ما بعد رياح الشمال ...... قصة قصيرة

جاسم محمد كاظم
2017 / 12 / 1

جاسم محمد كاظم ما بعد رياح الشمال

دوامات الهواء حملت معها ذرات التراب العالقة مع الصفير الذي زاد من وحشة المكان ورددت الجدران الساكنة صدى الموت المنتشر .
رششت الماء أمامه كما كان يفعل في بقايا شباب أحرقته الحروب وقضبان سجون صدئة وطلبت منة الأذن بالجلوس بوقار تلميذ صغير.
وتبادرت إلي ضحكاته القوية الممزوجة بمرارة نكات سخرية على زمن مر رافقتها حركات استهجان من يد تهتز باستخفاف بجملة رددها باستمرار .. ستكنسهم رياح الشمال هذه المرة .
.
أضافت علية تعليقات أصحابة طعما رائعا .. أنة مصاب بمرض النظافة ..لتقاطيع ملابسة المكوية بعناية ... واستمروا .. أنة يبدلها أكثر من مرة في اليوم ..
اعتمدت على خيالة الواسع الممتد في زمن لم أره في كتابة لمحات من تاريخ المدينة .
لم اصدق ما قاله ..أن تلك القصور الشامخة وأسواق الأنوار المضيئة بهالات مبجلة توالدت من جهد حمار سلقت جلدة القاسي سياط حوذية الأمس و أسياد اليوم .
حتى شيوخ المثال المقدس تمتعوا بشباب عابث مع مومسات زمن تلاشى .. لقد نثروا الأموال فوق رؤوسهن في البستان الذي تحولت نصف من أراضية إلى مركز للشرطة .
يده المرتعشة مسكت بصعوبة ورقة بيضاء أخرجها من أمام فراشة في آخر مرة شاهدته ...لقد وقعوا لي شهادة موت في نسغ الحياة .
دمعت عيناه حين طافت في زوايا بيته الخالي من أثاثه ..حتى الثلاجة حملها السمسار بابتسامة خبيثة ... وأطلق دمعة ثلاثون سنة مرت كشريط سينمائي أمام عين محتضر ملى الماء رئته كبرت معها صغرى بناته لم يكبر معها أجره الذي لم يكفي لشراء حبات مرضه المزمن .بكيت معه وردد الطبيب الذي فحصة ... أن عليه الهدوء وعدم الانفعال ..قلبك متعب .. لا يتحمل حتى ضحكة بسيطة .
مسحت الدمع بكم ملابسي .ضربني أيام الطفولة في الصف الطيني المسقوف بالعمد وسعف النخيل ..طويت كم البنطال وتصنعت ابتسامة كاذبة هذه هي المنطقة التي ضربتني عليها لقد نما عليها الشعر .
.قبلت واجهتة الأمامية ومسحت عنة التراب العالق .رويت له كيف مسح راسي بطباشير السبورة حين تلكأت في ضبط كلمات الإملاء.
رششت الماء أمامه وغرزت حبات الورد الأحمر الذي أحبة وزرعه في كل أنحاء المدرسة بالتراب الممزوج برطوبة الماء .
رأيته بضحك ..لقد زاد تلاميذي على عدد الأوراق الساقطة من كل تلك الورود.
لكزه احدهم ذات مرة .. يقولون انك معشوق الفتيات ..ألا زلت تمحل نفس العطر الأخاذ الذي يحمل صورة الوردة .
رششت الماء أمامه وجرجرت أنفاسا متقطعة ناديتة بصوت عال .
.لقد جاءت رياح الشمال يا أستاذ .. وتبادرت إلى مسامعي ضحكاته المرحة حتى في ألمه القاتل ..حين شوه الزمن تقاطيع وجهه المكتنز بحمرة وحفر في خديه أخاديد عميقة....نعم... نعم ..كنست كل الأزبال .
رششت الماء أمامه وقبلت وجهته الأمامية وأحسست أن قطرات الدمع تتنافذ من الجدار الأصم تحاكى آخر دموع عينية بينما كانت الرياح تحرك أغصان الورود الحمراء التي كبرت ومنعت ذرات التراب العالق أن تلتصق بشاهد قبره الشامخ ..

......................................
جاسم محمد كاظم