المتاهة الروحانية

أيمن عبد الخالق
2017 / 12 / 5

المتاهة الروحانية
" إن السعادة تكون للعقول قبل أن تكون للنفوس، بل هى لا تكون للنفوس إلا مع النفوس من حيث هى عاقلة ، لا من حيث هى متذوقة" – ابن سينا
o بعد أن تحدثنا عن المتاهة المادية، والدينية من المتاهات التي أقصت العقل عن حياتنا الفردية والاجتماعية، نريد أن نتكلم معكم الليلة حول المتاهة الثالثة، التي سميتموها بالمتاهة الروحانية، فماهي هذه المتاهة؟
• قبل الدخول في الكلام، أود أن أذكركم أنّ كل واحدة من هذه المتاهات لها جانبها الإيجابي الحسن، الذي يتمكن من خلاله رموز هذه المتاهات من أن يخدعوا الناس، ويجذبونهم إليها، حيث استغل رموز الاتجاه المادي الرأسمالي شعارات الحرية والتنوير لتلميع وتحديث وجوههم، واستغل رموز الاتجاه الديني الانتهازي شعارات الدين والإيمان، لإضفاء القدسية والشرعية على سلوكهم.
o وماذا عن الاتجاه الروحاني؟
• رموز هذا الاتجاه استغل عن علم أو جهل، النزعات الروحية والمعنوية عند الكثير من الناس، وبدأوا يعزفون على أوتارها الرقيقة؛ للتأثير على نفوسهم وأرواحهم، ولتوجيههم إلى الطريق الذي يرسمونه لهم، من أجل تكثيراتباعهم، وتحقيق مصالحهم.
o ولكن ماالعيب في ذلك؟، وهل تزكية النفوس، وتهذيب الأرواح أمر سلبي في نظرك، بحيث تعتبره متاهة من المتاهات؟!
• اعتقد أنني قد نبهتك قبل ذلك إلى أننى عندما انتقد هذه المتاهات، لا انتقد الجانب الإيجابي فيها، فلست أرفض الحرية والتنوير، ولا الدين والإيمان، وكذلك لاأرفض ماتقولوه أنت الان من تهذيب النفوس والأرواح، بل انتقد الاستغلال الانتهازي لهذه الأشياء، والتي قد يسميها البعض بالأدلجة والتسييس.
o معذرة... نعم الان تذكرت ماقلتموه، ولكن كيف استغل هذا الاتجاه الروحاني نفوس الناس؟
• هذه الاتجاه كالاتجاه المادي والديني، قام بإقصاء العقل وتحقيره في أعين الناس، واعتبر تحصيل العلم والمعرفة العقلية تضييع للعمر، ووصف العلم بأنه الحجاب الأكبر بين الإنسان وربه، او بينه وبين التكامل المعنوي.
o ولكن لماذا يفعلون ذلك، ويزهدون الناس في العقل والتعقل؟!
• لعلك قد نسيت أنّ هذا الاتجاه كالاتجاهين الاخرين، يرى في العقل والتعقل، أكبر مانع لتحقيق أغراضه في التأثير والهيمنة على الناس، بل يريد أن يمشي الناس خلفه كالقطيع مغمضي العينين.
o نعم صحيح ؛ لأنّ العقل بطبيعته التحليلية النقادة يمنع الإنسان من سرعة التصديق والانسياق خلف الاخرين بلا تأني أو تدبر.
• بالضبط هكذا، ولذلك فإنّ مشايخ وكهنة هذا الاتجاه، دائما مايشترطون على أتباعهم ضرورة أن يتخلوا عن عقولهم كشرط مسبق لانتمائهم إلى هذا الطريق، وأن يسلموا لأقوالهم وإرشاداتهم بالكلية، دون أدنى تحقيق أو اعتراض، ليبدأوا بعدها بتلقينهم مايشاؤون من اعتقادات وتصورات غيبية، والتي غالبا ماتكون خيالية أو خرافية.
o ولكن ماهي الاثار السلبية التي من الممكن أن تترتب على هكذا اعتقادات؟
• أسوء مافيها أنها تجعل الإنسان مستعدا لتصديق أي شيء، حتى ألوهية أو ربوبية هؤلاء المشايخ والكهنة، مما يفتح باب الإدعاء والدجل والشعوذة على مصراعيه، ويقع الناس فريسة وضحية لهم، ويصبحون مجرد أدوات صامتة يتلاعبون بها كيفما شاؤوا.
o ماأسوء استغلال الإنسان لأخيه الإنسان ...وهل هناك سلبيات أخرى لهذا الاتجاه؟
• من أخطر السلبيات أيضا لهذا الاتجاه، هو السعي الحثيث لعزل اتباعه عن الحياة الاجتماعية المؤثرة، والانكفاء على الذات، وإسقاط مسؤولية الإصلاح والتغيير من على عاتقهم، ولذلك كانت هذه الاتجاهات الروحية محل دعم وتأييد من جانب الأنظمة السياسية الجائرة والفاسدة على مر التاريخ، وإلى يومنا هذا، لأنها تساعد على تخدير وتنويم الشعوب.
o وربما يكون هذا من الأسباب التي دعت "كارل ماركس" إلى القول بأن الدين أفيون الشعوب.
• لاشك أنّ ماركس كان ثائرا حراً، يدعوا إلى العدالة والمساواة، ومحاربة الظلم والفساد، والنهوض في وجه الأنظمة الطاغية والمستبدة، وكانت أغلب الاتجاهات الدينية التقليدية، والتيارات الصوفية والروحانية، بحسب طبيعتها اللاعقلانية، تؤيد هذا الأنظمة الجائرة، وتمنع الناس من الثورة عليها، وتدعوهم إلى ترك الدنيا الفانية، والانقطاع إلى الاخرة الباقية، فكانوا في الواقع يشكلون حجر عثرة في وجه مشروع "ماركس" الثوري، ولذلك وصف الدين بذلك الوصف، عندما وجد أنه يتم استغلاله بهذه الشكل.
o يعني في النهاية لم يسلم أي فكر إنساني من الاستغلال، والتوظيف السياسي
• عندما يغيب العقل، تغيب الإنسانية، ويصبح كل شيء ممكنا، فاللاعقلانية هي مفتاح جميع المتاهات، وإذا أقال الإنسان عقله وعطله، فقد خسر نفسه، وفقد حريته واستقلاله، وكرامته الإنسانية.
وفي الختام إذا لم ترسم بعقلك مستقبل نفسك، فسوف تكون جزءاً من مستقبل غيرك.