ناب كافكا -حلقة 9 وحلقة 10

هاله ابوليل
2017 / 12 / 3

9
وقفت أمام المرآة التي تنتصب مقابل باب الخروج لأتفقد شكلي النهائي وإن لم يعجبني منظر الشاربين الكثيفين الذين أحملهم فوق شفتي العليا
في الحقيقة , القميص نفسه - أنا غير راضي عن لونه
كان القميص باهتا
في الحقيقة المرة إن هذه رابع مرة أقف أمام الباب المفتوح وأحاول الخروج وفي كل مرة أدعي أني نسيت شيئا لكي لا أخرج , حتى عيناي (محبوبتي ) التي أفتقدها لم تكن لها قوة الشعور العظيم الذي بداخلي لدفعي خارجا .
لم يعجبني القميص ذو الياقة المختلفة و لا لونه ولا منظر شاربي ولا حتى لحظة إلتقاء العينان الذاهبتان في العشق .
هل أنا مغرم حقا , لا أعرف حقيقة مشاعري فكل ما أعرفه أن ذلك الشعور الجميل يدفعني للإبتسام ,
فهل يكفي ذلك لكي أقول إني وقعت في حب إمرأة لا تراني سوى مراجع لحوح و لا تبادلني شيء سوى إني مريض لديها , يزور عيادتها فقط من أجل تلميع أسنانه أو علاج نابه المكسور

تقول والدتي إنه يلزمني حب جديد كي أنسى
رغم أن كلمة النسيان فضفاضة , فهي مثل الحب ليست بمتناول يدك فقد تحب فتاة لا تبادلك نفس المشاعر هي غير مخطئة وغير مذنبة هي ليست مجبرة لتبادلك مشاعر لا تشعر بها
هل تريد الوهم أم تريد شراءه
لقد قيل دوما على المرء أن يتريث بأية علاقة حب بل عليه أن ينتظر لسنتين على الأقل ليعرف حقيقة مشاعره , فأن بقي هذا الكائن ساكنا بين الضلوع فذلك حب.
أما أن تبدد خلال أشهر أو حل محله حب آخر فذلك ما يسمى بالوهم .
وكثير من الناس يقعون بما يسمى بالوهم , فيعتقدون أن ذلك حبا وما هو إلا فراغ أو معايشة واقع مفروض .
أن تحب يعني أن تضع مشاعرك على المحك وتنتظر أن تفتت الأيام القادمة مشاعر الزهو والخيلاء التي إنتابتك لذلك المس الشيطاني وأن تضمحل الرغبات الجسدية بعد أشهر ليصبح المس الذي احتواك مسا ملائكيا مع بقاء ذروة تلك الرعشات المجهولة في إنتظار المجهول الذي تنتظره وإن لم يحدث شيء فإنك ستأخذ كل تلك الحزم من المشاعر والأمنيات والرعشات والخواطر إلى ركن هادىء من أركان ذاكرتك وستعصر عليها عصارة النسيان فتجمدها مثل لؤلؤة مختبئة في محارة قصية في أعماقك وتنسى مثل أي ذكرى ماضية .
وتعتقد بعد ذلك إنك شفيت وإنك تعيش حياتك مثل الآخرين
و قد تعتقد لسنوات إنك نسيت , شخص ما , موقف ما , لحظة مصيرية
وقفة تأملية , إحساس عابر, نزعة شخصية , دمعة متجمدة , تأمل شفيف لموقف – لحظة صادمة - كل ذلك .
تعتقد إنك دفنت كل ذلك في تجاعيد الذاكرة المهترئة و تمارس حياتك مثل أي شخص وتنسى كما كنت تعتقد إلا أن يأتي موقف مشابه - لحظة صادمة - طرق غير منتظم يفتح دهاليز ماض سحيق كنت قد أغلقت عليه بالقفل المصنوع من عظام العقل الواعي ولكنه يطل برأسه فجأة ليفاجئك بأن القبر الذي تضع فيه كل ضحايا مواقفك و صحائف حياتك و ذكريات أيامك و لحظات ضعفك وترددك و انتكاساتك و مخاوفك و لحظات هروبك ,
كلها تحتشد في تلك اللحظة لتطل برأسها وتقول لك :" هاأنا من جديد كنت أنتظر أن تستدعيني يا صديق.
نعم يا صديق
فرغم إنها مخاوفك ومشاكلك ولحظات نصرك وهزائمك إلآ أنها مواقف صادقتك وعاشت معك فأنت لن تمسح عنها صفة الصداقة
إنها مثل أي صديق صدوق بإمكانها أن تهبط فوق رأسك في أي لحظة وعليك أن تكون مستعدا صحيح أن ردود أفعالك لن تكون بنفس الرتم ونفس الوجع ولكن سوف يكون لها صدى- مهما كانت أصداءه
فهل نسيت يوم أصابتك حمى " يا رب فاطمة وزينب"
تلك العبارة التي أطلت برأسها على لسانك عندما خيّل لك ما يشبه حبيباتك تقطعان الشارع
إن عبارة يا رب فاطمة وزينب
كانت المنقذ لك من فقدان العقل والجنون , لقد كنت على شفا حفرة من الجنون ياعلي .
كنت تعرف مسبقا ما سوف تراه من فتات بشري منثور على جدران الملجأ
وكنت تهبط وأنت تحمل تلك الصورة الذهنية معك وتردد عبارة يا رب فاطمة وزينب وكأنك تطلب منهم أن يسامحوك فلو لم تجبرهم على الإختباء بالملجأ لما لقوا ذلك المصير الفادح المصير الغارق بالألم , فتات برميل الحياة الدائر الذي كنت تنتظره في صغرك ألم تكن تلعب لعبة البرميل من أجل ذلك اليوم .

تقول أمي كالعادة :" يلزمه حب جديد لكي ينسى .
كيف يتسنى لرجل مثلي امتلأ بالحب لزوجة رائعة كان يعشقها كل يوم مثل أول يوم قابلها ولطفلة حضر يوم ولادتها بل تلقفها بيديه وأخرجها من بطن أمها وهو الذي حملها من رجليها عند الصرخة الأولى وأذن في أذنها وهي ما تزال غارقة في ماء الخلاصة .
كيف يتسنى لرجل مثلي أن ينسى حبيباته !
النسيان يا أمي ليس قرارا شخصيا فهو مثل الحب الذي تعولين عليه لكي أنسى فكيف يستقيم أن يجتمع النقيضان
فالحب والنسيان , ليسا شيئا نتركه باختيارنا
فلم يكن الحب يوما اختيار إلآ إذا كان صفقة تجارية ,إنما الحب الحقيقي هو دوامة تلتف حولك وإعصار يجعلك تلتف حولك في لحظة خرافية حول شيء لا يد لك فيه فليس بيدك اختيار من تحب والنسيان مثله - ليس بإرادتك أن تقرر نسيان لحظة من لحظات حياتك الأليمة قد تتجاهلها وقد تختفي , ولكنها لن تمحى للأبد
ومع وجود فارق وحيد و هو الذي تعول عليه والدتي هو انه بالحب الجديد قد ينسيك مشاعر الحب القديم مؤقتا
له قوة واهية فيما تخفيه الذكريات مؤقتا ولكن حافظة النسيان مثقوبة الجيوب وبإمكانها أن تستدعي كل مخاوفك - ذكرياتك -احلامك - دموعك تسفحها أمامك بقسوة وتتركك تتأمل حياتك المنسية والحب الجديد ينظر لك ببلاهة .

كانت الساعة تشير إلى الرابعة تلك الساعة الكريهة التي تبدد حياتنا ونحن لم نستثمر منا شيئا
يا للهول
لقد أمضيت وقتا طويلا بتأمل حياتي وها أنا اخسر فرصة خروجي فبعد أن يصحو الناب لن استطيع الخروج مجددا
أخرجت رأسي من الباب , رأيت الممر الطويل وتراءى لي عشرات العيون تحدق بي
من العين السحرية
هذه العين اللئيمة - العين الثالثة التي تراقبك وأنت لا تعرف لماذا ومتى وكيف يحدث ذلك
وما الذي يدور برأسهم وهم يروك خارجا و لماذا ينتظرون عودتك .
هذا الإنسان الكريه الذي يحمل بداخله فضول وفضلات التعدي على الآخرين
يريد أن يعرف أين تذهب وماذا تأكل ومع من تتكلم وما الذي يزعجك و ما الذي يقلقك وما الذي يرضيك
هذا الكائن البشري الفضلاتي - الذي لا ينفك يرمي فضلاته على الآخرين ويرمي بفضوله المزعج حولك لكي يعرف تفاصيل جزئيات حياتك بحجة التواصل البشري
هذا الكائن الشقي لو يركن لعزلته لكي يريح ويستريح ألم يقل سارتر يوما " الجحيم هم الآخرون "
لأنهم لا يدعونك تعيش كما تتمنى بل كما يريدون هم , إنهم يخافون من كل ما لا يشبههم
هل فكرت يوما أن تحمل كتابا لتقرأه ووجدتهم يصرخون بوجهك لتركه
إنهم يحبون البلادة وتضييع الوقت والمساخر فكيف تأتي بكتاب لتقرأه لتزعجهم بمنظرك الكئيب .
هل أنت مجنون !
شعرت بكركبة من تلك التي كانت تفتعلها جارتي ياسمين التي أخذها زوجها بعيدا عني ولكني مازلت أشعر بروحها تسير في الممرات
للوهلة الأولى خيّل لي إنها عادت لبيتها وإنها قادمة لتستعيد زريعة الجهنمية
- إنه وجه ياسمين يحدق بي من العين السحرية اقسم بذلك ولكن ثمة وجه أطل من الباب المقابل
-
أنه جارنا المصري الذي يدعي إنه دكتور حصل على شهادته من جامعة بروسيا الشرقية والذي لا يستطيع التكلم بشيء مفهوم - مثل كثيرون يأتون بشهادات مزورة يحملون درجات علمية وهم لا يفقهون شيئا بل لا يستطيعون إقامة علاقة صداقة مع إيا كان إما لغرور مريض أو كبرياء زائف أو من باب الخجل .

كانت صلعته اللامعة تضيء الممر
وهو يقول : مرحبا جار , لم نعد نراك , هل كنت مسافرا

وجدتني أحدق بالفراغ , كان قد وقف أمامي مباشرة ووضع بؤبؤ عيناه في عيني
قال مكررا :"الحمد الله على سلامتك ,منذ متى عدت من السفر
بغداد من أجمل دول العالم ,لقد زرتها في الثمانينات
لقد كانت صور صدام حسين تملأ الشوارع رحمة الله عليه كان بطل
لقد أكلت تمرا من على النخلة ههههه أنت تعرف حماقة الصبيان لقد قطفتها بيداي تلك وكان مرسوما عليها صورة صدام
اقسم انه نبي الله ولذلك صلبوه
رفع جاري الثرثار صليبه وقال اقسم انه مسيح العصر
لقد ذبحوه في عيد الأضحى –هؤلاء الخونة الإيرانيين مع الكلب بوش الأحمق
لقد ضحوا به في عيد اضحاكم
هل انت بخير يا جار,لماذا لا تتكلم
بالمناسبة , لقد رأينا رجلا أصلعا يدخل لبيتك واعتقدنا انه لص
وبلغنا الشرطة عنه ,حتى انه يلبس ملابسك

كنت أهز راسي ولساني لا يقوى على الكلام بالحقيقة
كان الجار يريد أن يتحدث ولا يريد إجابة مثل الكثيرون في هذه البلاد
و كنت أخشى أن يرى أسناني المفقودة و يقول لي أين ذهبت أسنانك!
كان جارنا الثرثار يحدق بوجهي ويقول : هل أنت بخير يا جار
عليك أن تذهب للطبيب
لقد ضعف وجهك للغاية
قلت برأسي ما معناه انه صادق و أشرت لفمي لكي يعرف إنني لا أتكلم
دحش جارنا جسده المتين في المصعد القديم , وأغلق الباب وهو يلوح لي بيده
كانت يده مقبوضة وهو يلّوح لي بيده , وشعرت بأنه يهددني
أغلقت الباب مجددا وأنا اعرف أن ثمة آذان كانت تتسمع و عيون تراقب من العيون السحرية الخبيثة
نظرت لوجهي في المرآة مجددا كان وزني قد خف و وجهي قد نحف
دخلت إلى الغرفة وأنا أقول لأمي , فقاطعتني ألم تذهب بعد
يقول جارنا إنني نحفت
نزلت أمي بسرعة هذه المرة من اللوحة , وتحسست ملامحي
وهي تقول : نعم يبدو انك نحفت , فأنت لا تأكل وأخرجت تفاحة
فضحكنا جميعا
لقد تذكرنا قصة ماري أنطوانيت
وسمعتهم يتجادلون حول احتمالية أن تكون مقاس رجليها 35 أو 36
وتعجبت من هذه العائلة العجيبة الذي يهمها معرفة قياس قدم عزيزتنا ماري التي ماتت في القرن الماضي


همست أمي في أذني :" هيا اذهب يا بني للطبيبة فأنت مغرم بها
ألا تشعر باشتياق لرؤيتها , ما بك
تحججت بالقميص الباهت و المجعلك
فتبرعت مشكورة بكوي القميص , على أن لا أفوّت هذه اللحظة المتاحة للهرب من سجني وسجاني .
انهمكت والدتي بالعمل الذي تحبه وأنا فتحت باب الغرفة لأجد الناب مازال يغط في سبات عميق , كان يصيح :" لم أفعل شيئا لكم فلما تضربوني
وخاصة إن جارنا المصري قال إنهم أبلغوا الشرطة عنه
وعرفت انه تلقى ضربات موجعة
تلك الدمعة التي نزلت من مقلتي ساخنة , لم استطع إيقافها , وهو الذي كان عدوي قبل أيام وها أنا أشفق عليه بل و نزلت دمعة , مسحتها بطرف ثوبي . وأقسم أن ذلك أشعرني براحة غريبة , فليس من السهل أن تكون إنسانيا وتستدعي الحزن بسرعة مثل ممثل موفور الموهبة . حسنا يبدو أن الناب لن يستيقظ ليروي ما حدث له سأذهب لأصنع قهوتي .




10

على ما يبدو أن هذه القصة لن تنتهي
وقفت فوق رأسه لكي أراقب نومه كانت أحدى رجليه ما تزال على ارض الغرفة
صحيح أن شخير الناب قد خف بعد نوم 27 ساعة بالتمام والكمال , وليعذرني القارىء لأني كنت دقيقا في حساب ساعات نومه, فمثل هذه الإحداث لا يمكن تركها للصدفة
تخيل معي ناب مصاب بالعرج و مضروب حد الوجع و طيلة الليل يتأوه من فرط الألم , حتى إني في لحظة روحانية و سلام داخلي أشفقت عليه و أحضرت له شرشفا قديما غطيته به على عجل لكي لا يراني في حال فتح إحدى عينيه , وأن لم يعجب ذلك أمي , فتركت المكواة على القميص حتى إنها تعثرت برجل الناب الذي كان يبدو غارقا في سباته العميق ورفعت قدمه إلى السرير بعد أن خلعت حذاءه ثم مدت يدها للخزانة هي تخرج لحافا جديدا قائلة : "عليك أن تقدم أفضل ما لديك لضيوفك , حتى لو كنت تكرههم " .
مما زاد من إعجابي من حصافة وحكمة هذه السيدة التي لم تنهي الصف السادس الإبتدائي في ذلك الزمان . بل وعلمتني درسا في الأخلاق كنت أفتقده , وإن وذهب بي ذلك لذكرى بعيدة وتحديدا في زمن مراهقتي ,حيث قامت والدة صديقي يوسف في إحدى المرات التي لجأت فيها لبيتهم في وقت متأخر ,لأن أبي كان في يحرم علينا التأخر لما بعد منتصف الليل ولو بدقيقة , لذا أقترح علي يوسف أن أنام في منزلهم في ذلك اليوم .
وجاءت والدته وهي تحمل لحافين أحدهم جديد ونظيف والآخر مهترأ و قديم , وكنت أعتقد إنها ستمنحني اللحاف النظيف بإعتباري ضيف مرحب به , لأفاجأ بأن حصتي اللحاف ذو الرائحة المعتقة بالغبار القديم . مما جعلني أنتبه لمقصدها من ذلك بحيث كنت في داخل اللحاف أشتم حالي لقبولي بمثل هذا الوضع المزري
حتى أن والدتي لم تتركني بحالي فجاءت لي في الحلم وهي تقول :" من ترك داره قل مقداره "
فعلى ما يبدو أن والدة يوسف السيدة العراقية الماجدة لم تكن راغبة بإعادة زيارتي ونومي في بيتهم لمرة أخرى فارتأت تأديبي بطريقتها التي لن أنساها أبدا وهذا ما حدث فعلا , فرائحة اللحاف كانت قاتلة .
كانت والدتي تضع يديها على فمها وهي تشتم رائحة حريق القميص , مما جعلني افرح مؤقتا فلم أكن مستعدا بعد لمقابلة الناس في الخارج - رغم دقات قلبي المشتاقة لرؤية حدقتي من أحب .

دخلت والدتي وبفورة الغضب أمسكتني من ذراعي وهي تهزني
تقول : عليك أن تواجه مخاوفك
لا يمكنك إغماض عينيك عن حقيقة إنك راغب في سجنك
أنت تتحاشى الناس ولا تريد رؤيتهم وهذا يدمرك يا ولدي فالجنة من غير ناس ما بتنداس
كنت أريد أن اخرج من مأزقي لذا فقد صرخت عليها أن تتركني وشاني
كانت يداي أمي قد ذهبتا للخزانة وهي تبحث عن قميص آخر
وأخرجته وهي تقول يا الهي أن رائحتها عالقة به - لقد كان ذلك القميص الذين أودعتهم صدري قبل أن يحترقوا بنار قذائف بوش الملعون .
شعرت بالدموع تترقرق من عيناي فقد لبست القميص لمدة خمس سنوات يوميا حتى أخفته أمي وهاهو يظهر بنفس الرائحة
نعم رائحتهم عالقة به !
أمسكت أمي القميص وذهبت إلى الحمام وأغرقته بالماء لتبدد الرائحة القديمة .
كنت ما أزال أراقب الناب
كنت أريد أن يصحو ويحبسني مجددا
ولكنه غارق بالنوم
فماذا أفعل لكي أنجو من إصرار والدتي للخروج من البيت .
قلت لأمي وأنا أراها تجفف القميص لقد تأخرت ,لا بد أن الطبيبة غادرت العيادة الآن ,

ولكنها لم تقل شيئا كانت منهمكة بعملها وسمعتهم ما يزالون يثرثرون عن الثورة الفرنسية
كان رياض يقول لأختنا التي لا تترك يداها مغزل الصوف .

ألا يذكرك نوم هذا الناب بحالة الطوارىء التي كنا نعيشها عندما يعود والدنا
من الثكنة تعبا فينام لليلتين ونصف مما يجبرنا على الهمس طيلة تلك الفترة - حتى يستيقظ
كنا نخاف أن نقع تحت يديه في حال استيقظ على أصواتنا
يسال عمر رياض قائلا / هل تتذكر صحيفة العقوبات التي كان يعلقها أبي على باب الثلاجة

وهل منا من ينساها
اعتقد إنها سبع فلقات
ردت اختنا التي تغزل الصوف :" بل أربعة فقط
واشتد اللغط فيما بينهم حتى قال رياض عبارته اللئيمة

لقد كان والدنا يعاملنا كأعداءه الإيرانيين

جحره أبي بنظرة تأنيب ورفع حاجبه وكأنه يذكره ببلايا الأيام الخوالي
قائلا : كنا نحارب الإيرانيين ليس كونهم أعداءنا بل لأن واجب الجندي أن يقاتل من يقاتله
الجندية شرف , وقد تقاتل أباك أو أخاك أو قريبك من أجل الشرف
لم يكن أعداءنا شعوب المنطقة بل كان عدونا هو الغرور و الصلافة و فرض القوة بغير حق كنا نحارب النظام المستبد المتعالي المغرور الذي كان يريد لنا الخنوع والسيطرة وفرض النفوذ بالقوة والغطرسة - إنها حروب مراكز القوى وبسط الهيمنة يا ولدي
وان كان الشعب المسكين هو دوما وقود للمحارق
فالحروب يا ولدي يفتعلها الساسة والرؤساء ويقتل فيها الفقراء والأبرياء
يفتعلونها لغرض في نفس يعقوب ويحمون أولادهم بتسفيرهم للخارج ويرمون بأولاد الشعب في المقدمة لكي يموتوا وهم يخدرونهم بما سوف يحملون
إنه صك الشهادة ومنزلة الشهداء .
قالت أمي :بالمناسبة ماهي أخبار صديقك أكبر ,كانت والدتي تطل من باب الحمام حيث تعصر القميص من بقايا الذاكرة العابقة منه
هز والدي رأسه بتأثر
لقد كان " اكبر" صديقي الإيراني هل تذكرونه - من أفضل أصدقاء العمر وكنت أبيع له السجاد الإيراني المشغول بهدب العينين في أسواق بغداد, لقد قتل المسكين بلغم منسي على الحدود , لقد قتله - حاكمه المغرور يابني .
لم تكن الحروب يوما حروب الشعوب إنها حروب الكراسي والمناصب والرئاسة وفرض الطاعة
والغريب أن الشعب يمنح هؤلاء المجانين –مريضي العقول ذوي النزعات السادية يمنحهم القبول , فيوغلون بقتلنا
بربكم هل كان ترومان صحيح نفسيا عندما أجرى اختبار لقنبلتهم النووية على شعب اليابان في هيروشيما وناجازاكي
هذا الأعمى كيف تسنى له ذلك
لا بل إنه يصرح قائلا :" كنت أعرف ما افعله عندما توقفت الحرب .. لا اشعر بأي ألم وتحت نفس الظروف ,كنت أود أن افعلها مرة أخرى .
هذا ما يسمى بالمرض الملعون - فقدان الشعور الإنساني , حتى إنه لا يشعر المجرم بتأنيب الضمير
هذا هي الحياة التي نتحدث عنها
فهي كالمريض السادي الذي يتلذذ برؤية ضحاياه وهي تتعذب
وهي السم
وهي الترياق