كيف اِنهارَت كعكة العائلة؟ -الحلقة الأخيرة-

علي دريوسي
2017 / 12 / 5

المقطع السابع عشر والآخير
*****
ملاحظة: لا يَتبنَّى مُؤلف هذه الحوارية المُتْعِبة الآراء المنقولة عن شخوصها.
*****

في الساعة الخامسة من صباح يوم الأحد استيقظت سناء وبيلسان هلعتين على سماع دوي إطلاق الرصاص في شقتهم، ركضتا إلى غرفة نوم الأهل، وجدتا أمهما مستلقيةً على سريرها الأبيض الذي اصطبغ بالأحمر القانئ، كملاك قد فارق الحياة لتوه، صرختا بآنٍ واحدٍ: ماماماما...
اندفعت بيلسان ونامت قرب أمها تعانقها، بينما ركضت سناء باتجاه غرفة المكتب، هناك رأت أباها جالساً خلف مكتبه كمحاربٍ قديم، وقد تلطخت بذلته العسكرية بالدماء، كانت يده المُسترخية فوق ورقةٍ مكتوبةٍ على الطاولة ما تزال قابضةً على مسدسه الأسود البشع، بينما وقفت زجاجة الميماس بنصفها الفارغ، وكأنَّها شاهداً على ما حدث ويحدث وسيحدث، قرب شاشة الكومبيوتر التي كانت تعرض مشهد ذبح أخيها النقيب صلاح على أيدي ثورة الإرهاب السلفي، بينما هو يصرخ في وجوههم الجبانة: اِذبحوا من شئتم أيها الخصيان لكن تذكروا أننا سنبيدكم عن بكرة أبيكم.
عندما لامست أصابعها الباردة عنق أبيها عرفت أنَّه قد فارق الحياة، نظرت إلى الورقة التي كتبها بخط يده وقرأتّ:
*****

حبيبتي سناء، حبيبة قلبي بيلسان،
سامحاني، لم أعد أحتمل هذا الجنون، آن لي أن أرتاح.
لم يكن في نيتي يوماً الاهتمام بما يعرف الناس، بل بمشاعرهم، بما لديهم من رهافة حس، بأصصهم، بلوحاتهم، بذكرياتهم، برسائلهم، بصورهم، باشتياقاتهم... أخذتُ في حياتي مساراً مختلفاً، وما زلت على الطريق الذي اخترته بحريةٍ كاملة، طريق الدفاع عن الأحاسيس، حيث لا تستطيع أية حدود اعتراض تقدمي، حيث المعرفة الأكاديمية لا اعتبار لها، أنا أقف على تلك الضفة إذاً، حيث تُؤذى المشاعر، تُجرحْ يومياً، كل دقيقة، تُضربْ وتُهانْ بمطارقٍ حديديةٍ ميتة، خالية من الدفء، تُثقب بفعل طَرقِ المسامير الصدئة فيها، تنزف من التعذيب، تتوجَّع فتُشنَق…
من يحمي الأحاسيس المجروحة النازفة؟ من يدافع عن المشاعر المشْنُوقة؟

غالبا ما يصير الموت استراحةً هانئة من وهم الحياة، أو من العيش في الوهم الحياتيّ، بالموت تتجدد الأمنيات، يعود الجسد للهدوء الذي يحب بعد رحلة تعبٍ وسباق لتأمين لقمة العيش والحفاظ على كرامة الوطن، طوبى لأرواح الرجال والنساء الطيبة التي عاشت صامتة وماتت خرساء في مجتمعات ثقافة الرعب، أصبح الرعب فيها حاضراً في أدّق التفاصيل، طوبى لكل الأرواح الطاهرة التي تغادر محبيها دفاعاً عن الحرية والعرض والأرض، أو في سعيها لتحقيق أهدافٍ نبيلة، أو بعد معاناةٍ حقيقيةٍ مع مرضٍ عضال.

من أكبر الخسارات التي تواجه الإنسان، التي تُحطِّم قلبه الصغير، التي لا يمكن تعويضها ولا معنى للحياة بعدها، هي خسارته لأولاده، لجذوره القوية، في سنوات العمر الأخيرة.
قبل سبع وعشرين عام وُلد الغالي صلاح، وكلكم غالون على قلوبنا، بعده بسنتين وُلِدَت نجمة المساء سناء، وبعدها بسنتين أنجبت لنا الحبيبة أم صلاح صهيل فرحنا إبراهيم، ثم سافرنا معكم لسنوات إلى ألمانيا حيث تابعت دراستي العليا في الهندسة العسكرية كما تعلمون، رُزقنا بعد عودتنا بالدلوعة بيلسان.

سمعتُ اليوم نبأ غرق القارب الذي هرب أخوكم إبراهيم على متنه، اِنقلب القارب الرخيص وغرق في بحر إيجة بمن فيه وعليه، قبل الوصول إلى شبه الجزيرة اليونانية، رأيته وهو ينازع الموت، رأيت إبني، لن أنسّى ما حيّيت كيف كانت فرحتي كبيرة لهربه، لتحقيق أمانيه وأحلامه الكبيرة، وكم كانت فرحته لا توصف. لن أنسّى ما حيّيت كيف رأيته يموت ويده تقبض على هدية والدته، على السنسال والقرآن.

وفي الساعة نفسها من هذا اليوم المشؤوم رأيت الرائد الشرف صلاح وهو يستشهد دفاعاً عن الوطن، وهو يصرخ بوجه الإرهاب والغزاة: سنبيدكم عن بكرة أبيكم أيها الغزاة.
إنه لعـذابٌ حقيقـي أنْ أكتُبَ أيَ تفاصيـل عـن مشاعري التي قصمت قلبي وأنا أرى كيف يموت ولداي بالساعة نفسها، لذا لن أكتبَ شيئاً.

نهضتُ من مكاني في المكتب، ارتديتُ بذتي العسكرية، قبلتكما وأنتما نائمتان في سريركما،غطيتكما، وذهبتُ إلى غرفة نومي، نفذتُ وصية رفيقتي هنريته فوجل، حبيبتي وزوجتي ورفيقة حياتي وأم أولادي، شريكة أحلامي وأيامي، أول وآخر ضحايايّ، أطلقتُ عليها الرصاص من مسدسي اللعين، شربتُ كأس الشهيد صلاح والمغامر إبراهيم، ثم سأطلقُ النار على نفسي، عندما انتهي من الكتابة إليكما.

لو سألتماني عمّا أكره، لأجبتكما على الفور: الحرب. رغم إيماني العميق ومنذ مراهقتي بضرورة الحرب، وبأنّه لا غير الحرب طريق.
آهٍ كم أخاف على هذه الكعكة من الاِنهيار.
جغرافية الشرق العربي يرسمها أقوياء العالم، وسوريا الفقيرة ليست إلا المرسم، ونحن لسنا إلا أدوات الرسم.
أستميحكما العذر، إذ أنَّ بعضنا يرغب أن يموت وحيداً بإرادته، لا أن يعيش معزولاً بإرادة الآخرين. لم يعد على هذه الأرض ما يستحق البقاء بنظري.
أُحبكما، اِنتبها إلى روحكما، وداعاً.
أبوكما عبد الحميد الجدري (أبو صلاح).
*****

أمسكتْ سناء قلم أبيها وكتبت:
وا أسفاه يا أبي الحبيب، يا قدوتنا،
هذه هي الطريقة التي اِنهارتْ بها الكعكة، كعكتنا الأصغر.
كما تموتُ الأخلاق في زمن الحروب، تموت الشوارع والحارات إذا مات سكانها.
السلام والطمأنينة يبدأان بالعودة إلى التراب الأصل والغوص به والتمسك بذراته الغالية.
الرحمة لروح شهيدنا الغالي صلاح.
سامحيني يا أمي، الآن صرت أعرف معنى وأهمية كلمة شهيد، سامحيني يا أمي، كنت سأشتري لك باقات من الحبق والفل لنزرعها سويةً في خوذة الشهيد وجزمته، لكني وجدتك وأبي تحلقان بعيداً إلى السماء، فاشتريت بدلاً عن الآلاف من الباقات خبزاً للعساكر الفقراء المسروقين على الجبهة.
سامحيني حبيبتي البهية بيلسان، أختي الصغرى.
*****

ألقتْ سناء نظرة وداعٍ على أبيها وركضت بقوتها المُتبقِّية إلى النافذة المفتوحة في الطابق الخامس من ينايةٍ عالية في منطقة ساحلية متواضعة، ورمت بنفسها وكأنَّها تبحث عن جرعةٍ آخيرة من هواء الحرب الملعونة.
*****
النهاية