نظريتى فى فهم ماهية النظام والعشوائية

سامى لبيب
2017 / 12 / 4

هذا المقال كان يعتنى بنقد فكرة نظرية التصميم الذكى وهو الوجه الحداثى لمقولة البعرة من البعير ولكنى رأيت أنه من الأهمية بمكان أن أصدر نظريتى عن ماهية النظام والعشوائية , ولأرى أن كلمة النظام والعشوائية هى تصنيف وتوصيف إنسانى فلا يوجد فى الطبيعة شئ إسمه نظام بل إنطباع إنسانى على الأشياء التى يألفها أو قل الأشياء التى أسقط عليها معانيه وفق وعيه ومعارفه وثقافته .

- من الأقوال الساذجة الساخرة التى تتعامل مع العشوائية التى أنتجت نظام هو خلط الاوراق بقولهم : هل لو ألقينا حروف الطباعة فى الهواء ستسقط على الأرض لتعطى لنا قصيدة لشكسبير ؟ ليصورون من هذا المثال إستحالة انتاج نظام من العشوائية ,ولكن هذا السؤال هو خلط الاوراق بين النظام الواعى والنظام الغير واعى ورغماً عن ذلك فهو مردود عليه كما سيأتى لاحقاً فى مقال تفنيد التصميم الذكى فعندما نتعامل مع زمن مفتوح ممتد لمليارات السنين فإحتمالية إلقاء حروف الطباعة لتكوين قصيدة لشكسبير واردة كحتمية رياضية وهذا شئ منطقى فنحن أمام إحتمالات رياضية بحته .

- لى رؤية أخرى تنظر للأمور فى عمقها لتعتمد على من تسقط عليه حروف الطباعة فهو من يكون منها قصيدة أى إننا من حروف اللغة ممكن أن نكون منها قصيدة لشكسبير أو لأحمد عدوية .. يمكن أن نبسط هذه النقطة باللغة ومدلولاتها وصياغتها , فلا معنى لأى كلمة فى الوجود تتكون من حروف ألصقناها بجوار بعضها بطريقة عشوائية إلا من خلال البشر الذين إتفقوا على معنى لها وهذا من الأهمية بمكان إدراكه , فالإنسان هو خالق المعنى والغاية والإنبهار .

- لقد أتت جميع أفعال الطبيعة من نجوم وكواكب وبحار وأنهار وحشرات وإنسان بدون نظام , بالضبط كإلقاء حروف الطباعة , فالطبيعة لم تراعي مصالح أحد وهي تلقي جزافاً ببطاقاتها أو حروف طباعتها التي هي نجوم وكواكب وأقمار وأنهار وبحار ومحيطات وحشرات وإنسان , وإنما تصرفت بدون غاية وبدون قصد وتعمد وهذا ما نعنيه بالعشوائية أى الفعل اللاغائى .

- يجدر الإشارة أن النظام الذي يقصده المؤمنون هو النظام الغائي لا الفاعلي , أي النظام الذي يفترض وجود علة غائية إضافة الى العلة الفاعلية , لذا الصدفة والعشوائية مرفوضة لديهم لإنعدام الغائية , فإطلاق كلمة الصدفة مضادة للغائية لديهم , ومن هنا مغزى سخريتهم وفهمهم الخاطئ عن الصدفة والعشوائية التى لا تتكأ على فهم مادى للوجود بقدر سخرية لإنعدام الغائية والغائى .

- جوهر الخلاف بين الفكر المادى الجدلى والفكر الميتافزيقى فى تناول قضية التصميم والمُصمم تكمن فى الغائية , فالفكر المادى لا يرى غاية وغائية بينما الفكر الميتافزيقى يُعلى من وجود غاية خارجية عن الإنسان تتمثل فى إله , فلا هم أثبتوا وجود إله ليضيفوا له فرضية أن لديه غاية .. وقد إعتنينا بقضية الغائية فى جزء سابق من هذا البحث .

- نقول أن الكون ذو نظام وتصميم ولكن لا يوجد أى شئ فى الوجود يحمل فى ذاته وكينونته جزيئات إسمها نظام وتصميم , لذا نحن أمام تقييم الوعى البشرى للأشياء ليسقط عليه صفات ومعانى إنسانية عن التصميم والروعة والنظام والعبث , فمثلا ما كان يراه الإنسان القديم رائعاً ومدهشاً نراه عادياً , أى أن تلك التوصيفات للكون والحياة هى توصيفاتنا وتقييماتنا الخاصة , وطالما هى كذلك فهى نسبية تخضع لعوامل وظروف موضوعية شتى .

- من الخطأ القول أن الطبيعة مُنظمة أو عَشوائية أو أن كوننا رائعا , فقولنا هذا هو إعطاء سلوك شخصى للطبيعة لنقع فى نفس خطأ فكرة الإله .. فالقول أن الطبيعة مُنظمة أو عشوائية هو تقييمنا نحن لها كون الإنسان هو مصدر كل الأفكار والإنطباعات والأحاسيس ومنها خلقنا الافكار والفلسفات والآلهة , كذلك قولنا أن كوننا رائع هو تقييم إنسانى إنطباعى بلا دليل فنحن لم نشاهد أكوان أخرى لنحكم على كوننا بالروعة , ومن هنا تكون مواجهتنا لتصحيح المفاهيم .

* نظريتى : نحن من نخلق النظام .
لى رؤية فلسفية فكرية لم يتطرق لها أحد تقوم على أن المعنى نتاج مشهد أى إنطباعنا على المشهد لننتج له معنى أى أن النظام فكر انسانى وليس حضور لمشهد منظم مستقل بذاته عن وعينا .. دعونا نتحرر من قيد الفكر الدوغمائى وننظر إلي مثال إلقاء حروف الطباعة الملقاه علي الأرض بعشوائية ونحاول منع عقولنا فى البحث عن صفحة أو سطر أو جملة أو حتي كلمة مقروءة , فلننظر للحروف الملقاه ونحلل المعلومات بشكل مختلف فما أمامنا هو مجموعة من الحروف وكل حرف في حد ذاته هو شيء إذن مجموعة الحروف معاً لابد أن تكون في حد ذاتها شيئ هي الأخري بالضبط مثل الكون الملقي جزافاً لابد ان يكون شيئاً هو الآخر وقد كان ومازال يكون .. نجوم وكواكب وأقمار وأنهار وبحار ومحيطات وحشرات وإنسان , فهذا الترتيب الذي نراه منطقياً منظماً إنما نابع من ذواتنا كوننا ألفنا قوانين الطبيعة الخاضعة لنفسها لأننا جزء منها وجزء من هذا النظام أو للدقة هذه العشوائية , كما صرنا نري قوانين الطبيعة ونفسرها ونخرج منها بمنطق نفسر به الأحداث بل ونطبقها عليها مع أنها خارجة عن منطقنا الإنساني .. والمنطق الإنسانى نتاج تأثير الوجود المادى على وعينا .

- وعينا يتمثل فى إحساسنا بالخطوط فلا يوجد وعى بدون إحساس , فمن الإحساس بالخطوط والألوان نُكون علاقات وإنطباعات , ويكون تقاربنا كبشر فى التذوق والتقييم والاحساس بحكم تقارب التكوين البيولوجى والجينى والنفسى والتجارب والخبرات البشرية , ولنلاحظ أننا يمكن أن نتقارب ولكن يستحيل أن نتطابق ليظل مفتاح وعينا هو إحساسنا وإنطباعاتنا عن الخط واللون ودرجة تفاعلنا معه , أى مدى فاعلية الإحساس وقوته ومن هنا يتكون الوعى بترميز هذا الإحساس الذى جاء من إنطباع مُختلق على خطوط عشوائية ليدخلها بصياغة شفرة فى نظام , يجدر الإشارة أن القول بالإحساس ليس مقتصراً على التفاعلات القوية الفجة كالإحساس بالخوف والبرودة والسخونة وما شابه بل هى تلك النمنمات الكثيرة من التفاعلات الحسية الكيميائية مع الأشياء التى نتحسسها ولا نستطيع صياغتها فى مفردات لغوية كون الإحساس يسبق اللغة .

- لاحظ إننا لا نقرأ الحروف والكلمات بل نقرأ رسومات , فحياتنا كلها رسومات لذا أعتبر الرسم هو وعينا الحقيقى بالحياة فهو لا يقتصر على لوحة جميلة رسمها فنان بل الرسومات طريقة تعاطي أدمغتنا مع الحياة , فنحن مثلا لا نقرأ الحروف والكلمات فى جريدة أو كتاب أو تلك الكلمات التى تقرأها فى مقالى هذا فأنت تقرأ رسومات فقط متمثلة فى حروف متشابكة ذات أشكال مرسومة لتمر سريعاً على كلماتى بدون أن تتهجاها وهذا يرجع لأن لديك فى ذهنك أرشيف هائل من رسومات للكلمات فيقوم الذهن بإستدعاء رسم تلك الكلمه وإدراكها لذا نحن لا نتهجى الكلمات التى لها رسومات سابقة فى ذهننا فهكذا نتعامل مع اللغة كتابة وقراءة كرسومات نستدعيها , لتكون أى كلمة جديدة مثل " انسطالبوك " ككلمة لم نعهدها من قبل , فنتصور أن مفتاح معرفتها هو أن نتهجاها والحقيقة أننا نصورها بعيوننا لنسجلها كرسمه جديدة نخزنها فى أرشيف الدماغ , والدليل على هذا أن هناك كلمات أجنبية أو حروف فرعونية أو صينية لا نعرف نطقها ولكن نحفظ رسمها , فالكلمة لن تتواجد فى الوعى بدون رسم لها , وهذا يعنى أن الوجود والحياة خطوط ورسومات يتكون منها وعينا الذى هو إستدلال على تلك الخطوط التى جاءت بشكل عشوائى .

- من طبيعة رسم كلمات اللغة الماثلة لوعينا تتأكد رؤيتى أن الوجود عشوائى فى طبيعته بمعنى أن مشاهده لا غائية ولا مرتبة وأن النظام رؤية بشرية إعتنت بتحديد معنى لرسومات خطوط عشوائية لنراها نظام , فنظرتنا وتعاطينا مع الحياة هو الإتفاق على رسومات عشوائية وإعطاءها معانى ودلالات خاصة بها ,وإذا كان الإنسان منذ البدء فعلها فنحن مازلنا نفعلها بإبداع رسوم لماركات ورموز رياضية وفيزيائية وبادجات معاصرة ولا مانع أن نخلق من تلك الرسومات المعقدة العشوائية قواعد وكتابات شعرية لتكون كل هذه التمظهرات منتجات نظامية جاءت من التعاطى مع العشوائية .

- نحن نضع كلمات اللغة لنسقط عليها معنى أردناه لتعريف الأشياء أى إتفاقنا على معنى ليُعَرف الشئ , فالشجرة والقلم والأسد كلمات عندما تتبادر فى ذهننا ندرك المقصود بها , بينما الإنسان الذى إبتدعها جمع عدة حروف عشوائية ولصقها ببعض ليشير لرفاقه على أنها تعنى هذا الشئ .. هكذا كل وجودنا إتفاق على أشياء ووضع معانى لها ولكن الشئ فى ذاته متحرر من المعنى والغاية .

- هل يمكن أن نجد معنى لجملة ما قبل وجود الوعي؟.. وهل الكون كله منذ الانفجار الكبير كان نظاماً أم فوضى ؟ أليس فوضى بحته ولكن سواء كان تقييمه نظامى أم عشوائى فما معنى النظام والعشوائية ؟ فهذا سيقودنا لسؤال هل الوجود سابق للمعنى أم أن المعنى نتاج الوجود ؟ الانسان هو من يخلق المعني وليس الطبيعه .

- الخلاصة إننا ننتج معنى وعلاقة ونظام مما هو متاح من عشوائية لنتعاطى بها كوسيلة للفهم والإستيعاب والتقييم بينما الأصول والفروع بلا غاية ولا تصميم ولا عناية , وعليه فيمكن من إلقاء الحروف فى الطبيعة أن نكون منها قصيدة لشكبير أو أحمد عدوية فهذا يتوقف على الإنسان فحسب .

- المسطرة .
- مما يؤكد نظريتى فى أننا من ننتج المعنى والنظام فى الأشياء من إعتيادنا على رسومات معينة فى الطبيعة لتكون بمثابة المسطرة للقياس والتقييم وليكون أى شئ مخالف لها هو قبح أو عشوائية , بينما الأمور تعتمد على مسطرة رؤيتنا وتقييمنا للأشياء فمثلا عندما نرى رسماً ليد به ثلاثة اصابع أو ستة اصبع فنحن نعتبر هذا قبح غير مقبول وغير منطقى كوننا إعتمدنا دوماً اليد ذات الخمسة أصابع ومنحنا هذا الإعتياد القبول والمنطقية , بينما لو إعتدنا دوماً رؤية أيادى ذات ثلاث أصابع فسنعتبر هذا هو المثالية والطبيعية لتكون اليد ذات الخمسة أصابع هى النشاز والقبح .!

- على هذا النحو يمكن تقييم ملامح كثيرة كالحواجب التى تعلو العين بل أسفلها ووجود ثلاث عيون للإنسان وهكذا , ومن هنا ندرك أن مسطرة التقييم تعتمد على ماهو موجود فى الطبيعة لنعتاد عليه ونعتبر مشهده الطبيعى وأى مشهد مخالف غير طبيعى , ومن هنا يمكن أن نتطوع لطرح الحكمة وجمال التصميم فى الأصابع الثلاثة أو أن فى مؤخرتنا ذيل .!

- الإنسان أدرك النظام من الطبيعة فأدرك الخط المستقيم والنقطة والدائرة والمستطيل من الطبيعة بالرغم من عدم وجود خطوط هندسية مثالية فى الطبيعة , ومن هنا إستخدم مفردات الطبيعة فى رسم رسوماته الهندسية ليحدث بعد ذلك إنفصام وقطيعة ,فيتصور أن فى الطبيعة هندسة وتصميم بينما خطوط الطبيعة عشوائية والإنسان هو من وضع هذه الخطوط فى نظام هندسى .

- التماثل والتشابه وعى وإدراك وفهم إنسانى فنحن من لاحظنا التماثل والتشابه فى الطبيعة لتكون مشكلتنا فى تصور أن هناك رسالة لنا بالتماثل والتشابه , وهذا الأمر يسرى على الجمال فنتوهم أن الأشياء جميلة فى ذاتها بينما نحن من منحناها صفة الجمال لإستحساننا فوائدها كما شرحت هذا سابقا فى مقال "وهم الجمال" .

- عندما نرمى زهر الطاولة ونحصل على نتائج مختلفة ومتباينة دوماً فإننا نعزى هذا الأمر إلى الصدفة , فلماذا نقول مفردة الصدفة هنا ؟ نقولها لأننا لا نعرف ولا نتوقع نتيجة الرمية فى كل مرة , وبالعودة إلى قانون السببية فلابد أن نعزى نتيجة كل رمية إلى وجود علاقة وقانون مادى جاءت منه نتيجة هذه الرمية وإن كنا نجهلها , فهناك عشرات الأطراف فى المعادلة التى تعطينا فى النهاية نتيجة رمية زهر محددة مثل قوة الرمية , شدة الريح , مسافة الرمية , سطح الإحتكاك ..الخ . هذه الأطراف التى تشكل معادلة معقدة بحدودها هى معادلة فى النهاية نجهل حدودها وعلاقاتها الداخلية , ومن خلال جهلنا بها نعتبرها صدفة .. لو كانت لدينا معادلة كاملة ورصدنا كل طرف فيها بدقة فإننا بسهولة سنعرف رمية الزهر قبل رميها ولن تكون الأمور صدفة بل نظاماً , ومن هنا تكون العشوائية هى الجهل بالإحتمالية .

- لا يوجد معنى للأشياء فى ذاتها فنحن من نمنحها المعنى فعندما نتأمل الألوان تجد أننا منحنا الألوان معانى كقولنا ألوان ساخنه وألوان بارده وكقولنا أن الأبيض يعنى الصفاء والأحمر يعنى الحيوية والتدفق والثورة وهكذا بالرغم أن أى لون لا يوجد فى ثناياه هذه المعانى بل هى معانى وأحاسيس وانطباعات تم إسقاطها على اللون ومن هنا نفهم إننا نتعامل مع طبيعة عشوائية لنسقط إنطباعاتنا عليها لنعطى لها معنى وإحساس .

- الجمال من الأشياء التى تقربنا من فهم العشوائية والنظام , فالأشياء ليست جميلة فى حد ذاتها أى لا توجد جزيئات إسمها جمال فى بنيتها بل الجمال إسقاط إنطباع من الإنسان على الأشياء , أى أن الجمال معنى إنسانى وليس فى كينونة الأشياء , وهذا يماثل من نراه نظامياً فهو إنطباع انسانى عن الاشياء ليصورها فى ذهنه بذات ترتيب معين لتكون إشكالية الإنسان نسيان أنه المانح للجمال والنظام متوهماً أن هناك من رسم اللوحة الجميلة ومن رتب الأشياء .

- الأعداد 1 ,2 ,3 , 4 نعتبرها متسلسلة نظامية كذلك يمكن أن نجد مجموعات نظامية أخرى مثل 2-5-8-11 ومجموعة 2- 4- 8- 16 فالأولى متوالية عددية والأخرى متوالية هندسية ولكن لو وجدنا مجموعة 3- 9 -81 فسنقول أنها مجموعة عشوائية لجهلنا العلاقة بين حدودها ولكن لو قلت لك أن هذه المجموعة تعتمد على تربيع كل حد ليعطى الحد التالى فهنا سنقول هذه المجموعة نظامية , ولو قلت لك مجموعة 7-5- 3- 5-7 فستعتبرها عشوائية أيضا لأقول لك أننا يمكن تنسيقها فى نظام فهى مجموعة تقل بمقدار -2 لتصل للحد الثالث (3) فتنقلب لزيادة +2 , وكذلك مجموعة 8-6-4-8- 16 يمكن إيجاد علاقة نظامية فهى متوالية عددية تقل -2 حتى تصل للحد الثالث (4) لتتحول لمتوالية هندسية لتزيد بالضرب فى 2 .
ما أريد قوله هو أننا نبدع فى إيجاد علاقات بين الأشياء , كما لا ننسى أن القول بمتوالية عددية أو هندسية هى من إبداعنا , ومن هنا نقول أن هناك نظام بينما قولنا عن الشئ عشوائى يأتى من عجزنا عن إيجاد علاقات لجهلنا أو صعوبة وتعقيد العلاقات ولكن يمكن أن نجرب ونجتهد لو أردنا ذلك لنبدع ونختلق علاقات .

- من المعروف رياضياً أن أي مجموعة من الأرقام يمكن أن تشكل دالة ما , أي أننا نستطيع إستنباط نظام من أي مجموعة أرقام نختارها بعشوائية , وهذا يجعلنا نتساءل حول معنى كلمة نظام وقانون , فهل هناك قانون ونظام فعلاً أم مفاهيمنا وعلاقات أسقطناها على الأشياء .. أرى أن وجهة النظر الثانية هى الصحيحة وهو ما تؤيده العلوم والواقع المادى والإستدلالات الرياضية .

- زاوية النظر .
لننظر سويا إلى التسلسل التالي 1783974859123450784326493874657460 لنرى أن هذا التسلسل لا نظام ولا تصميم فيه لعدم وجود علاقات إعتدنا أن نتعامل بها لتجد لها سبيلاً فى التعامل مع هذه السلسلة , ولكننا لو دققنا النظر فى هذه السلسلة مرة أخرى مع التركيز على جزء فيه سنرى فيه تسلسلاً جزئياً منطقياً (12345) أي هناك مجموعة جزئية يبدو عليها النظام في داخل المجموعة الكلية العشوائية , ومن هنا تكون رؤيتنا للنظام هو رصد جزء من الكل نرى فيها علاقات ذات مدلول.. ولكن لو كانت لنا نظرة أوسع لما ظننا هذا , فهناك نظرية الأكوان العلمية القائلة أن الكون الذي نعيش فيه هو مجرد جزء من مجموعة كلية , والتصميم الذي نراه فى كوننا هو زاوية نظر إنتقائية بحكم وجودنا داخل هذه الجزئية لأن وجودنا كجزئيات منظمة مستحيل في داخل الأكوان الأخرى , فلا نرى إلا ما أمام أنوفنا .

- أكبر مثال يؤكد رؤيتى عن العشوائية التى ننتج منها نظام هو تأمل مشاهد من الطبيعة كالتحديق فى وردة جميلة أو سمكة زينه أو عصفور كنارى أو أمواج بحر ألخ .. لنجد متعة وإبداع فى ألوانها وخطوطها بينما لا يوجد رسام قام بمهمة الرسم والتلوين بل عشوائية فى الألوان وجدت إنطباع طيب فى الداخل الإنسانى .

- الأوتار الخمسة فى العود يمكن أن تنتج لنا أعداد لا نهائية من النغمات والترددات والأصوات , ومن المؤكد ستفتقر معظم هذه النغمات والألحان للجمال والذوق ولكنها نغمات وأصوات فى النهاية..هذا يجرنا إلى أن ما نستصيغه من ألحان هى حالة إستثنائية من مجمل الأصوات اللانهائية المتاحة من خلال الطرق على الأوتار .
يمكن القول بأن ما يطربنا ونستصيغه هو النظام الذى يأتى فى عالم ملئ بالفوضى والعشوائية..الموسيقار هو من وضع يده على مجموعة نغمات وجد أنها تلقى إستحسان عند المستمعين لنطلق عليها نظام موسيقى ليصيغها فى نوتة موسيقية , بينما سيمارس كافة البشر العشوائية عند تعاملهم مع الآلات الموسيقية .
من خلال الفوضى الغير المهتمة ولا المكترثة يأتى إنتقائنا للحظات فيها لنعتبرها نظام لندونها فى نوتة موسيقية .. فالنظام هنا حالة فريدة وشاذة فى مجمل أشياء فوضوية وعبثية , فلا يكون النظام هو الأساس بل الفوضى هى الأساس فى مجمل الوجود ,كما يكون النظام حالة تقييمية إنطباعية لإنسان وليس نظاما فى طبيعة الشئ .

- كل موسيقى الدنيا من سبع نغمات وكل لوحات العالم من 6 ألوان .. يكون التنوع والغزارة فى الإنتاج من عملية مصفوفات وتشكيلات وتوافيق لهذه الأنغام والألوان فهل فهمنا ماهى الحياة وماهى العشوائية .. هى تشكيلات وتنوعات عشوائية أنتجت أشياء متباينة أوجدنا لها معنى بينما مفرداتها ليست بذات معنى فى ذاتها ولنؤكد أنه يستحيل تتطابق نغمة مع نغمة فى الكون .. الوجود عشوائى وإذا كنا نتحايل عليه فلن تتطابق نغمتين أبدا لأن كل نغمة تواجدت فى وسط مادى لم ولن يتكرر .

- مشهد المدقات على الطريق أو الأحجار التى ننثرها لتهدينا للطريق يمكن منها فهم علاقتنا مع الوجود العشوائى فلدينا نقطتان ألف وباء نريد التحرك من أ إلى النقطة ب , ولا يوجد لدينا وسائل إيضاحية بحُكم جهلنا فنلقى بمجموعة من الحجارة أثناء سيرنا من أ إلى ب .. لقد أصبحت لتلك الحجارة ذات معنى بينما هى حجارة ليست ذات أى مدلول فى ذاتها , كما أننا خلقنا نظام من فعل عشوائى ليصبح الطريق من أ إلى ب محدداً ويمكن لاحقاً أن نثبت الحجارة أو نزرع أشجار أو نرصف الطريق من أ إلى ب أو نقلل من المسافات المهدرة لنختصر الطريق , ثم نقوم بعد ذلك بالعمل المهم والذى نتصوره نظام فنرسم خريطة لوضعية الأحجار التى ألقيناها بعشوائية ونضع قانون لزاوية إنحراف كل حجر عن الآخر لنتوهم بعد ذلك أن الوجود منظم .

- أُنظر لعلم الفلك فماهو إلا إيجاد علاقات بين النجوم أى رصد الزوايا بين بعضها ومنها نحدد طريقنا ليتوهم البعض أن هناك من رصها على هذا النحو لتمتد الصور وتتعقد ونسأل لماذا لدينا عينين وليس أربع عيون فلو كانت 4عيون سنشيد بوضعيتهم فى هذه الحالة كونهم يعطون مجال أوسع للرؤية , فنحن من نُوجد العلاقات والمعانى لأشياء بلا معنى أو علاقة .
الطبيعة ليست معنية أن تقدم لنا علاقات وقوانين وأنساق بل تلقى بأوراقها مبعثرة لنحتال ونبدع بإيجاد علاقات فنحن لا نعرف العيش فى العشوائية أى لا نستطيع تحمل اللامعنى واللاغاية فنخلق علاقات نظامية .

- دعونا نتكأ على قانون السببية والذى يحلو للجميع التعامل معه بحكم أنه تصورنا المنطقى للوجود المادى .. فأى ظاهرة ما لها سببها المادى وهذا السبب موجود بغض النظر أننا ندركه أو نجهله ..عندما ندرك سبب الظاهرة فهنا نحن نعتبره نظام لخضوعه لقانونه المادى القابل للرصد والتحقق بحيث أننا نطبقه ونستنتج مراحله المستقبلية وتكراره ودوراته , أما مالا نتوقع حدوثه وظهوره فهنا نحن نفتح أفواهنا ونقول صدفة مثلما كان إنساننا البدئى يفتح فاهه دوماً على كل ظاهرة نراها اليوم عادية وساذجة .

- يمكن فهم علاقتنا بالوجود والحياة وماهية القوانين والعلاقات التى نتعاطى بها بملاحظة علاقة الملاح بالنجوم فهو يكون علاقات إستدلالية مع النجوم ومنها يهتدى لطريقه , فالنجوم لم يتم رصها فى الفضاء لكى تدل الملاح على طريقه ولكن الملاح هو الذى كون علاقات إفتراضية لديه تجاه ظواهر مادية لينتج قانون وفقاً لما هو متاح وذو ثبات , ليتوهم البسطاء أن هناك من رص النجوم لتهدينا فى ملاحتنا .!

- ما أريد قوله أن المادة فى الوجود لا تخبأ سراً ونحن نكتشفه بل نحن من نخلق علاقات تكون سبيلنا لفهمها والتعاطى معها .. مشكلتنا فى فهم الوجود أن الأحجار التى ألقيناها بعشوائية فى الطريق من ألف إلى باء وإستدلالات الملاح بالنجوم إعتبرناها علاقات خارجة عنا تمنحنا النظام .

- نشرت فى مقال سابق صورة غريبة فى الغيوم كتلك الصورتين
http://vb.jro7i.net/storeimg/girls-top.net_1343879622_688.jpg
https://www.farfeshplus.com/pic_server/articles_images/2013/10/09/560_man.png
الصورتان فيهما تصوير لإنسان وسط الغيوم فهكذا جاء فى تصورى وتخيلى فهل هناك إنسان بالفعل فى الغيوم ؟! أم هناك من رسم وشكل هذه التشكيلات ليصدر رسالة لذهنى ؟! أم أن الأمور تمت بعشوائية تامة ورؤية ذهنية خاصة تصورتها وهذا يعنى أن النظام هو رؤية إنسانية مُنتقاة من الطبيعة فحسب يدخل فيها التصور والفكر والثقافة .!

- نحن ننشأ علاقات من إبداعنا فالأشياء ليست ذات علاقات واعية ولا تحمل لنا رسالة خاصة ليفتح الخلل فى تفكيرنا المجال للخرافة والأوهام بإيجاد علاقات متوهمة ليس لها أى علاقة بالوجود المادى .

- نحن فقط من نبحث عن علاقة ما بين الأشياء لنستطيع تقبل هذا العالم العبثى لنطلق عليه نظام ونخلق معه عالمنا الذى نعيشه , فالوجود هو هكذا ..عالم لا نهائى من النغمات والألحان والألوان الفوضوية العبثية بلا أى غاية , نحاول منها أن نخرج بحالة صغيرة تتوافق مع تكويننا العقلى والمزاجى نطلق عليها نظام , فما نخرج منه بعلاقات نراها مقبولة منظمة هو وليد لعالم إحتوى فى أحشاءه على مليارات العلاقات الغير المترابطة ولا المُنسجمة مع ذهننا ورؤيتنا .

- أى ظاهرة مادية يكون هناك قانون واحتمالية يحكم سلوكها وعندما نكتشف العلاقة التى تحكم الظاهرة فنعتبر هذا الأمر نظاماً فلا يثير إنتباهنا ولكن عندما نجهل القانون والمعادلة التى تصيغها فنحن نلجأ إلى الحل السهل وهو قول حكمة إلهية أو وجود صدفة كما كنا دائما نعزى كل جهل بمظاهر الطبيعة إلى فكرة الإله .. الصدفة لا تعني إنعدام المسببات ولكنها تعني الجهل بها وعدم معرفتها جميعا وعدم المقدرة على التحكم بجميع شروط المحاولة كذا عدم وجود إرادة واعية عاقلة ورائها .

- نحن نتاج عشوائية بحتة .. نحن حالة من مليارات الإحتمالات ولكن مشكلتنا أننا إمتلكنا الوعى الذى جعل ما نألفه نظام وما نستقبحه ونعجز عن فهمه فوضى .. نرى الدنيا بعيوننا فنجد أن النغمة الحلوة هى قمة النظام وننسى أنه يوجد مقابلها مليارات النغمات الأخرى التى نعتبرها نشاز .

- النظام فى الطبيعة ليس معناه وجود فعل وفاعل عاقل , فالنظام تقييمنا نحن للأشياء .. فالأشياء ليست منظمة أو غير منظمة فى ذاتها بل نحن من رصدنا علاقات لنقول عن هذه العلاقات منظمة , أى هى تقديرنا ورؤيتنا وإنطباعاتنا نحن .. مشكلتنا فى فهم الوجود هو تغافلنا أننا من قيمنا الأشياء ومنحناها معنى ونسبناها لمُنظم .. خطأنا الدائم هو الغفلة عن إدراك أننا من أوجدنا وأنتجنا العلاقات بين الأشياء لنتوهم أنها علاقات خاصة مستقلة عنا وهناك من أوحى بذلك وبث فيها العلاقة والغاية .. ولكن الاشياء بلا غايات ونحن من نضعها فى علاقات .. القانون المادى ليس خارج عن المادة بل هو توصيفنا لطبيعة المادة من خلال مراقبة العلاقات وايجاد صيغة .

- إن النظام والعشوائية معنى فقط في الوعي الانساني وبشروط الوعي الانساني كون الطبيعة لاتملك في جوهرها أي عشوائية أو نظام أساسا إنطلاقا من مبدأ الفعل ورد الفعل ضمن منظومة مترابطة واحدة ومثال ذلك نظرية تأثير الفراشة.. إن العشوائية مفهوم مجرد يعكس عدم قدرتنا على الاحاطة بالأسباب كمنظومة لرؤية رد الفعل مسبقاً , وبالتالي فالعشوائية هي معادلة رياضية تجريدية مجهولة لسد الثقب المعرفي لدى الانسان الواعي وليس الطبيعة .

- أن الحياة عشوائية نلجمها بنظام من تصوراتنا من اللامعنى إلي المعنى وهذا يعني أننا مسئولون بالمحافظة على حياتنا وتطورنا للوصول إلي المرحلة القادمة من التطور فى هذا الوجود الغامض ,التطور الذي هو سمة هذا الكون و ليس طريقة وجود المادة الحية فقط.

- النظام نسبي يخرج من رحم الفوضى الكونية بإسقاط إستدلالات إنسانية , فالنظام ماهو إلا جزء إستطعنا أن نوجد له علاقة من الفوضى الكبرى .. إذاً النظام جزء من فوضى نرتبها .

- ما يؤكد نظريتى هذه فكرة أسبقية المادة على الوعى وأن الوعى هو تأثير الوجود المادى على الإنسان لتشكل كل فكره وإنطباعاته وثقافته ووعيه وعليه تكون رؤيتنا للعشوائية والنظام هو درجة وعينا وملاحظاتنا وإنطباعاتنا الخاصة فقط , فلا وجود لماهية النظام والعشوائية , ولكن ليس بالضرورة أن يكون الاحساس والإنطباع ممثلاً للحقيقة فقد كنا نفهم سابقاً أن الارض مستوية والسماء بمثابة قبة والشمس هى التى تدور فى سقف القبة وكنا نرى هذا نظاماً أى أن النظام إنطباع فكرى محدد برؤية الانسان حتى ولو كانت قاصرة .

- النظام ليس معناه وجود مُنظم بالضرورة , فالنظام تقييمنا نحن للأشياء , فالأشياء ليست منظمة أو غير منظمة فى ذاتها بل نحن من نخلق علاقات لنقول هذه العلاقات منظمة , أى هى تقديرنا ورؤيتنا وإنطباعاتنا نحن .. مشكلتنا فى فهم الوجود أننا تغافلنا أننا من قيمنا الأشياء لننسبها لمُنظم .!

- من هنا فنحن لم نعد بحاجة لنظرية المصمم الذكي بالغ التعقيد مجهول الأصل والهوية , وهذا ما سأتناوله فى مقال لاحق , فالكون له طريقة خاصة في الوجود وله خط تطوري واضح ومراحل تطور لا خلاف عليها , فلم نعد محتاجين لتلفيق معنى للحياة عن طريق قصص خرافية لأن الحياة فعلا لها معاني صغيرة قريبة ومعاني كبيرة بعيدة نستطيع أن نحيا من أجلها جميعا لننتجها وأن نساهم عن طريق الإلتزام بتلك المعاني فى سبر أغوار لغز الحياة والوجود .

دمتم بخير وعذرا على الإطالة .
-"من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته " أمل الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع .