إيترو-عا … حعبي

فاطمة ناعوت
2017 / 12 / 2

إيترو-عا … حعبي


كان غضبُ المصريين عظيمًا، حينما قيلت كلمةٌ غيرُ مسؤولة عن هذا الإله العظيم، صانع الفرح، الذي لولاه ما كانت لمصرَ حياةٌ، ولا مجدٌ، ولا تاريخٌ، ولا كان لنا سلفٌ صالح. لهذا اختار جمهورُ صالوني الشهري، الاثنين الماضي بمكتبة مصر الجديدة، أن تكون فقرة "مصريات"، عن "إيترو-عا"، الذي عشقَه أجدادُنا، ورهبوه، خافوا عليه، وخافوا منه، تودّدوا إليه، ودلّلوه، ووضعوا شروطًا صعبة للتعامل معه بحذرٍ، ورهنوا دخولَ الجنّة برضائه عنهم.
كلمةٌ تعسةٌ قالتها مطربةٌ شهيرة في لحظة غياب، أقامت الدنيا وأشعلت غضبَ للذود عن شرف الأرض الطيبة التي لولاها ما سطر التاريخُ أول سطوره. ذلك الغضبُ العارمُ أنبأني أن "چين" السلف الصالح الرفيع يسري في دمائنا حتى في لحظة الرِّدّة الثقافية التي نمرُّ بها اليومَ.
اسمه "إيترو-عا"، وتعني باللغة المصرية: "النهر العظيم"، ومنها جاءت كلمة “التُّرعة”. هو ذاك النهر الوسيمُ الذي بفضله نشأت حضارتُنا الماجدة لتُحيّر علماء الدنيا في الفلك والفيزياء والكيمياء والطب والهندسة والمعمار والرقص والموسيقى والتشكيل والنحت والدراما والأزياء والآداب والسياسة والدين. لابد من استرضائه حتى يفي بعهده ويأتي في منسوبه المضبوط في عيد "الوفاء"، فترتوي الأرضُ وتُشرقُ الزهورُ وتخضرُّ الأشجارُ وتُثمرُ الثمارُ، ويشربُ الطيرُ فيصدحُ، ويرتوي الإنسانُ فيحيا ويُبدع. فإن حَزن النهرُ وجفَّ ماؤه، انكسر الغصنُ وجاع الإنسانُ والحيوان وعَمَّ الخرابُ. وإن غضبَ وفاض ماؤه، أغرق الأرضَ والدورَ وعمَّ الخراب. لهذا حرص الجدُّ على عدم إحزان النهر أو إغضابه، ووضع شرطًا صعبًا لبعث الموتى في الحياة الأخرى ودخول الفردوس. لا يدخلُ الجنةَ قاتلٌ ولا كاذبٌ ولا سارقٌ ولا ظالمٌ. ولا يدخل الجنّةَ من لم يكن عينا للأعمى وساقًا للكسيح ويدًا للمشلول وأبًا لليتيم وعونًا للمظلوم. ولا يدخلُ الجنّةَ من تسبّب في دموع إنسان أو حيوان. وكذلك …. لا يدخلُها من لوّثَ مياهَ النهر العظيم.
لهذا ابتكر الجدُّ المصريُّ العظيم لهذا النهر "إلهًا" يلجأون إليه ضارعين إن حزَنَ النهرُ ذو المزاج المتقلّب، أو غضبَ. أطلقوا على ذاك الإله اسم "حعبي"، وتعني باللغة المصرية "صانع السعادة". فالنهر هو صانع الفرح. حرف العين مُخفَّفٌ ،فتُنطق "حابي" ومنها كلمة Happy بالإنجليزية. هذا الإله موجود في جيبك الآن على ورقة الخمسة جنيهات. منحوه شكلاً أسطوريًّا يجمع بين سمات الرجولة والأنوثة في آن. فهو أعظمُ من أن يكون رجلا أو امرأة. ساقان وذراعان قويّتان كما لفارسٍ، ونهدان وبطن كما لامرأة ولود تحملُ الخيرَ في نهديها والخِصبَ في خِصرِها. حصد "حعبي" مزايا الذكورة والأنوثة ليقف على ربوة الكمال، المستحيل. فوق هامته زهرتان: اللوتس، شعار مصر العليا "الصعيد"، والبردي، شعار مصر السفلى "الشمال”. وبين الزهرتين سُنبلة قمحٍ، رمز "الزمن”. والمعنى أن النهر العظيم هو الشريانُ الأبدي الذي يربطُ شمالَ مصرَ بجنوبها على مر الزمان. يحمل حعبي فوق يديه صينيةً عامرة بالثمار والطير. أليس هو واهبَ الثمر ورازقَ الطير؟ وأحيانًا يُصوَّر حعبي على هيئة شابين ممشوقين يجدلان معًا زهرتي لوتس وبردي بميثاق غليظ.
آمنَ الجدُّ القديم أن حُزنَ النهر وجفافه يحدثُ بسبب شرور البشر. فكانوا يسترضونه بالغناء والتراتيل: “حعبي/ أبا الآلهة/ أيها الآتي بالحصاد لتُطعم مصرَ كلَّها/ يا واهبَ الحياة لكل إنسان ومُلقيَ الخير عند أطراف أصابعه/ مجيؤك إلينا يجلب البهجة والفرح/ أيها الفريدُ الذي لا أحدَ يعرفُ جوهرَك إلا أنت.” وآمن الجدُّ أن غضبَ النهر وفيضانَه هو تذكارٌ لدموع إيزيس التي انهمرت حزنًا على حبيبها أوزوريس حين قتله شقيقه الشرير "سِت"، أو "ساتان"، ومنه جاءت Satan بالإنجليزية وتعني "الشيطان إبليس". فكانوا يهدئنون من غضبه بإلقاء عروس جميلة منحوتة من الجرانيت الأحمر، على شكل الربّة إيزيس، وكأن العروسُ تُزفُّ إلى عريسها. حتى إذا ما صفح النهرُ عن البشر، جاء في منسوبه المضبوط، فخرج الأجدادُ يغنّون ويرقصون احتفالا بعام قادمٍ من الرغد الوفير في عيد أسموه "وفاء النيل". ومن أين أتت كلمة "النيل"، لهذا مقال قادم.