كيف تملكت أوروبا فلسفة ابن رشد؟

أشرف حسن منصور
2017 / 12 / 5

قد يبدو هذا العنوان غريباً ومستفزاً؛ فكيف يكون ابن رشد ملكاً لأوروباً؟ ألم يكن هو الفيلسوف العربي المسلم الذي اشتهر بالتوفيق بين الفلسفة والدين، وكانت له إسهاماته في التراث الفلسفي والعلمي العربي الإسلامي؟ بلى، لكن لم تكن لابن رشد مدرسة فلسفية عربية من بعده، وانقطعت فلسفته في ديار الإسلام بموته، ولم تظهر رشدية عربية، إلا في القرن العشرين؛ على العكس مما حدث في أوروبا، فقد ظهرت رشدية لاتينية، بعد وفاة ابن رشد بأقل من قرن. فقد توفى ابن رشد سنة 1198، وفي سنة 1270 كتب توماس الأكويني تفنيداً لنظرية ابن رشد في وحدة العقل، موجهة ضد "الرشديين"، الذين بدأوا في الانتشار في بعض الجامعات الأوروبية ومنها جامعة باريس؛ مما يعني أنه منذ ذلك التاريخ، أي بعد وفاة ابن رشد بإثنين وسبعين سنة، تشكل تيار رشدي هناك مما استدعى رداً من الأكويني نفسه.
ونستطيع أن نميز في تاريخ الرشدية في الغرب بين ثلاثة تيارات: الرشدية اللاتينية في أواخر العصور الوسطى (القرنان 13 و14)، ورشدية عصر النهضة (القرنان الخامس عشر والسادس عشر)، والرشدية اليهودية (من القرن الثالث عشر وحتى السابع عشر).
لكنني أريد التركيز في هذه المقالة على طبعات مؤلفات ابن رشد في عصر النهضة. تم اختراع الطباعة سنة 1440، وفي سنة 1472 كان الكثير من شروحاته على أرسطو قد تم طبعها في بادوفا بإيطاليا Padua، والتي كانت قد تُرجمت إلى اللاتينية منذ القرن الثالث عشر. وفي سنة 1483 تمت طباعة كل أعماله المترجمة لللاتينية حتى حينه، في فينيسيا. وطوال القرن السادس عشر توالت طبعات لترجمات جديدة لأعمال ابن رشد، غير الترجمات القديمة في العصر الوسيط المتأخر، حتى ظهرت الطبعة الكاملة لكل مؤلفاته المترجمة إلى اللاتينية وهي طبعة جيونتا Giunta بفينيسيا سنة 1550 - 1552، وأعيد طبعها مرة أخرى في 1560 و1574/ 1575.
وقد رصد الباحث الألماني داج هاسه Dag Hasse، طبعات أعمال الفلاسفة والعلماء العرب في عصر النهضة، واكتشف أن طبعات أعمال ابن رشد حتى سنة 1600 كانت هي الأكثر عددا، فقد وصلت إلى 114 طبعة، تليها أعمال ابن سينا: 78 طبعة (حتى 1700)، تليها أعمال محمد بن زكريا الرازي: 67 طبعة (حتى 1700)، والزهراوي: 33 طبعة حتى 1700.
لقد تفوقت طبعات أعمال ابن رشد على طبعات أعمال ابن سينا وغيره من الفلاسفة والعلماء العرب بفارق كبير. ويذهب هاسه إلى أن هذا العدد الكبير من طبعات مؤلفات ابن رشد، والتي انحصرت في قرن واحد (1472 – 1575)، يدل على الطلب المتزايد على هذه الأعمال من الجامعات الأوروبية، إذ كانت تُستخدم في التدريس للطلبة، وكانت تُقرأ في قاعات الدرس، بالإضافة إلى أنها كانت من المقتنيات الضرورية للكثير من علماء وفلاسفة أوروبا طوال عصر النهضة. وقد عمل انتشار هذه الطبعات على خلق تيار رشدي نهضوي مختلف عن التيار الرشدي اللاتيني السابق عليه في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، ولعل هذا هو ما دفع لايبنتز في أوائل القرن السابع عشر للتصريح بأن أغلب فلاسفة إيطاليا كانوا رشديين، وكان يقصد فلاسفة القرنين الخامس عشر والسادس عشر.
لكن كان هذا هو العصر الذي خضع فيه العالم الإسلامي للحكم العثماني والإقطاع المملوكي، عصر انتصار فقه عصور الظلام والتخلف. ولم تظهر طبعات عربية لأعمال ابن رشد إلا في أواخر القرن التاسع عشر. وفي أوائل القرن العشرين بدأت أعماله تظهر على أيدي محققين عرب.
هذا العدد الكبير لطبعات أعمال ابن رشد في عصر النهضة: 114 طبعة في قرن واحد، يثير لدينا أسئلة كثيرة تستحق الدراسة، حول كيفية تمويل ترجمة هذه الأعمال، أي الإنفاق على المترجمين، وكيفية تمويل الطباعة، فقد كانت عالية السعر آنذاك، وفرق العمل التي تولت اختيار الأعمال لترجمتها، ومعايير هذا الاختيار، ومراجعة الطبعات، والمفكرين الذين اقترحوا الترجمة من الأصل، وكيفية استقبالها، وأخيراً طرق تأثيرها فكرياً.
في مقابل هذه الصورة المزدهرة التي تكشف عنها طبعات أعمال ابن رشد في عصر النهضة، قارنوا معها مشهد إخراج جثة ابن رشد من قبره بعد وفاته بمراكش بستة أشهر، وتحميلها على دابة، مع كتبه، وترحيل الجثة والكتب إلى قرطبة ليُدفن هناك. لقد تم إخراج ابن رشد وكتبه من ديار الإسلام، في مشهد مهين ومُذل، مطروداً كجثة وكمؤلفات وكفكر. ولذلك فإن الذي تلقف ابن رشد وأنقذه وأكرمه، فكرياً، هم الأوروبيين الذين تبنوا فكره وتولوا طباعة أعماله بالصورة التي رأيناها. كل هذا يدفعني إلى شعور يلح عليَّ كثيراً، بأن ابن رشد وكأنه كان يكتب لأوروبا، ففكره قد أثمر هناك، وأحدث التأثيرات المطلوبة هناك، وطُبع ودُرِس هناك.
عندما قلت إن أوروبا تملكت فلسفة ابن رشد، فقد كنت أقصد ها النوع من التملك، أي الترجمة والنشر والانتشار في الجامعات على كل مستوياتها: في قاعات الدرس، وفي المناقشات بين الأساتذة، وفي التيارات الفكرية.
لقد تأخرنا كثيراً في استعادة ابن رشد، لكن لاتزال الفرصة أمامنا، فهو يستحق منا اعتذارا.
Burnett, C. ‘Revisiting the 1552–1550 and 1562 Aristotle- Averroes Edition.’ In Renaissance Averroism and Its Aftermath: Arabic Philosophy in Early Modern Europe, ed. A. Akasoy and G. Giglioni (Dordrecht, 2013), 55–64.
— — —. ‘The Second Revelation of Arabic Philosophy and Science: 1492– 1575.’ In Islam and the Italian Re nais sance, ed. C. Burnett and A. Contadini. Warburg Institute Colloquia 5 (London, 1999), 185–198.

Cranz, F. E. ‘Editions of the Latin Aristotle Accompanied by the Commentaries of Averroes.’ In Philosophy and Humanism: Renaissance Essays in Honor of Paul Oskar Kristeller, ed. E. P. Mahoney (Leiden, 1976), 116–128
Endres, G. ‘Averrois Opera: A Bibliography of Editions and Contributions to the Text.’ In Averroes and the Aristotelian Tradition: Sources, Constitution and Reception of the Philosophy of Ibn Rushd (1126–1198), ed. G. Endres and J. A. Aertsen (Leiden, 1999), 339–381.
Hasse, D. N, Success and Suppression: Arabic Sciences and Philosophy in the Renaissance. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2016