كيف يصير المرء رأسمالياً – المحددات البنائية للفاعلين الاقتصاديين

أشرف حسن منصور
2017 / 12 / 2

كيف يصير المرء رأسمالياً – المحددات البنائية للفاعلين الاقتصاديين
لا يصير الأفراد رأسماليين أو عمالاً، أو أي شئ آخر، إلا بعد أن يشغلوا مواضع مسبقة الوجود ومسبقة التجهيز لهم في بنية المجتمع الرأسمالي. فالرأسمالي لا يصير رأسمالياً إلا عندما يشغل موقع رأس المال المتمثل في حركة القيمة نحو تحقيق المزيد من القيمة، أي القيمة الزائدة. فكل من يدخل في عملية التحقيق الرأسمالي للقيمة وفي عملية زيادة القيمة الأصلية بقيمة زائدة هو رأسمالي. الأفراد لا يولدون رأسماليين، بل يصيرون كذلك بعد شغلهم لمواقع محددة سلفاً في البنية الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي. يصير الشخص رأسمالياً بعد أن يصبح رأسمالاً مشخصاً Capital Personified.
الرأسمالية إذن تخلق الرأسمالي نفسه وليس العلاقة الرأسمالية وحسب. وعملية صنع الرأسمالي إذن تتضمن شخصنة، أي تحولاً لموقع بنائي وظيفي معين لرأس المال إلى شخص. ومعنى هذا أن الأفراد ليسوا ذواتاً حاملين لصفات، بل على العكس، فالأفراد هم المحمولات المادية الحية لوظائف اقتصادية؛ إنهم تمظهرات أو تجليات لمنطق اجتماعي – اقتصادي معين.
ولا يُشترط في شغل الفرد لموقع رأس المال أن يكون هذا الفرد مالكاً لرأس المال، يكفي أن يكون مجرد مشغل operator أو مدير manager، لرأس المال. علاقة الملكية إذن ليست ضرورية ليصبح الفرد رأسمالياً أو ليقوم بوظيفة رأس المال، فهو يمكن أن يقوم بهذه الوظيفة دون أن يكون مالكاً لرأس المال، فالحقيقة أنه هو نفسه نتاج رأس المال، هو نفسه ملكية لرأس المال، رأس المال وقد أصبح مالكاً لوعي وإرادة، رأس المال وقد تشخصن، أي صار شخصاً. ويعتقد هذا الفرد، الذي صار رأسمالاً مُشخصاً، أنه يقوم بأفعاله بناء على إرادته الحرة وعلى قراراته الواعية العقلانية المخططة وفق مصلحته الشخصية. لكن هذا هو بعينه الوهم الكبير. ذلك لأن شغله للموقع الوظيفي لرأس المال هو الذي يفرض عليه أفعالاً وسلوكاً معيناً هو في حقيقته مجرد تكيف مع متطلبات قانون القيمة الرأسمالي المتمثل في حتمية التحقق في قيمة زائدة باستمرار. يقول ماركس: "فقط عندما يصير الدافع الوحيد للشخص هو حيازة الثروة المجردة المتعاظمة باستمرار، يكون فاعلاً باعتباره رأسمالياً؛ أي رأسمالاً مشخصاً Capital Personified ومتصفاً بوعي وإرادة". Marx, Capital I, P. 254.
وهكذا يكشف ماركس عن منطق الحتمية البنيوية، التي يكون فيها الأفراد نتاج الكل الاجتماعي - المادي، أي يكشف عن سبينوزيته بعد أن تخلص من الهيجلية. إن ماركس بعد القطيعة مع الهيجلية صار سبينوزياً، بصورة أعمق مما تصورها ألتوسير.