التّوقِيع، التّاريخ، الأرض

سامي عبد العال
2017 / 12 / 8

إلى هذا الحد أو ذاك غدا توقيع signature الوثائق والقرارات السياسية مثيراً لعواصف من الأحاسيس والذكريات والأحداث المحتملة. مجرد ضغطة قلم من رئيس كدونالد ترامب على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس كانت كفيلةً بتحسس نبضات التاريخ لمدة ثماني دقائق. وهي زمن الخطاب الذي استغرقته شفتا " إله البيت الأبيض"- كبديل لآلهة الأوليمب القدامى- لتحريك الأرض نحو إسرائيل. وفجأة أصبحت القدس( بفضل التعليقات والأخبار) عاصمةً للعالم لا ميراثاً عربياً عبرياً متنازعاً على هويته. ولم تكن بقعة أرضية ضائعة وسط آهات المحتلين والمطرودين وغبار المعارك في الشرق الأوسط.

علماً بأن مصير القدس لا يمكن الجزم به بسهولة هكذا. ويحتاج إلى مناقشة إنسانية حقوقية خارج نوازع اللاهوت وخلفيات الصراع العربي الإسرائيلي. فلئن كانت للفلسطينيين فلتكن بمعاني الحق المفتوح لكافة الشعوب والديانات. فالعواصم ذات الجذور التاريخية لا تحكمها عوامل الجغرافيا فقط بل آثار إنسانية تأمل في التواجد عليها بصرف النظر عن إدارتها مكانياً. لأنَّ القدس خصيصاً بها أقدام الأنبياء وأصداء النصوص المقدسة وحفريات الديانات الإبراهيمية معاً. والتنوع من الأهمية بمكان لدرجة أنَّ أي حق لا ينكر حقوقاً أخرى كما أن الإنسان لا ينكر وجود سواه.

قبل توقيع ترامب ربما وقّع على القدس في غير هذا الاتجاه منذ انتخابه بملامحه الحادة وأفعال" الكاو بوي" أمام الدول والصراعات والقضايا الشائكة. خطَّ ترامب أثره هناك في تاريخ السياسة الدولية حين لم تكن أمريكا لتختار رئيساً دون خبرة وفوق ذلك يُطلب منه السير على سلك قاطع بارتفاع السماء. فما كان منه إلاَّ أن جاء رئيساً حربياً يحمل من المكر والدهاء ما يكفي نصف دستة رؤساء. كما أن الأحبار التي تسيل من أقلامه بها وافر قداسة أرضية معززة بقوى عسكرية عابرة للحدود ومدمرة خارج مواقعها. كما أنَّها معبأة بكم من المؤامرات التي وصلت إلى مرتبة الأقدار اللاهوتية.

ولِمَ نذهب بعيداً؟! هناك قواعد عسكرية لأمريكا في أغلب دول الشرق الأوسط. وبالتالي لن يجدي التساؤل عما سيفعله العرب عقب أي قرار من قراراته. لأن تلك قضيا مجهضَّة سلفاً. بجانب ذلك فإن أمريكا " تعسعس" في كل شوارع العالم العربي، حاراته، أزقته، أسرْته الحاكمة، مراحيضه.
وبالوقت ذاته فإن تاريخ مدنية القدس يجعلها عصية على القرار بوعود لاهوتية منحازة إلى اليهود أو المسيحيين أو المسلمين. فكل ميراثها المكاني والروحي كان متنوعاً بين أبناء إبراهيم. ولعلَّ ذلك ترك بصماته ضمن جميع أوراق التوقيع التي اتخذها ترامب أو غيره. وإلاَّ ما كان لرؤساء أمريكا الواحد بعد الآخر أنْ يؤجلوا تلك الخطوة مرارا.. قيل منذ اثنتي وعشرين عاماً مضت ظل القرار يراوح مكانه.

لماذا كان هذا الانتظار لخطاب ترامب لنقل العاصمة الأمريكية؟ وكيف استحضر مراسم الاعتراف كعمل لا يخلو من نفس سياسي- لاهوتي؟ هل كلُّ توقيع سياسي يحتاج مراسم على هذا النحو الذي شاهدناه؟! هل عولمة القوة تعطي مساحة استعراض القوة في شكل توقيعات مصيرية؟!
تجاه مثل تلك الأسئلة يظهر الجديد بهذا التصوير الافتراضي الديجيتال لعملية الاعتراف بالقدس كعاصمة تاريخية وأبدية لإسرائيل(هكذا جاء بخطاب الاعتراف المتلفز والإلكتروني).

الجديد تحديداً هو هذا الاعتراف الموثق صوتاً وصورةً. وما يلتصق به من إقرار، إشهار، توثيق على الهواء مباشرة وسط أنظار معلقة بما سيحدث. وطبعاً يحمل الإقرار استحالة التراجع عما سيتم عمله. وهذا يعني جملة أشياء.

1- أن العالم كله- خصوصاً العالم العربي- يقر أهمية ما تفعله أمريكا في شخص رئيسها. وهنا تمَّ التسليم ضمناً بخطورته الجغرافية السياسية. وهو ما يمنح أمريكا مكانة أكبر من حجمها في إدارة شؤون الأرض هنا أو هناك. والمتابع لا يكاد يصدق: لماذا تلك الصلاة العربية صوب قِبلة الرئيس الأمريكي وأجراسه وتراتيله؟! هل لا يوجد في العالم إلاَّ هو في ساحات السياسة؟ هل انعدمت فرص الحياة دون أمريكا؟!
وقد بدا أن ما ينتظره العرب من ترامب قد نصبَّه متصرفاً في حركة التاريخ نفسها ليس أقل.

2- أنتج هذا ( حقاً ) أقرته أمريكا لنفسها بالاعتراف أو عدم الاعتراف بأي بقعة على كوكب الأرض. وقد غدا الحق قانوناً كونياً رغم هدمه لكل حقوق الإنسان والشعوب. هل ذلك يعني قوة بلا حدود تمثلها أمريكا متلاعبة بمصير الجغرافيا بعدما تلاعبت بمآل الأنظمة السياسية؟ من الذي يعطي الحق أو يتركه عبر النظام العالمي؟ ومن يدير دوراته لصالح قوى إقليمية بعينها كإسرائيل؟

3- جاء من وراء المشاهد أنَّه لا يوجد ثمة إمكانية لرفض ما يتم التوقيع عليه. بينما تقول الشاشة إن عملية التوقيع برمتها محصورة في سقف الدماغ الأمريكي الذي يمكن خرقه لو اتخذت دول المؤثرة موقفاً صلداً تجاهها. ولو تحركت الدول المعنية إقليمياً برفضه. وهو ما لم يحدث لأنه غير متاح وسط انبطاح عربي إسلامي لأمريكا ولإسرائيل العسكرية والمؤامراتية.

4- أخذ ترامب فيما نقلت الأخبار وجهات نظر رؤساء الدول العربية في( حق ) ما سيقوم به. ولكن يبدو أنَّ الشهادة ليست رأياً يمكن قبوله أو رفضه بل إخباراً لإقرار ما سيتم إقراره بالفعل. فكانت آراء رؤساء العرب بلا قيمة من وجهة نظره رغم أنهم الأقرب للمنطقة والأكثر دراية بخلفيات القدس وآمال الشعوب تجاه فلسطين.

5- لم تظهر مبررات التوقيع النهائي بالصورة المطلوبة إلاَّ كأنَّه حكم إعدام. أو حكم له طابع الخلق من عدم لأنه يعني انحيازاً عملياً للطرف الإسرائيلي اليهودي على باقي الأطراف. وبالتالي ستترتب عليه ترسيم حدود جيو سياسية لإسرائيل على الأرض. في المقابل سيتم تضييع الحقوق الفلسطينية في المقدسات المسيحية والإسلامية.

6- طرحت المسألة بعداً استراتيجياً كالتالي: من أجل إقرار وظيفة التوقيع المتمثلة في الربط بين الموقِّع والمستند الموقَّع عليه، سيكون من اللازم دوماً إثبات سياق التوقيع!!
In order to establish the signature s -function- of linking the signor with the signed document, the context of the signing will always have to be demonstrated

وهذا أخطر ما فعله ترامب كون توقيعه نافذ التطبيق فوراً. حتى أنَّه حرص أبان خطابه على ضرورة اتخاذ كافة التدابير- من الآن- لنقل السفارة ومعه إقرار العاصمة التاريخية. لكن لو نلاحظ أن العملين يعنيان عملاً واحداً في كتلة واحدة. فما تفعله أمريكا هو التاريخ. وأنها تستطيع تنفيذه حرفياً دونما سابق إنذار. وأنها المتصرفة في التغيرات التي تحدث في مناطق النزاع مهما تكن. هكذا توحد أمريكا في توقيعها السياسي توقيعها الجغرافي أيضاً.

إنَّ توقيع ترامب كان توقيعاً كونياً لا يخلو من لاهوت بهذا المعنى. وقد فهمت اسرائيل تلك الكتابة الأرضية بذات المنطق معتبرين أن قرار ترامب خطوة استثنائية كان يجب أن تحدث من زمن. لكن أين سياق التوثيق؟ وهل توقيع ترامب يعتبر في ذاته وثيقة يترتب عليها حراكاً للمنظمات والقوانين الدولية؟!

وجسد التوقيع لدى ترامب ليس شيئاً عادياً, لأنه يعلم أين يقف ولمن يوقع وضد من سيوقع وكيف سيخرج سيناريو المشهد بكل إحكام كما ظهر!! فقد حرص على الكلام الذي لا يعني شيئاً إلاَّ ما يريد. وهو يسوق مبررات ليست أكثر من اختلال جديد وضياع آثار أخرى بإهالة تراب النسيان عليها. ولهذا تحدث عن أن ذلك سيعجل بعملية السلام مع الفلسطينيين وهو يعلم أنه يغتال قضيتهم برمتها.

التوقيع لدى ترامب هو جسد الدولة العبرية نفسه. هو عندئذ يحدد هويتها كما ينادي زعمائها منذ فترة. لأنه توقيع يصب لمصالح قومية يهودية كانت هي التاريخ كما يتصورونه. ذلك بقطع النظر عن الفلسطينيين بل رغم أنف العرب جميعاً. وقد أشار نتنياهو إلى هذا عندما خرج على الهواء لشكر ترامب مشيداً بجرأته وصدق ما وعد به الشعب اليهودي في برنامجه الانتخابي.

وهو نفسه الوعد الذي كان تاريخاً لمسيرة الرب. لأن الأرض اليهودية لهي أرض إسرائيل كما يعتقدون. وكان الرب قد قال لشعبه: إنَّ أي أرض تطأها أقدامكم فهي لكم. وتوقيع ترامب من ثم ليس إمضاء على كلام مكتوب بل اعتراف كما يقول وإقرار بما هو مقرر من قبل. إذن الرب قد وقع على وثيقة ترامب كما وقع على وعد بلفور كما سيوقع على وعود تالية سيجيء أوانها لاحقاً. وبالضرورة لابد أن تترتب عليها مكتسبات على الأرض. وبنفس المنطق تستطيع دولة إسرائيل بمساعدة الرب الأمريكي أن تأخذ أماكن لها بإرادة إلهية.

وفي هذا تحول توقيع ترامب إلى خطاب عنف. لننظر سمات توقيعه هو يمسك بالقلم ثم يغرسه في جسد الوثيقة المكتوبة كأنه يتحدى أشباحاً. وبعد ذلك يقطع فضاء الصفحات بذات القلم كما لو كان يقطع العالم إرباً إرباً. ليمسك بالأوراق معلنا أمام المشاهدين أنه آن الأوان ليصبح الوعد حقيقة ضارباً بها وجوه المعارضين. كل حركات ترامب وسكناته جائت معبرة في هذا الاتجاه في مشهد تمثيلي نادر وطريف.

تاريخ التوقيع في الثقافة اليهودية هو تاريخ الأثر، العبور من النصوص الموعودة إلى العلامات على الأرض. إنَّها حفريات التي تركها الرب لشعبه. وكلمة signature مكونة من مقطعين(sign) و(nature) الطبيعة.. أي وسم الطبيعة وتجلي الأثر الذي يوجد فيها، علامات الأرض، تاريخها المأمول والقديم.

لقد أشار هنري برنارد ليفي ردا على سؤال لماذا شاركت بحراك المجتمعات العربية في شمال أفريقيا خصوصاً ليبيا: ذهبت إلى نفس الأقدام التي تركها لنا الآباء في شمال أفريقيا. ولم أمش في مناطق غير معروفة بل إن أقدامي داخل مدينة بنغازي قد عرفت طريقها منذ عشرات السنوات... الأثر على الأثر، والحركة على الحركة وربما نفس الكلام الذي نطقته كان موجوداً.