبة الكتابة. فهناك الكثير من القارئين الجيدين، لكنهم لايستطيعون الكتابة، من هنا تكتسب هذه المقولة النقدية صدقيتها وصحتها.
ثم يتناول الدكتور جلال الخياط، متاهة اخرى من متاهات النقد، انها حركة التجديد في الشعر، بادءا بمحمود سامي البارودي، مارا بالزهاوي والرصافي وجماعة الديوان (عبد الرحمن شكري وابراهيم عبد القادر المازني و عباس محمود العقاد) وجماعة ابوللو التي اسسها الشاعر احمد زكي ابو شادي وصولا الى جماعة شعر التفعيلة، نازك الملائكة وبدر شاكر السياب و بلند الحيدري وشاذل طاقة وغيرهم.
الدكتور الخياط، يناقش مسألة دقيقة ويبدي فيها رأيا جديرا بالتنويه به هو يرى ان وصف جهد شخصين او ثلاثة في النقد على انه مدرسة، فهذا تجاوز غير مسوغ، فالمدرسة تأسيس ثم اتباع وترسيخ واتجاه خاص متفرد، لذا يجب ان لا نصف جهود شكري وجماعته بانها مدرسة وكذا الحال لمجهودات ابو شادي، انه يطلق عليهم تسمية (حركة) لانهم محركون وليسوا بمجددين تماما، فهم اصحاب حركة بدأت وتوسعت وانداحت وتلاشت.
ثم يناقش،ثالثا، الموقف من التراث، هذا الامر الذي طال الحديث فيه وتشعب بين ناكر له وجاحد، وبين متعبد في محرابه لايكاد يغادره، مكتفيا بماعنده، فالتراث - كما يرى الدكتور الخياط - يبدأ ولاينتهي، انه مرادف مصاحب للزمن (.....) بما يقدمه ذالك الزمن من نتائج جهد بشري، لاحصر لها ولا حدود ولانهايات ولاقمم، ولايصح في التراث، جور تقسيم وهمي يضع حواجز بين الماضي والحاضر والمستقبل، التراث سفر في الازمنة (......) التراث دورةهذه الكرة الارضية الدائرة، أي توقف فيه يعني تسطيحها ويعني فقدانها كرويتها وحركتها الدائرية في فضاء يسحق الاقانيم الزمنية الثلاثة، ص47
في وقت ساد فيه ما يطلق عليه (المناهج النقدية الحديثة) يعود الدكتور الخياط لدراسة الانطباعية او مايسميها (التأثرية) والانطباعية جاءت كما يقول الدكتور علي جواد الطاهر في كتابه (مقدمة في النقد الادبي) من ان الرسام الفرنسي (كلونه مونه) رأى منظر بحر فرسم لوحة لا لينقله، بل يحكي تاثره به واطلق على لوحته تسمية (انطباع).فالانطباعية او التأثرية في النقد انما جاءت لكبح جماح اولئك الذين يريدون تحويل الادب الى علم، والادب الذي يحاكي لواعج الانسان وخوالجه لا يمكن ان يكون علما جامدا، وسوف يظل النقد الادبي فنا لا علما- كما يقول الناقد ديفيد ديتش في كتابه (مناهج النقد الادبي بين النظرية والتطبيق) والناقد الذي يحاول ان يحيل منهجه التطبيقي الى اتباع منهج علمي صارم يقع في خطر كبير.
هناك من النقاد من يخجل من هذا المنهج النقدي، الذي ظل استاذنا علي جواد الطاهر، يكتب في رحابه وما زلت اتذكر صرخة الناقد الراحل عبد الجبار عباس في وجه من كان يُجَرِّح منهجه النقدي: نعم أنا ناقد انطباعي، وارى جوابا على تساؤل الدكتور جلال الخياط ((فهل التاثرية منهج؟ وهل الناقد اكبر من كل المناهج)) ان التاثرية، منهج نقدي ممتاز، والناقد المتمكن من اداته النقدية ثقافة وموهبة، اكبر من كل المناهج، وما هي المناهج، اليست نتاج العقل البشري، ولماذا نقف مبهورين امامها ولدينا القدرة على اجتراح منهجنا ان لم أقل مناهجنا؟ وحديثنا هذا قريب من حديثه عن موت المنهج فهناك العشرات من المناهج النقدية، معروفة لدى الدراسين والباحثين، حتى عد اللامنهج، هو المنهج النقدي الصائب اي الذي ياخذ من كل طرف بسبب والذي هو نتاج صاحبه.
واذ ناقش الناقد الدكتور جلال الخياط، متاهة التأثرية الانطباعية ومتاهة اللامنهج، فانه يدخل قارءه متاهة أخرى، انها متاهة: هل النقد علم ام النقد فن؟ او في المساحة الوسطى بين الأمرين العلم والنقد؟ ومنذ قرون قال المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين متاهة عريقة يظل عقل الأنسان الباحث عن الحقيقة يكثر التجوال فيها دون الوصول الى رأي قاطع، والأراء القاطعة الباتة –غالبا- تدل على بلادة فكرية، ترى هل للفكر بلادته هو الأخر؟
فالنقد يقف في المنطقى الوسطى بين الفن والعلم، يستعير من كل منها مايعزز أداته وحرثه في النصوص ودنيا الأبداع الأخرى، ان محاولة أي منهما تجييره لحسابه، وجعله من توابعه، انما هي ضرب من الوهم وقلة في الفهم.
واذ انتهى الدكتور جلال الخياط من دراسته متاهة (اللامرئي) فانه يدرس المتاهة السابعة (أدب النقد) فيرى أن النقد ابداع مركب، متخصص، يعيد خلق النص بنص جديد قائم عليه، ابداع في طيه ابداع، يخرج من الابداع بابداع مغاير، صعب جدا، لأن الابداع الاولي (الشعر، الرواية...) حر او فطري، أو لايمتلك غير الموهبة. والأبداع الثاني (النقد) مقيد بالأبداع الأول، لايمكن أن يكون حرا أو فطريا أوموهبة محضة. انه الثقافات كلها، ص85
لذلك فالناقد يحتاج الى قراءات معمقة في مناحي الثقافة، وأن لا يقتصر على لون من الوان الثقافات، فدارس الفلسفة، قد يظل يبحر في بحورها دونما حاجة ماسة الى أنواع الثقافات الأخرى، وكذا لدى المؤرخ والجغرافي والاقتصادي، وليس خافيا أن الشعر موهبة، واقل الناس قراءة ومثاقفة هم، ويبقى قدر النقد، أن يكثر الصيال والتجوال في غابات المعرفة وبحارها كي يعزز اداته وكي ينير نصه، فضلا على موهبة الكتابة، التي بدونها تبقى كل معارفه حبيسة في تلافيف ذاكرته ودماغه.
ثم ندخل متاهة أخرى، متاهة (الريادة) من هو او هي رائد شعر التفعيلة؟ أهو السياب ام نازك؟ وماهو معيار الريادة، هل هو السبق في اجتراح هذا اللون من الوان الكتابة الشعرية، ام صدور ديوان او نشر قصيدة؟ هل الرواد بدر ونازك والبياتي وبلند الحيدري؟ وقد اضيف اليهما فيما بعد شاذل طاقة، والامر لايخلو من مجاملة، ولماذا سكت الدكتور يوسف عز الدين عن حقه في الريادة، وله قصيدة (غمغمة لحن) المنشورة في ضمن ديوانه (لهاث الحياة) الصادر عن دار العلم للملايين- بيروت؟ القصيدة مذيلة بتاريخ 28/10/1943 ونظمها في مدينة بعقوبة - يراجع كتابي أحاديث تراثية الصادر عام 2008 في سورية.
وكان لشعراء المهاجر رأي مغاير ينسب الريادة لهم، في حين رضي شعراء من مصر ان يكونوا ضمن ريادة العراق، وان لا يتخطاهم خيرها المنهمر!!
حسين مردان ما سكت عن حقه الضائع في الريادة، كذلك الشاعر محمود فتحي المحروق، الذي نشر ديوانا يتيما اسمه (قيثارة الريح) صدر عام 1947 وما كان يجدر بجامعي بعض شعر السياب، بعد وفاته ان ينشروها بكتاب يحمل العنوان ذاته، صدر عام 1971!!
لم يقف الأمر، عند من له حق الركوب في قطار الرواد، وكل يدعي الوصل بليلى، وقد ازدحم هذا القطار بركابه بل تعداه إلى من اعلن غضبه على الرواد ورفضه لهم فهذا زاهر الجيزاني يعلن رفضه ريادة الآخر، ارفض ريادة السياب، حين تأخذ شكل الهيمنة والابتزاز وحايثه في ذلك خزعل الماجدي ونصيف الناصري وظل سامي مهدي ينتقص من ثقافة بدر.
وازاء هذا الجدل وهذه المتاهة، يقف الدكتور جلال الخياط بين المتخاصمين فاكا لاشتباكهم ناصحا اياهم بالابداع فقط، ليبدع الشعراء دون ان يلتفتوا إلى الوراء ليروا ان كانوا قد حطموا اصناما خلقوها باوهامهم وليس لهم، طبقا لاي ذريعة، ان يرفضو خلافة لم يبايعه عليها احد، ص102
في مواجهة ايقاع بحور الشعر العربي الخمسة عشر، والتي استدرك فيها الاخفش الاوسط على الخليل بن احمد الفراهيدي بحره السادس عشر والذي سمي بـ(المتدارك) طلع علينا البعض بمقولة الايقاع الداخلي في قصائد النثر، التي هي محض اكذوبة ووهم، ولقد افاض الدارسون في هذا الامر فجاء الاستاذ الخياط ليناقش هذه المتاهة –(الايقاع الداخلي) لا ليثبتها لقصيدة النثر، بل لشعر العمود، وارى ان هذا ليس موضوع خلاف بل الخلاف هل لقصيدة النثر وقد جاءت خلوا من الوزن والقافية ان توجد لها ايقاعها الخاص بها؟
اذا كان العرب، قد جعلوا للقدر ثلاث اثفيات، نقصانها مخل يسقط القدر، وزيادتها لا حاجه لها، فان عملية التلقي لاتتنازل عن عناصرها الثلاثة : الباث، والمبثوث، والمبثوث له، اي الكاتب، النص، القارئ فاذا مرت ازمان دون الحفول بالقارئ، المتلقي، فقد ان الاوان لرد الاعتبار للعنصر الثالث في عملية الكتابة، والذي لولاه لأنتفى القصد منها وانتفى وجودها، فانتفاء القارئ ينسحب الى نفي الكتابة واذا كان البنيويون، او رولان بارت تحديدا قد قال بموت المؤلف ساعة انتهائه من كتابة نصه وحضوره بين يدي سامعه ومتلقيه فان هناك من الشعراء القدامى، من قللوا من اهمية المتلقي، السامع، حيث جعلواكل همهم مخاطبة الممدوح والحصول على اعطياته، لكن ذهب المعطي، والعاطي وذهبت الاعطية، وذهب المعطى له، الشاعر، وبقيت القصيدة وبقي الشعر، بسبب المتلقي، الذي ظل يتداوله جيلا عن جيل فضلا على تدوينه.
ان الوسطية هي معيار الحياة، دون نفي هذا او الغاء ذاك، وقد ان الاوان لياخذ المتلقي مكانه في عملية الكتابة، دون بخس لشأنه او تضخيمها على حساب العنصرين الاخرين، الكاتب، النص المكتوب ويبدو ان نظرية التلقي – كما يقول الناقد الخياط – تريد ان تثأر لاهمال اصاب المتلقي دهورا فجعلته يعيد انتاج النص وينافس المبدع او يزيله، وتعود ثانيه قضية : لمن يكتب المبدع؟ وهل يتخذ المضمون سمتا واحدا او يتباين باختلاف متلقيه ويتجدد باكتشاف اشياء مغايرة فيه؟، متاهة يحددها ويبوبها ويقدمها الينا النقد الحديث هدية رائعة (...) وهل يمكن ان تتكامل العملية النقدية فتجمع بين الاقانيم الثلاثة بتواز وتوازن، ص9 – ص133
هذا ماستجيب عليه الايام وحراك الحياة والازمان...