هل تحرير الأرض العراقية يعني تحرير الإنسان العراقي ايضاً؟

كاظم حبيب
2017 / 12 / 10

أولاً وقبل كل شيء التهاني الحارة للشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية الديمقراطية والمناهضة للطائفية السياسية والشوفينية وضيق الفكر القومي، ولقواته المسلحة التي قدمت التضحيات لإنجاز المهمة الصعبة والمعقدة، مهمة تحرير وتطهير الأرض العراقية من رجس عصابات داعش وجرائمها الفاحشة والإبادة الجماعية التي نفذتها ضد سكان محافظة نينوى عموماً، ولاسيما ما حصل لأبناء شعبنا من الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان من استباحة وسبي وقتل واغتصاب وتهجير قسري وتدمير لحضارة المنطقة، ومناطق أخرى من العراق، وما حصل للسكان في صلاح الدين والأنبار وديالى وكركوك.. الخ. وما ينغص هذه الفرحة ويضعفها، يكمن في حقيقة، في العوامل التي تسببت في وقوع هذه الكوارث المريرة، كوارث احتلال المحافظات الغربية عملياً والموصل ومن ثم بقية مناطق محافظة نينوى، التي ما تزال قائمة، وأعني بذلك وبالدرجة الأولى النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المذلة والمقيتة السائدة في جميع سلطات الدولة العراقية دون استثناء أولاً، ومن ثم في استمرار وجود القوى والعناصر التي تسببت في هذه الكوارث في مواقع السلطة وبيد ذات الأحزاب التي أدت سياساتها ومواقفها الفكرية الطائفية على وقوع تلك الكوارث ولم يمسها القضاء العراقي الذي رافق كل تلك الكوارث والجرائم، إذ لم يتخذ القضاء العراقي ولا الادعاء العام أي إجراء حقيقي ضد هؤلاء المسؤولين ثانياً، رغم قول رئيس الوزراء السابق أن لديه ملفات كثيرة على الكثيرين من الفاسدين بالعراق، وكان لدى أخرين ملفات على رئيس الوزراء السابق أيضاً، كلها لم تتحرك ولم يُسألون عنها وكأن لم يكن هناك فساد بمئات المليارات، وكأن لم يكن هناك تجاوز على الشرعية الدستورية من جانب السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والقضاء ذاته ثالثاً. إن تحرير الأرض أمر مفرح لكل إنسان عاقل وأمين لشعبه ووطنه، ولكن هل هذا النجاح العسكري كاف في ظل الواقع العراقي الراهن؟ لا هذا غير كافٍ في كل الأحوال! فالمعركة الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية مع عصابات داعش وما يماثلها من الفكر المتطرف السني ما تزال قائمة وستبقى مستمرة من جهة، والمعركة الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية مع الفكر الشيعي المتطرف في الأحزاب الحاكمة وميلشياتها الطائفية المسلحة ووجودها الكبير والمتحكم في الحشد الشعبي ستبقى قائمة وهي الأكثر فعلاً وتأثيراً في الوقت الحاضر، لأنها في السلطة ولأن هناك من يساندها خارج الحدود، ومن إيران تحديدا. نحن أمام معركة كبيرة قائمة، لم تبدأ اليوم ولم تنته, فتحرير الأرض لا يعني بأي حال من الأحوال تحرير الإنسان العراقي، بل سيبقى هذا الإنسان مقيداً وغير متحرر ما دام الفكر الطائفي والشوفيني ضيق الأفق القومي والفساد المالي والإداري وسوء الأخلاق سائدة في الحكم عبر الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية الحاكمة، الشيعية منها والسنية، وهي التي تغذي وتملأ عقل الإنسان العراقي بما يعمق الجهل والأمية الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية والغوص في الغيبيات بعيداً عن واقعه البائس الحالي، إنه الفكر المعادي للمجتمع المدني الديمقراطية والدولة الديمقراطية العلمانية، إذ يجدون في ذلك قصداً وعمداً عدائيين عمالة للولايات المتحدة وإلحاداً وفكراً مستورداً!!!
العلاقة بين تحرير الأرض وتحرير الإنسان ليست بعلاقة طردية أو ميكانيكية، كما إنها ليست بعلاقة عكسية، إنها علاقة سياسية-اجتماعية-اقتصادية وثقافية معقدة ومتداخلة ومتشابكة، ولكنها مع ذلك واضحة. فالمحك الشكلي في تحرير الأرض هو خلوها من قوات أجنبية غازية ومعتدية. وأحياناً غير قليلة يكون الإنسان متحرراً رغم وجود الأجنبي المحتل على أرضه حين يناضل بإصرار للتخلص من هذه الهيمنة الخارجية على أرضه، وحين يعجز المستعمر او الغازي المحتل كسر شوكة النضال الذي يخوضه شعب ما ضد الاحتلال الأجنبي، رغم تقييد حريته في الحركة أو مطاردته والسعي لاعتقاله لنضاله ضد المحتل، فحريته بهذا المعنى محددة ومقيدة، ولكنه متحرر فكرياً ويقرر بنفسه ما يجب القيام به من أجل تحرير أرضه واستكمال تحرير نفسه وفكره واقتصاده من ربقة المحتل. ولكن تحرير الأرض من الغزاة لا يعني بأي حال تحرير الإنسان العراقي. كما إن تحرير الأرض من الوجود المباشر على الأرض لا يعني خلاصه من تأثير قوى أجنبية أخرى على الفكر والسياسة والاقتصاد والثقافة وعلى المجتمع عموماً سواء أكان التدخل والتأثير مباشراً أو غير مباشر، وهو الذي يستوجب التخلص منه ايضاً، لأنه يعني ثلم السيادة والاستقلال الوطني، يعني التحكم باستقلال القرار بكل اتجاهاته. وهذا ما يعاني منه العراق حالياً حتى بعد تحرير الأرض من الوجود الفعلي لعصابات داعش.
نحن في مواجهة معركة كبيرة لتحرير القرار السياسي العراقي، لتحرير الإنسان العراقي فكراً وممارسة، نحن أمام معركة كبيرة ضد الجهل والأمية السياسية وحشو أدمغة الناس بالخرافات والأساطير البائسة والبدع المؤذية، بالفكر الديني المتخلف والمتطرف، سنياً وشيعياً. فما عاشته محافظة نينوى من تجاوزات على القاصرات من البنات من عصابات داعش باسم الإسلام والشريعة الوهابية، يسعى لفرضه على البنات القاصرات باسم الإسلام والشريعة الإسلامية من جانب حزب الفضيلة ونوابه والمؤيدين لهم من الأحزاب الشيعية الأخرى ونوابها، حتى النساء النائبات من هذه الأحزاب، وربما لا اختلاف في ذلك مع الشريعة السنية. المعركة الجارية بدأتها الأحزاب الإسلامية الحاكمة بالهجوم على المجتمع المدني والدولة الديمقراطية، على حقوق الإنسان وحقوق القوميات والحقوق المدنية، باعتبارها دخيلة ومستوردة من الخارج وعميلة للدول الغربية، في حين أن الدستور العراقي يدعو إلى ذلك وبوضوح كبير، رغم كل نواقصه وعلاته. نحن بحاجة إلى استكمال تحرير الأرض بتحرير الإنسان وفكره وممارساته، إذ أن تحرره الفكري والسياسي والاجتماعي والثقافي يرتبط عضوياً بالقدرة على تغيير العلاقات الاجتماعية السائدة بالبلاد، بتغيير النظام السياسي القائم والعلاقات الاقتصادية والحياة الاجتماعية والثقافية القائمة بالبلاد. حرية الإنسان ومستوى تحرره يرتبطان بمستوى وعيه، بمستوى إدراكه لما يجري حوله ومعه ومع غيره من البشر. إنها المعركة التي لا بد من خوضها لصالح الإنسان العراقي وتحرره وسعادته على أرض وطنه!