كيف وجدت قضية المرأة ؟

ارام محاميد
2017 / 12 / 2

حق الأم

يبدأ الباحثون والمحللون في حديثهم عن قضية المرأة في التاريخ دائما بدراسة حق الأم كخطوة اولى, أما نحن فسنبدأ بالفترة ما قبل حق الأم وهي ما سنسميها بفترة "ما قبل الحقوق" بشكل مختصر لأن النقاش حول تلك الفترة هي استنتاج فلسفي سنستعمله كمقدمة بسيطة لموضوع كبير وشيق, فترة ما قبل الحقوق هي الفترة التي نعني فيها بدايات الجنس البشري ولكن ما سيبقى صعبا وربما مستحيلا علينا هو أن نحدد تلك السنوات بشكل دقيق بسبب أن أجدادنا لم يصلوا الى درجة من الوعي تكفيهم ليدونوا ويوثقوا تاريخهم كما نفعل نحن بشتى الطرق ان كان عن طريق المذكرات أو أجهزة التواصل الحديثة أو الكتب, ترك لنا أجدادنا مهمة اكتشاف تاريخهم وتحليله لكي نكتشف أنفسنا وفي قضية المرأة أيضا علينا أن نعود الى أجدادنا وفل نقل أن اجدادنا في بداياتهم لم تتمأسس لديهم أي حقوق


قبل أن نبين لماذا نقول أن أجدادنا لم يعرفوا الحقوق في بدايتهم علينا أن نشرع في تعريف "الحق" والتفصيل في تعريفه: يـلزم التأكيد بداية على أن " الحق " لا يعـرف إلا إذا عرف نقيضـه " اللاحق " بوجوهه المتعددة المعروفة ـ الباطل ، الجور ، الظلم ، العسف ، القمع ...ألخ وحين يتعذر معرفة أحد النقيضين تنتفي في الحال معرفة الآخر ، وبانتفاء أحدهما ينتفي الآخر . ففي الحياة الوحشية ينتفي " الحق " و " اللاحق " على الإطلاق إذ لا يمكن وصف افتراس الذئب للحمل بالعمل التعسفي أو بالطغيان طالما أن مثل هذا الافتراس هو الوسيلة الوحيدة لإحقاق حق الذئب غير المشكوك فيه بالحياة وبالبقاء وعدم الإنقراض . أما الحق القائل بحدود " لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم " فهو حق غير ثابت على محور الحق/اللاحق إلا إذا دلت على حدوده دالة خارجة عن هذا المحور ولا تنطلق من أي من طرفية ، حق الذئب من طرف وحق الحمل من طرف آخر ، بل من طرف ثالث غريب عن كل من الذئـاب ومن الخراف . وبغياب تلك الدالة وهي تعسفية بكل المقاييس طالما أنها تغيب تغييبا تاما ونهائيا حقوق الذئاب كما حقوق الخراف فمن العبث الحديث عن أية حقوق . لهذا تدجّن الخروف ليلغي حق الذئب بافتراسه ويلغي بذات الوقت حقه هو بالعيش في القفار حيث تعيش الذئاب وبذلك انفك الرباط الحقوقي بين الذئاب والأغنام انفكاكا تاما بامكاننا أن نحصر فترة ما قبل الحقوق في فترة تنقل الانسان ما بين الكهوف والوديان والغابات نظرا لأن وسيلة بقائه حيا هي ما تنتجه الطبيعة فقد كان الانسان يعتاش على قطف الثمار وقتل الحيوانات المفترسة في الطبيعة وفي تلك الفترة لم يتوفر نقيض الحق "اللاحق" ولم يستقر الانسان حتى يضع لنفسه نظاما اجتماعيا معينا يسير وفقه حتى تتمأسس الحقوق فضلا من أن يتمأسس "حق الأم" وهذا ما بامكاننا أن نستنتجه من علماء الانثروبولوجي بمنتهى البساطة فمثلا يذكر ديزموند موريس في دراسته بعنوان القرد العاري :


"عندما اعترضت أسلافنا بيئة جديدة جابهوا الاحتمالين التاليين : كان عليهم اما أن يصبحوا قتلة أفضل مما سبقهم من أكله اللحوم في القديم أو أن يصبحوا نباتيين أفضل مما سبقهم من الحيوانات النباتية القديم- أي بمعنى اخر كان النجاح حليفهم في كلتا الحالتين ان عمر الزراعة ليس سوى نحو من الاف السنين على الرغم من أننا الان نتحدث عن ملايين السنين لقد كان استغلال الحياة النباتية في الأماكن المفتوحة أمرا خارج نطاق قدرة اسلافنا الى أن جاء تطور التقنية الزراعية العصرية لقد كان ينقصهم الجهاز الهضمي الضروري لالتهام ما تجود به الأرض الزراعية ولم تكن واجباتهم سوى ما يحصلون عليه من جذور النباتات على مستوى الأرض وكانت امكاناتهم محدودة فقد كانوا بدلا من الوصول الى أعلى الشجرة للحصول على فاكهة طازجة يكتفون بحفر وخدش في التربة الصلبة للحصول على طعامهم وهم يقاسون الأمرين
لم تكن وجبات الفرد في الغابة كلها من الفواكه وأنواع الجوز اذ لا ريب أن حاجته الى البروتين الحيواني كانت عظيمة ويجب ألا ننسى أنه ينحدر من سلالة اكلة الحشرات كما وأن موطنه القديم (الغابة) كان غنيا بالحشرات وكانت وجباته تتألف من صغار الحيوانات والبيض والبق والضفادع والزواحف" (القرد العاري ص 15)



بامكاننا أن ندرج مرحلة "اللا حقوق" ضمن الطور الأول من الوحشية “حيث كان الناس لا يزالون بعد في أماكن إقامتهم الأولية، في الغابات الاستوائية أو شبه الاستوائية. كانوا يعيشون، على الأقل جزئياً، على الأشجار ، و بهذا وحده يمكن تفسير بقائهم بين وحوش كاسرة كبيرة. و كانت الثمار و الجوز و الجذور غذاءهم. و الإنجاز الرئيسي في هذه المرحلة هو نشوء النطق. و من بين جميع الشعوب التي أصبحت معروفة في المرحلة التاريخية، لم يبق أي منها في هذه الحالة البدائية. و رغم أن هذه الحلة استمرت، أغلب الظن، الآلاف و الآلاف من السنين، إلا أننا لا نستطيع أن نثبت وجودها بأدلة مباشرة ، و لكنننا إذ نعترف بنشوء الإنسان من مملكة الحيوان، لا بدّ لنا أن نفترض و نقبل هذه الحالة الانتقالية.” (انجلز)

بما أننا نناقش مفهوم ما قبل "الحق" نقاشا فلسفيا كون هكذا مصطلح لا أعتقد أنه ادرج من قبل فسنكمل بما بدئناه, الحق لم يظهر الا بسببق الملكية وبعدم وجود ملكية لا يكون هناك أي حق ومقدار الحق يعرف بمقدار نقيضه "اللاحق" واضافة لذلك حتى لا يستشكل علينا بهذه النقطة فاننا نضيف الى الملكية أيضا الاستقرار فبقرائتنا للتاريخ وبتحليل الفقرة التي اقتبسناها نستنتج أن "الحق" لم ينتج الا مع وجود الملكية واستقرار الجنس البشري وتركه لحياة الترحال, ولكي نخلص بنتيجة معينة نقول أن مرحلة ما قبل الحقوق هي المرحلة التي لم يكن للانسان أي دخل بعملية الانتاج بل كان يأخذ غذائه مباشرة مما تنتجه الطبيعة بدون أن يتدخل في عملية الانتاج ويلعب فيها دورا, ولكي نبسط الأمور أكثر بالرغم من كونها تبدوا معقدة سنعطي مثالا لشخص عاش بدون حق وبدون لاحق : "روبنسون كروزو مثلا الذي شكل مجتمع الفرد الواحد في جزيرته النائية لم يكن بحاجة لفهم الحق واللاحق ولم يرد في قاموسه حق التملك بالرغم من كل انهماكه الإبداعي في حقل الإنتاج وقد بلغ تقسيم العمل فيه حد الكمال"

كان أول حق ظهر في التاريخ هو "حق الأم" أو سلطة المرأة في المجتمعات ومكتشف هذا الموضوع هو الألماني باخوفين الذي سطره في مؤلف ضخم قوامه 1200 صفحة تحت عنوان "حق الأم" وهنا سننقل وجهات نظر باخوفن التي لخصها السيد ابراهيم الحيدري مشكورا في كتابه “النظام الأبوي واشكالية الجنس عند العرب”

اعتمد باخوفن في دراسته على الأساطير والرموز القديمة وبصورة خاصة أسطورة ايزيس وأوزوريس المصرية, أحد أهم الاكتشافات في كتاب باخوفن هي : أن في المجتمعات القديمة بالرغم من تفوق الرجل جسديا على المرأة فذلك لم يشكل فارقا في حينها وتحلت المرأة بمكانة دينية واجتماعية عالية وانتزعت دفة القيادة من الرجل في المجتمع والأسرة كما ولم تعرف المجتمعات القديمة أي حياة زوجية منظمة بل عرفت "الاباحية الجنسية" وتعدد الأزواج وكان الأطفال ينسبون الى أمهم وليس الى أبيهم وهذا أمر بديهي لصعوبة معرفة الأب وبحسب باخوفن فان "مبدأ الخصوبة في الأرض هو نفسه مبدأ الخصوبة عند المرأة" وتطور سلطة المرأة هو حق طبيعي لها

قسم باخوفن التطور التاريخي للمجتمعات الانسانية الى ثلاث مراحل من الصراع الجنسي حول السلطة :

(1) مرحلة الفوضى :تمثل هذه المرحلة بالنسبة لباخوفن قمة السلطة عند المرأة عندما كانت العلاقات الجنسية غير منظمة أو كما أسماها ب"الفوضى" حيث بلغت قوة المرأة ذروتها ولم يكن الرجل أكثر من قضيب بل وكان الرجال عبارة عن نكرات لا أسماء لهم


(2) مرحلة سلطة الأم الروحية : هي المرحلة التي تم فيها تنظيم العلاقات الجنسية في شكل زواج ثنائي ند "الفوضى" أو "الاباحية الجنسية" وفي هذه المرحلة بحسب باخوفن تنحصر سلطة الأم داخل العائلة والزواج بعكس المرحلة السابقة التي كانت فيها سلطة المرأة عبارة عن سلطة مطلقة في كافة مجالات الحياة


(3) مرحلة سلطة الأب الفكرية : هي مرحلة سلطة الأب والانتساب اليه وقد ظهرت هذه المرحلة باكتشاف الزراعة وهي ثورة الانسان الاولى على الطبيعة

تجدر الاشارة أن باخوفن كان انسانا متدينا للغاية وبالرغم من أفقه الواسعة كان يرى في الدين أصل كل شيء والعماد الرئيسي للمجتمعات والانسانية وقد نسب كل مرحلة من المراحل الثلاثة المذكورة أعلاه الى سبب ديني معين فعندما تحدث عن مرحلة الفوضى قال "أن الدين القديم هو الذي أعطى للمرأة تلك المكانة الاجتماعية" وعندما تحدث عن المرحلة الثانية اعتبر تلك أن تلك المرحلة قد ارتبطت بنظام ديني كان قد حدد العلاقات الجنسية بين الرجال والنساء ومثل مرحلة "حق الأم الروحية" حيث تنسحب قوة الرجل الخالقة الى القمر والقمر يقف بين الاثنين بين منطقة المادة ومنطقة الفكر وبين جسم المادة النقي وغير النقي بين الشمس والأرض وعندما وصل للثالثة استطرد قائلا : "وابنتصار النور على الظلمة والفكر على المادة استطاع الانسان رفع نفسه من أعماق الوحل والوجود الحيواني وأن يصل الى هدفه وهو القضاء على مرحلة الدين القديمة وتأسيس حضارة جديدة وعالية وبانتصار نظام الأبوة وانهيار نظام "الاباحية الجنسية" كان خلاص الانسانية

بعكس باخوفن فاننا نعتبر أن الدين ليس الا انعكاسا للحالة الاجتماعية كما الأسرة انعكس للمجتمع ,يقسم علماء الانثروبولجي التاريخ القديم الى اثنين : باليوليثي ونيوليثي (العصر الحجري الأول والثاني) وأبرز الروابط لتلك المرحلتين كانت التماثيل الصغيرة الانثوية التي برز في المجتمعات النيوليثية من خلال ظهورها في الفترة التاريخية للسجلات المكتوبة وهي تمثل الربة فمنحوتات الثقافات الباليوليثية والمراحل النيوليثية تجعلنا نلاحظ أن الأشكال الباليوليثية تشبه شبها كبيرا الأم أو الربة الأرض لدى الشعوب الزراعية الأورواسيوية في العصر النيوليثي ولا بد أن تكون أسلافا لها كما تلاحظ مارلين ستون في كتابها “يوم كان الرب أنثى” تتحدث مارلين ستون عن تلك المجتمعات التي تمركزت في الأساس في فلسطين والأناضول والعراق فتقول : "في أريحا صنعوا بدقة أشكالا طينية لنموذج الربة الأم" (ص 43) وفي شمال العراق وجدت تماثيل صغيرة من الطين لحيوانات وكذلك للربة الأم" (نفس المصدر) وكذلك في الأناضول 6000 عام قبل المسيح وفي 4000 قبل الميلاد ظهرت أشكال الربة في اور واوروك وكلتهما تقعان على الطرف الجنوبي لنهر الفرات وفي نفس الفترة ظهرت في مصر حضارات البادارية والعمارتية التي اكتشف فيها أيضا تماثيل صغيرة للربة
وهنا علينا أن نعود الى تحليل ما نقرأ كي لا نكون وراقين وببغاوات فمن خلال ما اقتبسناه من باخوفين ومن مارلين ستون في ما نكتب نستنتج الاتي أن المجتمعات الاولى كانت الهتها نساء ودفة القيادة فقط للمرأة في مرحلة “الفوضى” كما يسميها باخوفين أما الأسباب الحقيقة وراء ذلك فهي ما سنحلله الان بعيدا عن مستنقع المثالية الذي وقع فيه باخوفين عن طريف ارجاء كل شيء الى الدين, يفتقد أصحابنا في تحليلهم الى معرفة أن سيد الانتاج هو سيد الايودولجيا وبالتالي سيد المجتمع وبالتالي سيد كل شيء وفي المجتمعات الاولى اقتصر الانتاج على انتاج الحياة لا أكثر فالانسان بدأ طفولته في مجموعات غير منتجة تسكن الكهوف وتتغذى على التقاط الحبوب وعلى الفرائس. في تلك العصور التي امتدت لملايين السنين كانت المرأة هي من ينتج الحياة من خلال التناسل دون إدراك أي دور للذكور في هذا الإنتاج، إذ لم يكن الرجل يعمل في الإنتاج على الإطلاق فالطبيعة هي التي كانت توفر الغذاء والكساء والإيواء للإنسان أي أن المرأة في تلك العصور “الفوضى” كانت سيدة الانتاج ما جعلها سيدة كل شيء لا ينازعها أحد في سلطانها أما الرجل فكان نكرة في حينها

وكي نعطي صورة عن المجتمع الذي سادت فيه سلطة المرأة لا نملك الا أن نعود الى من درسوه وأسهبوا في الشرح عنه ومن أحب دارسي الموضوع على قلبي هو الأستاذ فراس السواح الذي يتحدث عن ذلك المجتمع في كتابه (لغز عشتار) ويسرد كيف كانت الحياة فيه, فيقول :

مكانتها الاجتماعية :"ان التجمع الانساني الأول لم يؤسس بقيادة الرجل المحارب الصياد بل تبلور تلقائيا حول الأم التي شدت عواطفها وحدبها ورعايتها, الأبناء حولها في أول وحدة انسانية متكاتفة هي العائلة الأمومية خلية المجتمع الأمومي الأكبر ذلك أن عاطفة الأم نحو أولادها وعاطفة الأولاد نحو أمهم هي العاطفة الأصلية الوحيدة....في المجتمع الأمومي أسلم الرجل قياده للمرأة لا لتفوقها الجسدي بل لتقدير أصيل وعميق لخصائصها الانسانية وقواها الروحية وقدراتها الخالقة وايقاع جسدها المتوافق مع ايقاع الطبيعة فاضافة الى عجائب جسدها الذي بدا للانسان القديم مرتبطا بالقدرة الالهية كانت بشفافية روحها أقدر على التوسط بين عالم البشر وعالم الالهة فكانت الكاهنة الاولى والعرافة والساحرة"


مكانتها الاقتصادية : "ولقد عزز الدور الاقتصادي للمرأة مكانتها هذه فلقد كانت بحق المنتج الأول في الجماعة لكونها المسؤولة الاولى عن حياة الأطفال وتأمين سبل العيش لهم. كانت المرأة مسؤولة عن تحضير جلود الحيوانات وتحويلها الى ملابس ومفارض وأغطية وكانت النساجة الاولى والخياطة وأول من صنع الأواني الفخارية وبسبب قضائها وقتا طويلا في البحث عن الجذور والأعشاب الصالحة للأكل تعلمت خصائص الأعشاب السحرية في شفاء الأمراض فكانت الطبيبة الاولى وكانت من يبني البيت ويصنع أثاثه وكانت تاجرة تقايض بمنتجاتها بمنتجات الاخرين


العلاقات في ظل سلطة المرأة : "فاضت طبائع المرأة وصفاتها لتصبغ حياة الجماعة وقيمها وعلاقاتها ونظمها وجمالياتها فحب المرأة لأطفالها هو العاطفة التي ميزت علاقتها بالمحيط الأوسع وهو النموذج الأساسي للعلاقت السائدة بين أفراد ينظرون لبعضهم على أنهم اخوة في أسرة كبيرة تتسع لتشمل المجتمع الأمومي صغيرا كان أم كبيرا ومعاملة المرأة لأطفالها دون تمييز قائم على خصائص معينة أو قدرات وقابليات ومنجزات هي التي أسست لروح العدالة والمساواة الاجتماعية القائمة في الجماعة الأمومية"

من أجل أن نستطيع تتبع حق الأم وعلاقات الجنسين ومكانة المرأة في المجتمع علينا أن ندرس العائلة وتطورها كون العائلة هي انعكاس للمجتمع والمجتمع انعكاس للعائلة, وليس هنالك أفضل من انجلز يحدثنا عن تاريخ الزواج والعائلة

- انجلز والعائلة :

"إن العائلة عنصر نشيط، فعال. فهي لا تبقى أبداً كما هي عليه بدون أي تغيير، بل تنتقل من شكل أدنى إلى شكل أعلى بقدر ما يتطور المجتمع من درجة دنيا إلى درجة عليا. أما أنظمة القرابة، فهي ، على العكس، خاملة، غير نشيطة. و هي لا تسجل، إلا بعد مرور حقبات طويلة من الزمن، ذلك التقدم الذي تحققه العائلة في خلال هذه الحقبات، و لا تطرأ عليها أي تغيرات جذرية إلا عندما تكون العائلة قد تغيرت بصورة جذرية


عائلة قربى الدم- الطور الأول من العائلة : "إن جميع الجدود و الجدات في نطاق العائلة هم أزواج و زوجات فيما بينهم، شأنهم شأن أولادهم، أي الآباء و الأمهات، و على النحو نفسه، يشكل أولاد الأخيرين الحلقة الثالثة من الأزواج المشتركين، و يشكل أولادهم، أي أولاد أحفاد الأولين الحلقة الرابعة. و في هذا الشكل من العائلة، لا تنتفي الحقوق و الواجبات الزوجية المتبادلة (إذا تكلمنا بغلة عصرنا) إلا بين الأسلاف و الأخلاف، بين الآباء و الأولاد. أما الأخوة و الأخوات من الدرجة الأولى و الثانية و الثالثة و ما يليها، فإنهم جميعاً أخوة و أخوات فيما بينهم، و هم لهذا السبب بالذات أزواج و زوجات فيما بينهم. و في هذا الطور من العائلة تشمل علاقة القربى بين الأخ و الأخت العلاقة الجنسية فيما بينهما كشيء بديهي.*[1] ولذا يتألف الشكل المثالي لهذه العائلة من ذرية زوج واحد (رجل و امرأة) يكون الجميع فيها في كل جيل من الأجيال المتعاقبة أخوة و أخوات فيما بينهم، و بالتالي أزواج و زوجات فيما بينهم.

العائلة البونالوانية

إذا كانت الخطوة التقدمية الأولى في تنظيم العائلة قد تلخصت في تحريم العلاقة الجنسية بين الآباء و الأولاد، فقد تلخصت الخطوة الثانية في تحريم العلاقة الجنسية بين الأخوة و الأخوات. و قد كانت هذه الخطوة، نظراً للقدر الأكبر من المساواة في العمر بين ذوي العلاقة، أهم من الأولى بما لا حد له، و لكنها كانت أيضاً أصعب منها. فهي لم تتحقق دفعة واحدة، بل تدريجياً، بادئة، حسب كل احتمال، من تحريم العلاقة الجنسية بين الأخوة و الأخوات الأخياف (أي من ناحية الأم فقط)، و قد شمل هذا التحريم أولاً حالات منفردة ثم أصبح تدريجياً قاعدة (و في جزر هاواي، كانت لا تزال هناك شواذات على القاعدة في قرننا)، و انتهى بتحريم الزواج حتى في خطوط القربى المنحرفة، أي، حسب تعابيرنا الحالية، بتحريمه بين أولاد و أحفاد و أولاد أحفاد الأخوة و الأخوات. و هذا التقدم كان، برأي مورغان، "مثالاً بيانياً ممتازاً على الطريقة التي يسري بها مفعول مبدأ الاصطفاء الطبيعي" (




العائلة الثنائية" : لا يسمي أولاده بالذات و حسب بأبنائه و بناته، بل أيضاً أولاد أخوته، و هؤلاء يسمونه بوالدهم. أما أولاد أخواته، فيسميهم بأبناء و بنات أخواته، و هؤلاء يسمونه بخالهم. و على العكس تسمي الإيروكوية أولاد أخواتها، مثل أولادها بالذات، بأبنائها و بناتها، و أولاد أخواتها يسمونها بأمهم. أما أولاد أخوتها، فتسميهم بأبناء و بنات أخوتها، و تسمى هي عمة. و أولاد الأخوة يسمون بعضهم بعضاً بالأخوة و الأخوات، شأنهم شأن أولاد الأخوات. و على العكس، يسمي أولاد المرأة و أولاد أخيها بعضهم بعضاً " بالأخوة و الأخوات من المرتبة الثانية" (أي بأبناء و بنات الخال و العمة) نظام القرابة في جزر (هاواي) : جميع أولاد الأخوة و الأخوات بلا استثناء يعتبرون هناك أخوة و أخوات و أولاد مشتركين لا لأمهم و أخواتها و حسب








يمضي انجلز في كلامه حول العلاقات الجنسية في المجتمعات البدائية ويقوم بعرض وجهات نظر علمية خاصة بزمانه منها من يؤيد وجود علاقات منظمة وأخرى ينفيها تبعا لتطور الانسان من الناحية البيلوجية ويتحدث قليلا عن زواج الأقارب فيذكر أن مجتمعات قديمة كانت توجد فيها تعدد الزوجات وأخرى تعدد الأزواج الى حين قوله "ماذا يعني تعبير العلاقات الجنسية غير المنظمة؟ إنه يعني إن القيود المانعة السارية المفعول في زمننا أو في زمن أسبق لم تكن سارية المفعول آنذاك. و قد سبق لنا و رأينا سقوط القيد الذي تشترطه الغيرة. و من الثابت أن الغيرة شعور تطور في مرحلة لاحقة نسبياً. و يمكن قول الشيء نفسه بصدد مفهوم سفاح القربى. فإن الأخ و الأخت كانا في المرحلة البدائية زوجاً و زوجة، و ليس هذا و حسب، بل أن شعوباً كثيرة لا تزال في الوقت الحاضر تجيز العلاقة الجنسية بين الآباء و الأولاد. و يشهد بانكروفت ("العروق الأصلية في ساحل المحيط الهادئ من أميركا الشمالية"، عام 1875، المجلد الأول على وجود مثل هذه العلاقات عند الكافياك المقيمين عند سواحل مضيق بيرينغ و عند سكان جزيرة كادياك في جوار ألاسكا و عند التينّه المقيمين في القسم الداخلي من أميركا الشمالية البريطانية، و يعطي ليتورنو موجزاً لمثل هذه الوقائع عند الهنود الحمر الشيبيوي و عند الكوكوس في التشيلي، و عند الكاراييب و عند الكارين في شبه جزيرة الهند الصينية، هذا بالإضافة إلى حكايات قدماء اليونانيين و الرومانيين عن البارثيين و الفرس و السقيتيين و الهون و غيرهم. و قبل اكتشاف سفاح القربى (و هذا اكتشاف حقاً و فعلاً، بل هو اكتشاف فائق القيمة) ،

لم يكن من المكن أن تثير العلاقة الجنسية بين الآباء و الأولاد نفوراً أكبر من ذاك الذي تثيره العلاقة الجنسية بين أشخاص آخرين ينتمون إلى أجيال مختلفة، و الحال، لا يزال يحدث هذا الآن في أكثر البلدان تفاهة و ابتذالاً دون أن يثير شديد الاشمئزاز، فحتى "الآنسات" العوانس ممن تجاوزن الستين من العمر يتزوجن أحياناً، إذا كن غنيات، من شبان في الثلاثين من العمر.

عائلة قربى الدم- الطور الأول من العائلة : هم أقدم أنواع العائلة حيث كانت تنقسم العلاقات الجنسية الى أجيال : فجميع الجدود والجدات هم أزواج وزوجات والاباء والأمهات على النحو نفسه ومن ثم أولادهم,) قد زالت عائلة قربى الدم. و حتى عند أوحش الشعوب التي ذكرها التاريخ، يستحيل إيجاد مثال و احد لا مراء فيه



العائلة البونالوانية -"بونالوا" Punalua و كلمة بونالوا تعني رفيقاً قريباً: وهو التطور اللاحق للعائلة الذي تلا تحريم العلاقة بين الإباء والأبناء ليصل الى تحريم العلاقة بين الاخوة والاخوات (من ناحية الأم فقط) ويشير انجلز في دراسته أن هذا التطور في العائلة تم بالبداية بحالات منفردة ومن ثم بصورة تدريجية وليس دفعة واحدة و انتهى بتحريم الزواج حتى في خطوط القربى المنحرفة، أي، حسب تعابيرنا الحالية، بتحريمه بين أولاد و أحفاد و أولاد أحفاد الأخوة و الأخوات.







العائلة الثنائية أخذت الزواجات الجماعية تستحيل أكثر فأكثر، و أخذت العائلة الثنائية تحل محلها. ففي هذا الطور، يعيش الرجل مع امرأة واحدة، و لكن تعدد الزواجات و الخيانة الزوجية بين الفينة والفينة لا يزالان من حق الرجل، رغم أن تعدد الزوجات نادر الوقوع بحكم الأسباب الاقتصادية أيضاً، بيد أن المرأة مطالبة في أغلبية الأحوال بأدق الأمانة طيلة مدة المساكنة، و تعاقب على خيانتها عقاباً قاسياً. و لكنه من السهل على كل من الطرفين أن يحل الرابطة الزوجية، فيعود الأولاد إلى الأم فقط، كما من قبل. ما أدت اليه العائلة الثنائية : "كانت الزواجات بين أفراد العشائر التي لا تجمع بينها قرابة الدم تؤدي إلى نشوء سلالة أقوى سواء جسدياً أو عقلياً، و كانت قبيلتان بسبيل التقدم تندمجان في قبيلة واحدة، فتأخذ جماجم و أدمغة الأجيال الجديدة تتسع بصورة طبيعية إلى أن تبلغ مقاييس تناسب مجموعة خصائص القبيلتين"


تطور المجتمعات شيئا فشيئا : أدى تدجين الحيوانات و تربية القطعان إلى خلق مصادر للثروة لم يسمح بمثلها من قبل، و إلى نشوء علاقات اجتماعية جديدة تماماً. فحتى الطور الأدنى من البربرية، كانت الثروة الدائمة لا تتألف تقريباً إلا من المسكن و الألبسة و الحلي الخشنة و الأدوات للحصول على الطعام و تحضيره، أي الزوارق و الأسلحة و الآنية المنزلية البدائية. و كان ينبغي الحصول على الطعام من جديد، يوماً بعد يوم. أما من الآن و صاعداً، فإن شعوب الرعاة آخذت تتقدم أكثر فكثر يجب الإشارة ان انجلز في كتابه أشار في كتابه أن الاقتصاد البيتي كان مشتركا الى ما قبل الطور الأعلى من البربرية أي اقتصاديا شيوعيا بيتيا وما بعد العائلة الثانية انتهى هذا المنوال ما أدعى الى ظهور العبيد والملكية الخاصة,قال انجلز : ولا ريب أيضاً أننا نجد على عتبة التاريخ الذي نملك عنه الوثائق، أن القطعان كانت في كل مكان ملكاً خاصاً لرؤساء العائلات، شأنها تماماً شأن المنتوجات الفنية في عصر البربرية و الأدوات المنزلية المعدنية، و مصنوعات البذخ و الزينة، و أخيراً القطيع البشري، أي العبيد. ومن ثم يضيف قائلا : لأنه تم الآن اختراع العبودية أيضاً. فلم يكن للعبد قيمة أو نفع بالنسبة لإنسان الطور الأدنى من البربرية. و لهذا كان الهنود الحمر الأميركيون يعاملون الأعداء المغلوبين بغير الطريقة التي شرعوا يعاملونهم بها في درجة أعلى من التطور. فقد كانوا يقتلون الرجال أو يأخذونهم كأخوة لهم في قبيلة المنتصرين. و كانوا يأخذون النساء زوجات لهم أو يضمونهن كذلك بوسيلة أخرى إلى قبيلتهم مع أولادهن السالمين.


يكمل انجلز فيشرح كيف أن هذا التطور في الطور الأعلى من البربرية أدى الى انتقال حق النسب من الأم الى الرجل وكذلك حق الوراثة وكيف أصبح الرجل سيد المرأه بعد هذا التطور في العائلة الى أن يصل الى قوله :إن إسقاط الحق الأمي كان هزيمة تاريخية عالمية للجنس النسائي. فقد أخذ الزوج دفة القيادة في البيت أيضاً، و حرمت الزوجة من مركزها المشرف، و استذلت، و غدت عبدة رغائب زوجها، و أمست أداة بسيطة لإنتاج الأولاد.





العائلة الأحادية: إنها تنشأ، كما سبق و قلنا، من العائلة الثنائية، في المرحلة الواقعة بين الطورين الأوسط و الأعلى من أطوار البربرية. و انتصارها النهائي هو إحدى العلائم على بداية عصر الحضارة. إن هذه العائلة تقوم على سيادة الزواج مع الرغبة الصريحة في ولادة أولاد تكون أبوتهم ثابتة لا جدال فيها، و ثبوت الأبوة هذا ضروري لأن الأولاد سيملكون أموال والدهم ذات يوم بوصفهم ورثته المباشرين. و هي تمتاز عن الزواج الثنائي بكون عرى الزواج أمتن بكثير، و بأنه لم يعد من الممكن فسخ هذه العرى كلما طاب لأحد الزوجين. فالزوج وحده على العموم، هو الذي يسعه الآن أن يفسخ هذه العرى و يطلّق امرأته. إن شكل العائلة الجديد يظهر أمامنا بكل صرامته عند الإغريق. فإن دور الآلهات أي الميثولوجيا، كما لاحظ ماركس، يصور لنا عهداً أسبق كانت فيه النساء يشغلن مركزاً أوفر حرية و تقديراً و احتراماً، أما في العهد البطولي، فإننا نجد المرأة منحطة المقام من جراء سيادة الرجل و مزاحمة العبدات.


نهاية الزواج الأحادي : يشير انجلز أن الزواج الأحادي التناقضات الأول هو بقاء الحرية الجنسية للنساء غير المتزوجات ما يؤدي بسبب سيادة الرجل الى ظهور دور البغاء البغاء و مع ظهور التفاوت في الملكية، أي في الطور الأعلى من البربرية، أخذ العمل المأجور يظهر هنا و هناك إلى جانب عمل العبد "الهيتيرية العلاقات الجنسية خارج الزواج بين الرجال و النساء غير المتزوجات، القائمة إلى جانب الزواج الأحادي" ولكن تناقضاً ثانياً أخذ إلى جانب هذا يتطور في قلب أحادية الزواج نفسها. فإلى جانب الزوج الذي يرفه حياته بالهيتيرية، تعيش الزوجة المتروكة. إن أحد جانبي التناقض غير ممكن بدون الآخر، كما لا يمكن أن تكون في اليد تفاحة بكاملها بعد أكل نصفها. و لكن الرجال لم يكونوا، على ما يبدو، يرون هذا الرأي طالما لم تحملهم زوجاهم على أن يروه. فمع الزوج الأحادي يظهر على الدوام نموذجان اجتماعيان مميزان لا سابق لهما، هما عشيق الزوجة الدائم و الزوج

العائلة الثنائية أخذت الزواجات الجماعية تستحيل أكثر فأكثر، و أخذت العائلة الثنائية تحل محلها. ففي هذا الطور، يعيش الرجل مع امرأة واحدة، و لكن تعدد الزواجات و الخيانة الزوجية بين الفينة والفينة لا يزالان من حق الرجل، رغم أن تعدد الزوجات نادر الوقوع بحكم الأسباب الاقتصادية أيضاً، بيد أن المرأة مطالبة في أغلبية الأحوال بأدق الأمانة طيلة مدة المساكنة، و تعاقب على خيانتها عقاباً قاسياً. و لكنه من السهل على كل من الطرفين أن يحل الرابطة الزوجية، فيعود الأولاد إلى الأم فقط، كما من قبل. ما أدت اليه العائلة الثنائية : "كانت الزواجات بين أفراد العشائر التي لا تجمع بينها قرابة الدم تؤدي إلى نشوء سلالة أقوى سواء جسدياً أو عقلياً، و كانت قبيلتان بسبيل التقدم تندمجان في قبيلة واحدة، فتأخذ جماجم و أدمغة الأجيال الجديدة تتسع بصورة طبيعية إلى أن تبلغ مقاييس تناسب مجموعة خصائص القبيلتين"




الفرق بين المجتمعات التي سادت فيها العائلة الفردية ومن جهة أخرى، لم تتخذ العائلة الفردية إطلاقاً في كل مكان و كل زمان الشكل الكلاسيكي الصارم الذي اتخذته عند اليونانيين. فعند الرومان الذين كانوا يتحلون، بوصفهم فاتحي العالم العتيدين، بنظرة إلى الأمور أكثر اتساعاً و إن كانت أقل دقة، من نظرة اليونانيين، كانت الزوجة تتمتع بمزيد من الحرية و مزيد من الاحترام. و كان الروماني يعتقد أن الأمانة الزوجية مؤمنة كفاية بفضل ما يملكه من حق الحياة و الموت على زوجته. و فضلاً عن ذلك، كان بمقدور الزوجة هنا، مثلها مثل الزوج، أن تفسخ الزواج حين يطيب لها. و لكن أكبر تقدم تحقق في تطور الزواج الأحادي إنما تحقق، بلا ريب، مع دخول الجرمان حلبة التاريخ، لأن أحادية الزواج لم تكن بعد، على ما يبدو، قد تطورت في ذلك الوقت من الزواج الثنائي، و ذلك بسبب فقرهم على الأرجح. و نحن نخلص إلى هذا القول استناداً إلى ظروف ثلاثة ذكرها تاقيطس. أولاً، رغم كل قداسة الزواج، "كانوا يكتفون بزوجة واحدة، و كانت النساء يعشن محصنات بعفافهن"

أشكال الزواج في الأطوار الثلاثة من تطور البشرية:هناك إذن ثلاثة أشكال رئيسية للزواج تناسب بالإجمال المراحل الرئيسية لثلاث من تطور البشرية. فالوحشية يناسبها الزواج الجماعي، و البربرية يناسبها الزواج الثنائي، و الحضارة تناسبها أحادية الزواج المقرون بالخيانة الزوجية و البغاء. و بين الزواج الثنائي و أحادية الزواج، تتسرب في الطور الأعلى من البربرية سيادة الرجال على العبدات و تعدد الزوجات.



بعد استعراض الأشكال التاريخية للعائلة بامكاننا أن نضع تحليلا سليما لشكل حق الأم في الحضارات القديمة بالرغم من صعوبة تحديد بضعة أمور مستعطية قد تخطر في بال القارئ والتي يتعذر على الباحث أن يجيب عليها نظرا لشحاحة المعلومات حولها وأهم تلك الاسئلة هي : "هل عاشت جميع التجمعات الانسانية هذه المراحل بالتدريج؟"



هذا السؤال لا نملك اجابته ونحن الان لسنا بصدد مناقشته ولا مناقشة الزواج الأحادي لذلك سنسهب في تحليل ما قبلها, نبدأ بما قلناه : " سيد الانتاج هو سيد الايودولجيا وبالتالي سيد المجتمع وبالتالي سيد كل شيء وفي المجتمعات الاولى اقتصر الانتاج على انتاج الحياة لا أكثر فالانسان بدأ طفولته في مجموعات غير منتجة تسكن الكهوف وتتغذى على التقاط الحبوب وعلى الفرائس"






في المجتمعات أو الحقبة الزمنية التي ساد فيها شكل عائلة قربى الدم نحن نجزم أن الانسان في حينها لم يختلط انتاجه المادي بالطبيعة اطلاقا بل كانت الطبيعة هي المنتجة والانسان هو المستهلك لما تنتج لا أكثر وبالتالي لم يكن هنالك دور قيادي للرجل فالأنثى هي مركز الانتاج المقتصر على انتاج الحياة والتناسل ما يقودنا الى الاستنتاج أن سلطتها في ذلك الشكل من العائلة كانت مطلقة لا ينازعها فيها أحد ولا يوجد ما يعطي الرجل قوة يستطيع أن يهز عرش المرأة عن طريقها أي أن حقها كان مطلقا في حينها




في العائلة البونالوانية حيث تم تنظيم العلاقة قليلا نبع بسبب انخراط أجدادنا في الصراع لأجل البقاء في الطبيعة حيث أخذ كل من الرجل والمرأة دورهم في هذا الصراع وبما أننا نرجح أن هذا الطور كان على عتبة الطور الأوسط من البربرية حيث كان النظام الاجتماعي حينها كما يصفه انجلز " يبدأ في الشرق بتدجين الحيوانات البيتية، و في الغرب بتربية النباتات الصالحة للأكل بواسطة الري و باستعمال الآدوب (الآجر الطري المجفف في الشمس) و الحجارة لأجل البناء." بامكاننا أن نضيف على كلام انجلز أن تقسيم المهمات بين الرجل والمرأة كان البذرة الاولى لأول تقسيم عمل كبير داخل المجتمع ففي حينها انقسم المجتمع الى مجموعتين كبيرتين حرمتا على بعض أي علاقات جنسية كما وصف انجلز نفسه المجتمع في حينها, أي أن المرأة والرجل أخذا دورا في تدعيم وادارة هذا النظام الاجتماعي الجنين وفي ذات الوقت كان دور المرأة قيادي أكثر من دور الرجل الذي كان دوره ثانويا في ذلك الوقت أو تلك المجتمعات ولكن في ذات الوقت بعكس شكل عائلة قربى الدم لم يكن حق الأم مطلقا بل محدودا "نسبيا" نظرا لأخذ الرجل دورا ولو ثانويا في المجتمع

في العائلة الثنائية بقي الأولاد ينسبون الى أمهم ولم يكن اضطهاد المرأة قد ظهر بعد وهذا الشكل من العائلة هو ما ننسبه للفترة التي أسميناها بفترة (الحقين) ففي تلك الحقبة كان الرجل هو القائد وصاحب السلطة خارج المنزل والمرأة هي القائدة داخل المنزل وحرم الزنا على كليهما فلا يجوز للرجل غير زوجته ولا يجوز للمرأة غير زوجها, ان التغيرات التي حصلت داخل تلك المجتمعات من تقسيم عمل وتدجين الحيوانات أثرت تلقائيا على العائلة وتطورها وما بدوره أدى لاحقا الى أن تصبح المرأة عبدة لرغبات زوجها وخاضعة لارادته ولا تنال أي حقوق الى باذنه





- حقبة زمنية أم مجتمعات متعددة؟

هذا السؤال المثير للتفكير والبحث فيه من الممكن أن نأخذ اجابة عليه من دراسات جائت ما بعد انجلز تطرق الى دور المراة في مجتمعات كانت تحترمها أو تقودها,تنقل لنا صديقتنا مارلي ستون في كتابها القيم من صفحة (50-80) حال المرأة من عدة مصادر تاريخيةفتبدأ بايثيوبيا وليبيا لتقول :


“كل السلطة كانت بيد المرأة التي تصرف من أي شأن من شؤون الناس وكان
الرجال يقومون بأعباء المنزل تماما كما تفعل النساء اليوم بيننا فيفعلون ما تأمرهم به
زوجاتهم فلم يكن يسمح لهم بممارسة شؤون الحرب أو أي وظيفة حكومة أو شغل أو دائرة شعبية شاغرة مما هيأ فيهم روح التمرد على النساء وكان الأولاد فور ولادتهم يعطون للرجال الذين يقدمون لهم الحليب والطعام المناسب لعمرهم”


في مصر : مصر كانت بلدا نالت فيه النساء قسطا عظيما جدا من الحرية والسيطرة على حياتهن الخاصة وربما على حياة أزواجهن أيضا لقد كتب هيرودوت اليوناني قبل ديودوروس بعدة قرون أن في مصر "نساء يتجولن في الأسواق العامة ويصرفن الشؤون وينهمكن في العمل بينما الرجال يمكثون في البيت ويقومون بالغزل والنسيج



بابل : على الرغم من تخلف وضع النساء في بابل قياسا الى أسلافهن في سومر فانه تخلف ترافق بصعود الالهة الذكور من أمثال الاله مردوخ الذي كما جاء جاء الميثولوجيا قتل الربة تيامات للحصول على مركزه وتعزيزا لهذا المركز وقد ظلت نساء بابل تحظى ببعض حقوق الاستقلال

الأناضول : في مراحل الأناضول "تركيا" النيوليثية كانت الربة العظمى تمجد فظهرت عبادتها في معابد كاتال حيوك قرابة عام 6500 قبل المسيح وقلما كانت تعرف في الأناضول بعد مرحلة كاتال حيوك مباشرة ولكن في وقت ما قبل عام 2000 قبل المسيح غزا الهندواوروبيين الأناضول وبعد تلك الغزوات عين للربة زوج تفوق عليها عرف باسم رب العاصفة

كريت : ترأست الكاهنات الممارسات الدينية لمدة طويلة فكانت المرأة الوسيطة الطبيعية مع المقدسات وأعظمهن كان المرأة المؤلهة وكثير من الأشياء تمثل الكاهنات يقمن بواجباتهن فكانت مشاركة الرجال في العبادة مثل مشاركة الرب مع الربة تطورا متأخرا فدورهم (أي الرجال) في الاحتفالات الدينية كان دائما دورا تابعا


بعد أن قمنا بعرض أوضاع المرأة في حضارات عدة عاشت مرحلة الأمومة من الواجب علينا أن نعلق عليها, فمن الواضح أننا لا نقول أن البشرية في كافة بقاع الأرض عاشت نفس المراحل في نفس السنين ولا تواجد لديها نفس الظروف ونفس النظام الاجتماعي في كل السنوات بل كان هنالك تفاوت بين الشعوب والحضارات ففي حين نرى في ليبيا واثيوبيا أن كل السلطة للنساء والرجال أذلاء ومحرومون بينما في بابل المرأة تتمتع بحقوق تحت عطف الرجل وبينما في الأناضول وكريت تشاطر الرجل والمرأة السلطة مناصفة ولاحقا منيت المرأة بهزيمة تاريخية


قسم باخوفن تاريخ المرأة الى ثلاثة فترات وكذلك نحن نقسمه الى ثلاثة فترات ولكننا بعكس باخوفن نرى تلك الفترات كالاتي :

(1) حق الأم
(2) مرحلة الحقين
(3) حق الأب