هل يتعلم كل حكام العراق من تجارب ودورس الماضي؟

كاظم حبيب
2017 / 12 / 8

لا أغوص بعيداً في تاريخ العراق القديم والوسيط، بل يكفيني أن أستعيد ما قرأته من كتب وعلوم التاريخ والسياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة وعلم النفس، التي استعنت بها لكتابة 11 مجلداً من كتابي الموسوم "لمحات من عراق القرن العشرين" الصادر عن دار أراس في العام 2013، أو لنشر كتابي الموسوم "الاستبداد والقسوة بالعراق"، الصادر عن دار حمدي في العام 2005، وكتابي الموسوم الفاشية التابعة في العراق الصادر في العام 1984 وأعيد طبعه في العام 2008 عن دار حمدي أيضاً من جهة، ومعايشتي لأحداث العراق وفواجعه ونكباته المتلاحقة لما يقرب من سبعة عقود، لأضع بكل تواضع ومسؤولية أمام القارئات والقراء الكرام استنتاجاً واحداً بسيطاً جداً من مجموعة مهمة من الاستنتاجات، ولكنه في الوقت نفسه مهم جداً للعيش المشترك بين أبناء وبنات القوميات العديدة بالبلاد، الاستنتاج يؤكد " أن حكام العراق كلهم دون استثناء منذ تأسيس الدولة العراقية حتى يومنا هذا لم يدرسوا بشكل عميق ولم يطلعوا بما يكفي على تجارب الماضي، كما لم يتعلموا من دروس الماضي أو يتعظوا بها، بل كلهم دون استثناء كرروا وما زالوا يكررون حتى يومنا هذا ارتكاب الأخطاء ذاتها، سواء أكان ذلك في مجال السياسة، بما في ذلك جانبها العسكري، أم الاقتصاد أم الحياة الاجتماعية والثقافية، وينتهون إلى العواقب الوخيمة وإلى المصير ذاته بصيغ عديدة. وهم أثناء ممارستهم الحكم يصابون بذات العلل التي أشرت إليها في مقالي الأخير الموسوم "النرجسية المرضية والسادية عِلتان يتميز بها حكام الشرق الأوسط"، المنشورة بتاريخ 30/11/2017، وفي مقدمتهم طبعاً حكام العراق، حيث يلعب الكثير إعلاميو الإعلام الرسمي والانتهازيون ووعاظ السلاطين والمرتزقة دورهم الفعال في إصابة هؤلاء الحكام بمثل هذه العلل وغيرها. والجانب الآخر من هذا الاستنتاج هو أن الشعب الذي اكتوي بسياسات القوى الاستبدادية والشوفينية والطائفية المتتالية لا يتعظ هو الأخر بما يفترض أن يواجه به مثل هؤلاء الحكام، وأنه ذو ذاكرة قصيرة لها عواقبها الشديدة على المجتمع بأسره.
فحكام العراق رفضوا، على امتداد القرن العشرين وما يقرب من عقدين من القرن الحادي والعشرين الذي نحن فيه اليوم، الاعتراف بحق أبناء وبنات القوميات الأخرى بحقوقهم القومية المشروعة والعادلة، ولاسيما حق الشعب الكردي في تقرير مصيره، كما هو موقف وحال الحكام الترك والحكام الإيرانيين إزاء القضية ذاتها. وإذا ما اعترف بعضهم بالعراق ببعض هذه الحقوق، كما حصل في فترة حكم البعث في بيان أذار عام 1970، فأن هذا الاعتراف قد شوه تماماً، إذ اقترن بجهود حثيثة من جانب قادة الحزب البعث الحاكم والحكم الشوفيني بإفراغ الحكم الذاتي للإقليم من محتواه الديمقراطي والتآمر والإجهاز عليه. وكانت حصيلة الموقف غير الإنساني المديد عواقب كثرة ووخيمة، والتركيز هنا ينصب على التجربة العراقية:
1) المزيد من المعارك المسلحة والحروب الداخلية؛ 2) المزيد من القتلى والجرحى والمعوقين والعلل النفسية؛ 3) المزيد من الخسائر المالية والمادية والدمار وتعطيل عملية التنمية والتطور الاقتصادي؛ 4) المزيد من الأحزان والآلام والدموع والكراهية والأحقاد التي نشرت الشوفينية وعمقت ضيق الأفق القومي والتي دأب الحكام بالعراق على نقلها إلى صفوف الشعب؛ 5) السماح بالتدخل الأجنبي الإقليمي والدولي في شؤون العراق الداخلية؛ 6) تفاقم عدم الاستقرار والأمن الداخلي بالعراق والمنطقة، وغالباً ما أدى كل ذلك إلى سقوط الأنظمة السياسية بأساليب مختلفة؛ 7) المزيد من التعقيدات في القضية الكردية ذاتها ووضع العراق عموماً.
حقق الكرد في العام 1991/1992 مكسباً ضمن حقوقهم العادلة والمشروعة إقامة الفيدرالية الكردستانية ضمن الدولة العراقية، وهي نتاج نضالهم المليء بالتضحيات ومشاركة وتضامن المناضلات والمناضلين العراقيين من غير الكرد مع هذا النضال، والدعم الدولي، ولم يعلنوا الانفصال أو إقامة دولتهم الوطنية المستقلة، والتي تعتبر شكلاً من أشكال عدة في ممارسة حق تقرير المصير. واستمر هذا الوضع وباستقلالية عالية عن الحكم الدكتاتوري البعثي ببغداد واستفادت المعارضة العراقية كثيراً من وضع الإقليم حينذاك. وفي فترة المعارضة للنظام الصدامي والسعي لإسقاطه اتفقت قوى المعارضة السياسية، سواء تلك التي أيدت إسقاط النظام عبر الحرب الخارجية أم رفضته وأكدت ضرورة إسقاطه عبر الشعب وقواه السياسية وبدعم وتضامن الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي، على الاعتراف بحقوق الشعب الكردي وبقية القوميات، وعلى إقامة الدولة الوطنية الديمقراطية والمجتمع المدني بالعراق.
وحين أسقطت الدكتاتورية الغاشمة على أيدي التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا وبعيداً عن قرار من مجلس الأمن الدولي وفرض الاحتلال الدولي (الأمريكي-البريطاني) الفعلي على العراق، فرض المحتلون على العراق وأهله نظاماً سياسياً طائفياً ومحاصصة طائفية في سلطات الدولة العراقية الهشة الثلاث كافة وبالتنسيق مع أحزاب عراقية بعينها وبدعم مباشر وكثيف من إيران. وقد نسى القادة والأحزاب التي أيدت الحرب الاتفاقات التي جرت قبل إسقاط الدكتاتورية واتفقوا على إقامة النظام السياسي الطائفي – الأثني بالعراق. إذ حين وضُع الدستور العراقي في العام 2005 أُقرت فيه الفيدرالية، ولكن لم يثبت حق تقرير المصير. وهو خطأ ساومت به القيادات الكردية في حينها، كمساومتها على إقامة نظام المحاصصة الطائفية والأثنية بالعراق، الذي أضر بهم وبالشعب العراقي كله وباستقلال وسيادة الوطن أيضاً. وكان البعض يتصور بأن الصراع العربي الشيعي السني سيسهم في خدمة القضية الكردية. ولم يكن هذا التصور خاطئاً فحسب، بل ومضراً جداً وحذرنا منه كثيراً ولم ينفع ، وبالتالي ألحق أضراراً فادحة بالجميع.
لم يضع حكام العراق والمجلس النيابي الطائفي - الأثني القوانين المنظمة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والمجالس المحلية في المحافظات، كما لم تصدر القوانين الأخرى التي تنظم باقي العلاقات الاقتصادية والمالية والصلاحيات على أسس عقلانية وواقعية سليمة تأخذ بنظر الاعتبار مصالح الجميع. وكانت النتيجة صراع بين الحكومتين ومع مجالس المحافظات أيضا على الصلاحيات والحقوق، وكانت العواقب وخيمة، وانتهى العمل عملياً بالدستور العراقي من الجانبين بذريعة التباين في وجهات النظر وعدم التحري عن طريق ثالث عقلاني يمهد السبيل لعراق مدني ديمقراطي علماني.
وإذ كان الحاكم المستبد بأمره قد استفرد بالحكم الاتحادي منذ العام 2006 وتشبث لا بممارسة الطائفية الجامحة والمدمرة والشوفينية المقيتة فحسب، بل وعمل بنرجسية وسادية وفساد مرعب بالبلاد، أدت، مع غيرها من الظاهر والعلل، إلى عواقب وخيمة في العلاقات بين الطرفين. إن النهج الفردي في الحكم الاتحادي وبالحكم الإقليم وضعف الديمقراطية والرغبة المتعجلة في انتزاع أكبر الحقوق من جانب الطرفين قد ساعد على تعقيد تلك العلاقة وعمقها. ولعبت كل من حكومتي إيران وتركيا دوريهما البالغ في تعميق وتوسيع وتشديد الخلاقات والاستفادة منها لفرض هيمنتهما على الحكومتين بصيغ عديدة. ولم تنفع المساومات الشخصية بين الحكام التي حصلت في العام 2010 في الوصول إلى نتائج إيجابية بل "زادت في الطين بلة" وتعمق الخراب بين الحكومتين!
لم يكن التعامل بين الطرفين عقلاني وافتقد الحكمة الضرورية، وإذ شعر الحكام ببغداد إن الإقليم قد سرق من صلاحيات الحكم المركزي، والعراق مجبول بمركزية الحكم المديدة، فأن حكام الإقليم شعروا بمحاولة الحد من حقوقهم الفيدرالية. وكلاهما كان بهذا القدر أو ذاك على حق، لأن الجانبين خرجا عن الإطار الدستوري أولاً، ولا وجود لقوانين منظمة ثانياً وانعدام الثقة بين الطرفين ثالثاُ، وإبعاد الشعب عن التأثير في الأحداث رابعاً. وكانت حصيلة ذلك أن قادت الحكم بالإقليم إلى طرح وإجراء "الاستفتاء" وما نشأ عن كل ذلك من عواقب.
الاستفتاء حق مشروع للشعب الكردي وممارسته يفترض ألَّا تشكل عقبة في طريق استمرار الوحدة للدولة العراقية، ولا يعني التصويت بـ "نعم" الانفصال في كل الأحوال. رغم قناعتي الشخصية بأن الاستعجال في طرحه وأسلوب ممارسته في ضوء الواقع المحلي والإقليمي والدولي لم يكن أجراءً واقعياً، فأن ردود فعل الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة، شيعية كانت أم سنية، ومواقف وإجراءات الحكومة الاتحادية ورئيس الحكومة بالذات لم تكن واقعية ولا سليمة وتقود إلى عواقب إضافية غير محمودة وغير سليمة، إن تواصل هذا الموقف المتعنت من جانب الحكم الاتحادي.
إن الخشية الموجودة أصلاً، بدأت تنمو وتتفاقم في الساحة السياسية العراقية، نتيجة الموقف الذي يتخذه رئيس الحكومة والأحزاب الإسلامية الشيعية التي تسنده من أوضاع الإقليم والمواقف السياسية ذات المضمون الاستبدادي والشوفيني إزاء الشعب الكردي. إن هذه المواقف لا شك ستقود من يمارسها، إن استمر هذا النهج غير الحكيم، إلى ذات العلل التي عانى منها رئيس وزراء العراق السابق، والتي تتميز بها جميع قيادات الأحزاب الإسلامية السياسية، الشيعية منها والسنية، والتي لم تتمعن بتجارب الماضي ولم تتعلم من دروسها الأساسية.
لا يحق لأحد أن يجوع الشعب الكردي ولا أبناء القوميات أو الديانات والمذاهب الأخرى بكردستان العراق، وذلك من خلال عدم دفع حصة كردستان من الميزانية الاعتيادية، وبالتالي عدم قدرة الحكومة هناك على تأمين رواتب الموظفين والمستخدمين، والذي يقود إلى عواقب سيئة بما في ذلك شحة السيولة النقدية في السوق الكردستاني وتأثير ذلك على الاقتصاد العراقي عموماً وعلى مزاج وصحة ونفسية غالبية الشعب بكردستان العراق. لا يمكن حل المشكلات العالقة بفرض حلول معينة من جانب واحد على الشعب الكردي ولا حتى عبر التجويع، فهو أمر لا يقود إلّا إلى المزيد من التوتر والصراعات وعدم الاستقرار. إن حكومة الإقليم وافقت على قرار المحكمة الاتحادية في موضوع الاستفتاء وبالتالي لم يعد من حيث الواقع قائماً، وطابعه المعنوي معروف للجميع حتى قبل إجراء الاستفتاء، فلماذا هذا الإصرار من جانب رئيس الوزراء العراقي على طلب شيء لم يعد قائماً أو مطروحاً للتنفيذ حالياً.
إن من واجب التضامن الوطني والتآخي القومي، من واجب الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه، من واجل كل القوى الديمقراطية والمدنية العراقية، أن ترفض تجويع الشعب بكردستان العراق بذريعة عدم موافقة المسؤولين الكرد على الحلول المطروحة من جانب الحكومة الاتحادية، وهي حلول ومواقف سياسية قابلة للحوار، بغض النظر عن الفترة التي يستوجبها الحوار للوصول إلى نتائج مقبولة للجميع، إذ لا بد من العودة إلى الدستور العراقي. والدستور يرفض في كل الأحوال فرض التجويع في حالة وجود خلافات سياسية بأي حال من الأحوال.
إن استمرار هذا الوضع هو ما تريده القوى المعادية للشعب الكردي والشعب العراقي عموماً، وهي التي لا تريد الأمن والاستقرار والسلام بالبلاد، وهي التي تحاول توفير مستلزمات الفوضى وبروز أعمال عنف جديدة أو نشوء جماعات راديكالية متطرفة جديدة، سواء أكانت دينية أم قومية، في وقت ما زال العراق يعاني من بقايا داعش والفكر الداعشي ومن قوى طائفية سياسية أخرى مماثلة في أساليب عملها ونهجها لعصابات داعش التي ما تزال تشكل الحكم بالبلاد. إن سياسة رئيس الوزراء الحالية إزاء الوضع بالإقليم يمكن أن تقود إلى حرب جديد، لاسيما وأن قوات جيش المقدس الإيراني، التي يقودها الإيراني العميد قاسم سليماني، والمتمثلة بقيادات وقوى أساسية في الحشد الشعبي بالعراق، تستعد منذ فترة غير قصيرة لشن حرب عدوانية ضد الشعب الكردي، وهو ما يفترض أن تنتبه له كل القوى الخيرة والديمقراطية والمخلصة للعراق وشعبه. كما إن على ساسة الإقليم أن يعملوا من أجل طرح مقترحات تساعد على معالجة المشكلات القائمة بطرق سلمية وتفاوضية وديمقراطية.