لماذا تريد كاتلونيا الانفصال عن إسبانيا ؟

محمد عبد الكريم يوسف
2017 / 12 / 1



مقدمة
للرغبة في الانفصال أسبابها الذاتية والموضوعية وما نراه من رغبات كثيرة في غير مكان في هذا العالم تضج بالرغبة العارمة في الانفصال والاستقلال عن الحكومات المركزية ، تجعلنا نميل للبحث في أسباب المشكلة وتحليلها وتقديم الاقتراحات والحلول التي قد تساعد في استقرار الحكومات والدول. في هذا البحث سنتناول بشيء من التفصيل حالة الانفصال الكاتلوني عن إسبانيا بعد سنوات طويلة من الاتحاد.

تاريخ كاتلونيا

عبر التاريخ ، كانت منطقة كاتلونيا مستقلة ضمن شبه الجزيرة الإيبرية ( في العصر الحديث إسبانيا والبرتغال ) ولها لغتها الخاصة وقوانينها وعاداتها وتقاليدها الشعبية . وفي عام 1150م ، شكل زواج بيترونيليا ملكة أرغون من رامون بيرينغز الرابع كونت برشلونة سلالة عريقة تركت لابنهما وراثة جميع الأراضي العائدة لمنطقتي أرغون وكاتلونيا .
واستمر الأمر على هذا المنوال حتى عهد الملك فيليب الخامس وانتهت حرب الخلافة الإسبانية بهزيمة فلنسيا في عام 1707 م وهزيمة كاتلونيا في عام 1714م و هزيمة باقي الجزر الاسبانية في عام 1715 م ونتج عن هذه الحرب ولادة إسبانيا الحديثة .


حاول الملوك اللاحقون فرض اللغة والقوانين الإسبانية على منطقة كاتلونيا لكن كل المحاولات فشلت وفي عام 1931 م عادت الحكومة الوطنية الكاتلونية إلى ممارسة مهامها .
إلا أن الجنرال فرانسيسكو فرانكو وضع نصب عينيه تدمير الحكومة الانفصالية الكاتلونية بعد انتصاره في معركة ايبرو في عام 1938م فأعاد السيطرة على المنطقة وقتل حوالي 3500 مواطن كاتلوني وأجبر العديد من النافذين والمؤثرين في القرار الكاتلوني على العيش في المنفى .
في عام 1977 م مُنحت منطقة كاتلونيا نوعا من الاستقلال الذاتي مرة أخرى عندما عادت الحكومة الديمقراطية إلى مدريد .

وقد نمت الدعوات إلى الاستقلال بشكل متزايد حتى تموز عام 2010 ، وخاصة عندما ألغت المحكمة الدستورية جزءا من النظام الأساسي للحكم الذاتي الذي أقر عام 2006 ، وقد استندت إلى أنه لا يوجد أساس قانوني للاعتراف بكاتلونيا كأمة مستقلة داخل إسبانيا .
والأزمات الاقتصادية المتتالية في إسبانيا أدت إلى تضخيم الدعوات لاستقلال كاتلونيا حيث ينظر إلى الإقليم كداعم أساسي لباقي أقاليم إسبانيا التي تعاني من القلة والفقر.
سياسات الإقليم
تجدر الإشارة إلى أن الحزب الشعبي المحافظ الذي يرأسه ماريانو راجوى رئيس الوزراء الاسباني هو خامس أكبر حزب في إسبانيا ويعارض بشدة أي تحركات من أجل استقلال الإقليم .
ويدعم رئيس كاتالونيا ، كارليس بويغديمونت ، ائتلاف من القوات الوطنية الكاتالونية من الحزب الديمقراطي المحافظ وحزب ايسكويرا ريبوبليكانا دى كاتالونيا اليساري الذي يتزعمه حزب الكتلة اليساري الراديكالي ، ويحقق أغلبية في برلمان الإقليم .
وفي أيلول 2017 وافقت هذه الأغلبية على إجراء استفتاء ملزم بشأن استقلال كاتالونيا ، ولكن المحكمة الدستورية الإسبانية علقت العملية برمتها .
وقد تابعت السلطات الكاتالونية عملية التصويت مما أدى إلى عنف داخل مراكز الاقتراع وحولها ، حيث ضبطت قوات الأمن الاسبانية صناديق الاقتراع وحاولت إغلاقها . وقالوا إنه تم فرز 2.26 مليون صوت وأن / 90 / بالمائة من عدد السكان يصوتون لصالح الاستقلال.
ويقول السيد بويغديمونت إن نتيجة التصويت هي مع إعلان الاستقلال من جانب واحد ، على الرغم من أنه يقول أنه يفضل التفاوض على شروط الانفصال عن إسبانيا مع الحكومة في مدريد.
كيف يؤثر انفصال الاقليم على الاقتصاد الاسباني

يعد إقليم كاتلونيا منذ فترة طويلة قلب الصناعة في إسبانيا فهو قوي من الناحية البحرية وقوي في تجارة وصناعة المنسوجات واتجه في الآونة الأخيرة نحو خدمات التمويل والشركات القابضة والخدمات الاقتصادية والتجارية وتكنولوجيا المعلومات وشركات التكنولوجيا الفائقة والموصلات الفائقة .
والإقليم من أغنى المناطق في اسبانيا ويمثل حوالي 19 % من الناتج المحلي الإجمالي في اسبانيا ، ويقف على قدم المساواة والأهمية مع منطقة مدريد ولكن نصيب الفرد من الناتج المحلي في مدريد أعلى بكثير من كاتلونيا وهذه الحالة تنطبق على منطقتي الباسك ونافاري .
ولهذا السبب فإن الانفصال سيكلف اسبانيا ما يقرب /20 / في المائة من الناتج الاقتصادي القومي ، ويؤدي إلى جدال حول كيف ستعيد كاتالونيا مبلغا وقدره / 52.5 / مليار يورو من الديون المستحقة عليها لصالح الإدارة المركزية للبلاد.
وسيبلغ الناتج المحلي الإجمالي للإقليم حوالي /314/ مليار دولار وفقا لحسابات منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي مما يجعل الإقليم في المرتبة /34/ في أقوى وأكبر اقتصاد في العالم ويتفوق بذلك على اقتصاد البرتغال وهونغ كونغ.
ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في إقليم كاتلونيا حوالي /35/ ألف دولار مما يجعل المواطن الكاتلوني أكثر ثراء من المواطن في كوريا الجنوبية وإيطاليا .
وتبلغ مساهمة إقليم كاتلونيا في دعم الاقتصاد الإسباني ضعف مساهمة اسكتلندا في اقتصاد المملكة المتحدة .
أرقام هامة في إقليم كاتلونيا

السكان : يبلغ تعداد السكان الكاتلونيين حوالي 7.5 مليون نسمة يشكلون حوالي 16.1 من تعداد السكان البالغ 46.6 مليون نسمة .
اللغة : يتكلم اللغة الكتالونية حوالي 95 بالمائة من عدد السكان وهي اللغة الرئيسية في الإقليم . وهناك إحصائية تقول بأن / 10/ مليون شخص يتحدث اللغة الكاتلونية عبر العالم وخاصة في كاتلونيا والمجتمع الفالنسي والجزر البالارية وفرنسا . وتحتل اللغة الكاتلونية المرتبة التاسعة بين اللغات الأوروبية العالمية والبالغة 24 لغة رسمية أوروبية .

الاقتصاد : بلغ الناتج المحلي لإقليم كاتلونيا حوالي 209 مليار يورو في عام 2014 وبلغ الناتج المحلي القومي لإسبانيا حوالي ترليون يورو . وبلغ إجمالي الصادرات للإقليم إلى دول غير إسبانيا حوالي 65.1 مليار يورو وضعف هذا المبلغ إلى إسبانيا . تقول حكومة الإقليم أنها تستطيع أن تزيد الناتج القومي بمقدار 8 بالمائة في حال انفصلت وامتنعت عن دفع الضرائب للحكومة المركزية .
أعلام كاتلونيون : سلفادور دالي ، أنتوني غاودي ومونتسيرات كاباليه

الطعام وكرة القدم في كاتلونيا
يرى الشعب الكاتلوني نفسه مختلف جدا عن الآخرين في السياسة والاقتصاد واللغة ويشعرون بالفخر بأطعمتهم وطهاتهم مثل فيران أدريا من البولي وجوردي كروز الذي فاز بنجمة ميشلان وهو في سن الخامسة والعشرين وهو أصغر مواطن إسباني يحصل عليها في تاريخ إسبانيا وقد تم اختيار مطعم إل سيل ردي كان روكا كأفضل مطعم في العالم في عام 2013 والثالث عالميا هذا العام .
أما التنافس بين فريقي برشلونة وريال مدريد فقد بلغ حد الأسطورة وخاصة لعبة الكلاسكو التي تلعب مرتين في السنة بين الفريقين وهو حدث ضخم لكلا المدينتين.

ما الذي يجري حاليا في كاتلونيا ؟
الحكومتان الإسبانية والكاتلونية في حال شقاق حاليا. تصر الحكومة الكاتلونية على الانفصال والاستقلال عن إسبانيا في حين تصر الحكومة المركزية في مدريد على إلغاء نتائج الاستفتاء والالتزام بحدود النصوص القانونية والتشريعية للبلاد والطريف في الأمر أن الأسباب التي تدعو كاتلونيا للانفصال عن إسبانيا هي ذاتها نفس الأسباب التي تدفع إسبانيا للتمسك بإقليم كتلونيا . أجرت حكومة إقليم كاتلونيا استفتاء الاستقلال في الأول من تشرين الأول وصوتت حكومة مدريد على إيقاف الاقتراع واعتباره غير دستوري . وفي خطوة لافتة وقع الرئيس الكاتلوني على نتائج الاستفتاء وقرر إيقاف العمل بها مؤقتا وصرح أنه مستعد أن يقضي بقية عمره في السجن في سبيل استقلال كاتلونيا .
لماذا يصر بعض الكاتلونيين على الاستقلال؟
لقد طرحت الحركة التي تريد الاستقلال والتي يقودها رئيس الإقليم كارليس باغديمونت أن لكاتلونيا حقوقا اقتصادية وسياسية وثقافية وأخلاقية تدفعها للمطالبة بحق تقرير المصير ويصر أنصار الانفصال على أن إقليم كاتلونيا الغني والذي يبلغ سكانه حاليا حوالي 7.5 مليون نسمة وأنهم يقدمون لإسبانيا أكثر مما يأخذون منها. لقد ازدادت رغبة الكتالونيين بالاستقلال خلال السنوات الماضية بعد الأزمة الاقتصادية الطويلة التي شهدتها إسبانيا مؤخرا . أضف إلى ذلك أن الكثير من الكتالونيين غير راضين عن قرار المحكمة الدستورية الإسبانية الذي اتّخذ منذ سبع سنين ويريدون إلغاء أو إعادة توضيح أجزاء من دستور عام 2006 والذي منح الإقليم حرية واستقلالا أكثر .

مدى قوة الداعمين والمؤيدين للإستقلال
تشير الإحصاءات بأن 70 % صوتوا في الاستفتاء لكنهم انقسموا بين مؤيد للاستقلال ومعارض له . الاحصاءات التي أجرتها الكثير من مؤسسات التقصي والمسح الدولي أشارات إلى أن 49.4 % من الكاتلونيين ضد الاستقلال ونسبة 41.1 % صوتوا لصالحه .

موقف الحكومة الإسبانية من الاستفتاء على الاستقلال:
أصر رئيس الوزراء الإسباني ماريو راجوي دوما على عدم المضي قدما في الاستفتاء وتوعد الإقليم باتخاذ الحكومة المركزية لكل الإجراءات القانونية لمنع الاستفتاء والحيلولة دون خروج نتائجه للنور.

ترى الحكومة الاسبانية المركزية أن الاستفتاء غير قانوني وتعارضه بشدة على خلفية أن الاستفتاء على الاستقلال يخالف الدستور الإسباني الذي أقر بعد الاتفاق عليه في عام 1978 والذي لا يتضمن أي مادة حول " تقرير المصير" .

من جانب آخر ، بحثت المحكمة الدستورية الإسبانية ، التي علقت سابقا قانون الاستفتاء الذي عرض الشهر الماضي على البرلمان الكاتلوني ، مدى مطابقة أو مخالفة قانون الاستفتاء للدستور الإسباني ووجدت أنه يخالف روح دستور عام 1978 نصا وروحا .

وإذا عدنا إلى آذار من هذا العام ، نجد أن الرئيس الكاتلوني السابق أرتور ماس قد مُنع من ممارسة مهامه الرئاسية لمدة سنتين لأن المحكمة وجدته مذنبا بجرم مخالفة الدستور لمجرد أنه أجرى استفتاء رمزيا لاستقلال كاتلونيا منذ ثلاث سنوات خلت . وفي ذات الوقت يواجه الكثير من أعضاء الحكومة الكاتلونية نفس الإجراء القانوني بسبب دورهم في التحريض للاستقلال.

تسارعت الأحداث وازداد التوتر في الإقليم خلال الأسبوعين الماضيين بعد أن قام ضباط الشرطة الاسبانية بمهاجمة العديد من المقرات الحكومية في برشلونة واعتقال حوالي / 30 / شخصا من كبار الموظفين بمن فيهم المدير العام للشؤون الاقتصادية الكاتلوني والسكرتير العام للضرائب كما صادرت الشرطة حوالي 10 مليون بطاقة اقتراع ومليون ونصف منشور وبوستر خاص بالدعاية الانتخابية للاستفتاء على الاستقلال.
وفي هذه الأثناء ، ألغت وزارة الداخلية الإسبانية كافة الاجازات لضباط وعناصر الشرطة وعهدت اليهم بمهمة إبطال مفعول الاستفتاء ومنعه من الخروج للنور كما فرضت قيودا قانونية على الصرف المالي للإقليم والتنقلات كما صرح وزير الخارجية بأن حركة الاستقلال الكاتلونية تتبنى المواقف النازية في محاولة لإرهاب الناخبين الكاتلونيين .

رد الفعل الكاتلوني :

اتهم بيدغمونت الحكومة الإسبانية بممارسة التعليق الفعال للحكم الذاتي في الإقليم واعلان حالة الطوارئ وعقب هذه التصريحات نزل حوالي خمسين ألف مواطن كاتلوني إلى شوارع برشلونة للاحتجاج على الاجراءات الحكومية المركزية كما وجه راجوي رئيس الوزراء الإسباني خطابا يوم الأربعاء التالي ليوم الاستفتاء طالب فيه حكومة الاقليم بضرورة ايقاف التصعيد العنصري والعصيان المدني والالتزام بالدستور الذي أقر عام 1978 تحت طائلة اتخاذ إجراءات أشد .

نقاط القوة و السلطات التي تمتلكها كاتلونيا :
منذ أيام أعلن برلمان كاتلونيا الاستقلال في حين أعلن مجلس الشيوخ الإسباني الموافقة على استعادة السيطرة على كامل الاقليم بعد أن انتهى من مناقشة قضية الاستفتاء على الاستقلال.
تريد حكومة مدريد المباشرة باستعادة السيطرة على مقاليد الحكم في اقليم كاتلونيا وانهاء خدمات الحكومة الكاتلونية والرئيس الكاتلوني واستعادة السيطرة المباشرة على وسائل الاعلام وإدارة الشرطة وإلحاقهما بالحكومة المركزية في مدريد.
وهنا علينا أن نفهم طريقة إدارة اقليم كاتلونيا حتى نستوعب ما يجري من تفاصيل ونعرف دلالات الكلمات :
نظام الحكم في كاتلونيا :
تقسم إسبانيا إلى 17 اقليم يدار من قبل سلطات منتخبة من السكان مباشرة .
وتمتلك كاتلونيا الواقعة في شمال شرق البلاد أعلى وأوسع السلطات في إدارة الإقليم.
تمتلك كاتلونيا برلمانها الخاص وحكومتها الخاصة ورئيسها الخاص وقوات شرطة و شبكة اعلام حكومية خاصة بها.
يتمتع الكاتلونيون بالعديد من السلطات المحلية من النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية والنقل والاتصالات والتجارة والأمن .
الشؤون الخارجية والقوات المسلحة والسياسة المالية من اختصاص الحكومة المركزية في مدريد .
تقسيم السلطات بين الحكومة المركزية وحكومة الاقليم غير واضحة المعالم كما يحدث في بعض المناطق الأخرى من القارة الأوروبية كفرنسا وبريطانيا والمانيا وهولندا.
على سبيل المثال ، في بريطانيا لا تستطيع الحكومة في ويستمنستر التدخل في السياسات التربوية والتعليمية الاسكتلندية لأنه مستقل تماما. لكن في اسبانيا ، يتدخل البرلمان في حال وجود تناقض بين النظام التعليمي الكاتلوني والنظام المركزي وهذا التدخل يزعج حكومة كاتلونيا.
وصل كارليس بيغديمونت إلى الرئاسة في كاتلونيا عام 2016 ومنذ ذلك التاريخ يقود الحكومة الكاتلونية ونائبه أويل جانكيريس يقود أيضا وزارة الاقتصاد . هناك 12 وزيرا في كاتلونيا يشغلون حقائب التربية والصحة والثقافة والأمن الداخلي إلخ... ويبلغ عدد الموظفين الذين تشغلهم الحكومة المحلية /28677/ موظفا في الخدمات المحلية والقيادية والإدارية المختلفة .

يبلغ عدد أعضاء الشرطة في كاتلونيا حوالي 17000 موظفا في مختلف أنواع الشرطة والأمن الداخلي والشؤون المدنية وهم مسؤولون عن النظام العام والأمن والتحقيق الجنائي أما خدمات الهجرة والتجنيد ومكافحة الارهاب فمن اختصاص وزارة الداخلية المركزية .
تدير الحكومة الكاتلونية مؤسسة إعلامية كاتلونية حكومية تسمى " المؤسسة الكاتلونية للإعلام " وتضم حوالي 2319 موظفا من خلال خمس قنوات تلفزيونية وأربع محطات راديو بالإضافة إلى خدمات الدعم الأخرى .
أما البرلمان الكاتلوني الشهير فيضم / 135/ مقعدا تشغلها ستة أحزاب سياسية ثلاثة منها تؤيد الانفصال عن الحكومة المركزية . أجريت أخر انتخابات في 27 أيلول عام 2015 كان بين الأحزاب ائتلاف يضم حزبين وعدد من المؤسسات المدنية التي رفعت شعار " معا نحو نعم " وكان المقصود بالشعار في ذلك الوقت " نعم للاستقلال" وقد ربح الائتلاف / 62/ مقعدا من مقاعد البرلمان في تلك الانتخابات . وكانت هذه المقاعد قريبة من تحقيق الأغلبية المطلقة بعد حصولها على الدعم والتأييد من الاتحاد الشعبي العام المعادي للرأسمالية والذي يحتل 10 مقاعد في البرلمان ودخل في تشكيلة الحكومة .
الموقف الشعبي
انقسم المواطنون الكاتلونيون بين مؤيد للحكم الاتحادي ومؤيد للحكم الانفصالي :
رأي الاتحاديين :
الاستقلال عودة نحو الوراء في التاريخ ويناقض رسالة الاتحاد الأوروبي الحضارية والفكرية وخطوة نحو المزيد من الحواجز بين شعوب الاتحاد الأوروبي.
عند خسارة الحكم الذاتي نربح شيئا جديدا أسوأ من الحكم الذاتي ونخسر الشركات والمعامل والأسواق والحرية الاقتصادية .
الاستقلال يقود إلى التشظي فالناس يؤمنون أنهم إسبان وكاتلان في نفس الوقت وهم لا يؤمنون بالحواجز والعوائق والتمييز بين المواطنين ولهذا السبب الاستقلال ليس حلا .
رأي الانفصاليين:
الاستقلال طريقة مثالية للمحافظة على الثقافة والتراث واللغة والهوية والتاريخ .
عند خسارة الحكم الذاتي تتوقف مراكز الأبحاث والجامعات وتعلق المشاريع بسبب تجميد الحكومة المركزية للأرصدة المصرفية . خسارة الحكم الذاتي حالة قمع مؤكدة للمواطنين الكاتلان .
الاستقلال نافذة للأجيال القادمة لتعيش حياة ثقافية واجتماعية واقتصادية جيدة لأن بلدنا يمتلك كل مقومات الرفاهية ولا يضطر أطفالنا وأحفادنا للعيش في بلد يحقر دائما الهوية والثقافة والرموز الكاتلونية .
إسبانيا وكاتلونيا والمستقبل:
قررت الحكومة المركزية في مدريد استعادة السيطرة المباشرة على المؤسسات الكاتلونية لحين تنظيم اجراء الانتخابات البلدية والتشريعية والرئاسية . كما قررت الطلب من المحكمة الدستورية الإسبانية اعتبار الانتخابات واعلان الاستقلال الذي تم من جانب واحد لاغية وخالفة لأحكام الدستور الإسباني. وقد رفض رئيس كاتلونيا ونائبه جميع الاجراءات التي قامت بها مدريد بهدف تقويض استقلال الاقليم وقد واجها خطر الاعتقال والسجن لفترة قد تصل المدة إلى 30 سنة. ويتوقع المراقبون وصول حوالي 200000 موظف مدني إسباني يوم الاثنين من هذا الاسبوع إلى برشلونة لمباشرة مهامهم في إدارة الاقليم ، وفي هذه الأثناء يعتقد المسؤولون الكاتلونيون أن مدريد تمتلك خطة معدة مسبقا لتقويض استقلال الإقليم . تجدر الإشارة إلى أن الحكومة المركزية أعطت المسؤولين الكاتلان ساعات لمغادرة مكاتبهم تحت طائلة اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم. و حدد يوم /21/كانون الأول موعدا لإجراء الانتخابات العامة في كاتلونيا بإشراف الحكومة المركزية . وفي وقت لاحق يتخلى رئيس الاقليم عن مهامه ويظهر في مؤتمر صحفي في بروكسل.

خاتمة
الحركات الانفصالية تنتشر حاليا على مساحة القارة الأوروبية ولو نجحت الحركة الانفصالية الكاتلونية في عملها أو لاقت التأييد لكانت الفكرة انتقلت إلى شمال اسبانيا وجنوب فرنسا وايطاليا وهولندا والنروج والدنمارك وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى كثيرة . وعلى خلاف كردستان العراق الذي واجه تأييدا خجولا ومعارضة شديدة من الدول الإقليمية والدولية ، لم يسمع أحد بأي صوت مؤيد أو معارض لكاتلونيا. لقد كانت الأمور محسومة لصالح الحكومة المركزية في مدريد. السؤال الهام هل تنتبه الحكومات المركزية إلى ضرورة حل المشكلات الاقتصادية والسياسية والثقافية والتربوية تلافيا لتكرار حركات الانفصال. وهل يتم تعديل الدستور الإسباني ليتكيف مع متطلبات المرحلة القادمة ؟