مدخل لعلم جديد فى القرآن الكريم : ( الجملة الاعتراضية ) : ( 1 من 2 )

أحمد صبحى منصور
2017 / 11 / 30

مدخل لعلم جديد فى القرآن الكريم : ( الجملة الاعتراضية ) : ( 1 من 2 )
مقدمة
هذا علم جديد نزعم أنه لم يلتفت اليه أحد بالقدر الكافى . نعطى عنه مدخلا ، أملا فى ان يتشجع باحثون جادّون فيتابعوا الموضوع .
أولا : سؤال وجواب
ا ـ معنى الجملة الاعتراضية : هى جملة توضيحية زائدة توضع فى سياق الكلام ، ويمكن حذفها دون أن يتأثر المعنى ، كأن تقول فى حديث عادى ( وقعد صاحبك ، اللى بالى بالك ـ وفتح الموضوع وقال .. ) كلمة (اللى بالى بالك ) جملة اعتراضية ، يمكن حذفها ولا يتأثر المعنى فتقول ( وقعد صاحبك وفتح الموضوع وقال .. ) . وكأن تقول فى كلام مكتوب ( وقف الخطيب ـ لا فض فوه ـ وهاجم الحكومة ) فعبارة ( لا فض فوه ) جملة اعتراضية تفيد الدعاء للخطيب ـ ويمكن حذفها فتقول ( وقف الخطيب وهاجم الحكومة ) .
هل كان استعمال الجملة الاعتراضية معروفا قبل نزول القرآن الكريم فى الأدب الجاهلى من شعر أو نثر ؟
لا أعتقد ..ربما يجيب على هذا السؤال بدقة من تخصص فى العصر الجاهلى ، ولكن قراءاتى ـ حتى الان ـ تؤكد لى أن استعمال الجملة الاعتراضية لم يكن موجودا وقتئذ. .
ملاحظة : جملة ( ـ حتى الآن ـ ) جملة اعتراضية ، ولها معنى مفهوم ، ولكن يمكن حذفها.
هل التفت من يطلق عليهم (المفسرون ) الى وجود الجملة الاعتراضية فى القرآن الكريم ؟ وهل حللوا دلالات ورودها فى السياق القرآنى ؟
حسب علمى ـ وقد قرأت الكثير من كتب التفاسير ـ فإن هذا لم يحدث ..
ملاحظة أخرى : جملة ( وقد قرأت الكثير من كتب التفاسير ) هى جملة إعترضية يمكن حذفها ، ولكن لها دلالة فى السياق .
هل هناك فارق بين وجود الجملة الاعتراضية فى القرآن عنه فى الكتابات العربية البشرية ؟
نعم . الجملة الاعتراضية فى الكتابات العربية ـ غير القرآن الكريم ـ يمكن حذفها بدون أن يتأثر السياق كثير ، والأمر يتوقف على فصاحة الكاتب و تمكنه من فن الكتابة العربية.
أما فى القرآن فالجملة الاعتراضية تدخل فى إطار التفصيلات القرآنية ، أى إنها جزء أساس فى النظم القرآنى و النسق القرآنى ، مع أنها ـ عُرفا ـ جملة اعتراضية.
وهذا الوضع ملمح من الاعجاز البلاغى فى القرآن الكريم ، حيث يجمع الاعجاز هنا بين شيئين متناقضين فيما يخص الجملة الاعتراضية : كونها ـ نظريا ـ يمكن الغاؤها ، وكونها ـ فعليا ـ لا يمكن إلغاؤها لدورها الأساس فى السياق ، ولأن إلغاءها سيؤثر كثيرا جدا على المعنى ، فمع أنها جمل اعتراضية إلا أن الفصاحة فى الاتيان بها فى سياقها يجعل حذفها يؤثر على المعنى ، فقد جاءت كل جملة اعتراضية لتؤدى دورا هاما مرسوما لها بدقة وهذه الخاصية لا توجد إلا فى القرآن الكريم فيما يخص وجود الجملة الاعتراضية فيه. ولنتذكر أن القرآن الكريم كتاب أُحكمت آياته . فالجملة الاعتراضية ضمن هذا الإحكام فى الفصاحة القرآنية .
ثانيا : نماذج للجمل الاعتراضية فى القرآن الكريم :
فى وصف القرآن الكريم
1 ـ ونبدأ بمثل واضح جاءت فيه الجملة الاعتراضية ، وهو أيضا يرتبط وجودها بتفصيلات القرآن التى هى جزء منه ، يقول جل وعلا : (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ( الأعراف 52 ) جملة ( على علم ) إعتراضية . يمكن حذفها نظريا كأن تقول ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه هدى ولرحمة لقوم يؤمنون ) . ولكن قرآنيا لا بد من وجود هذه الجملة الاعتراضية ( على علم ) للتأكيد على أن تفصيلات القرآن ليست ثرثرة وإطنابا فى الكلام ، بل هى مؤسسة (على علم ) من العليم الخبير وهو جل وعلا القائل فى تفصيلات القرآن الكريم (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) هود )
2 ـ يقول جل وعلا عن كتابه الحكيم ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (7) آل عمران ). الجملة الاعتراضية هنا هى ( وما يعلم تأويله إلا الله ). بدونها يكون المعنى مفهوما لو قيل فى المقارنة بين متبعى الفتنة والراسخين فى العلم( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ). ولكنها أهمية قصوى قوله جل وعلا (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ ) فهى حقيقة قرآنية شرحناها فى مبحث التأويل المنشور هنا.
فى القصص :
1 ـ فى قصة تبشير الملائكة لابراهيم وزوجه ، قال جل وعلا : ( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ) ( هود 74 ـ ). الجملة الاعتراضية هنا هى ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ). الأهمية هنا أن العتاب لابراهيم المتمثل فى (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ) قد سبقته جملة إعتراضية تمدح ابراهيم . وهو النبى الوحيد فى القرآن الذى حين عاتبه الله جل وعلا مدحه . بدون هذه الجملة الاعتراضية سيضيع هذا التميز لابراهيم
2 ـ وذهبت نفس الرسل ( الملائكة المتجسدة بشرا ) الى لوط فحسبهم بشرا وخاف من أن يغتصبهم قومه . قال جل وعلا : (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ )( هود 77 ـ ). الجملة الاعتراضية هنا هى (وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ). جاءت هذه الجملة الاعتراضية وصفا لقوم لوط ، وهى هنا تفسر مسلكهم فى هذا السياق . يمكن حذفه ، ولكن يظل المعنى ناقصا .
3 ـ جاء فى قصة يوسف ( سورة يوسف ) العديد من الجمل الاعتراضية :
3 / 1 : تكررت جملة ( ونحن عُصبة ) مرتين ، جىء بها فى حديث أخوة يوسف :
3/ 1 / 1 : فى تآمرهم على يوسف فيما بينهم وتعبيرا عن حقدهم عليه : (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (8) يوسف ) . يمكن حذف ( ونحن عصبة ) فيقال ( ليوسف وأخوه أحب الى ابينا منا إن أبانا لفى ضلال مبين ) . لكن هذه الجملة الاعتراضية لها مدلول هام يعنى إتحادهم كعصبة ضد يوسف وأخيه وأبيهم .
3 / 1 / 2 : تخوف ابوهم من ارسال يوسف معهم فكان قولهم لأبيهم :( قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخَاسِرُونَ (14) يوسف ). جاءت نفس الجملة الاعتراضية ( ونحن عصبة ) لتؤكد لأبيهم أنهم كعصبة سيحافظون على يوسف . هذا مع أنه ممكن نظريا أن يقال ( لئن أكله الذئب إنا إذا لخاسرون ) .
3 / 2 : خرج صاحب يوسف من السجن يحمل توصية من يوسف المظلوم الى الملك ، ونسى ثم تذكر . قال جل وعلا : ( وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يوسف ) هنا يمكن حذف الجملة الاعتراضية فيقال : ( وقال الذى نجا منهما أنا أنبئكم بتأويله فارسلون ). ولكن الجملة الاعتراضية ( وادّكر بعد أمة ) تشير الى فارق زمنى عاناه يوسف البرىء فى السجن .
3 / 3 ـ فى نهاية السورة قال جل وعلا فى خطاب مباشر للنبى محمد عليه السلام :( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) يوسف ). جملة ( ولو حرصت ) إعتراضية . يمكن أن يقال ( وما أكثر الناس بمؤمنين ) . مجىء هذه الجملة نستفيد منها حرص النبى على هداية قومه ، مع تكرار التأكيد له بألا يحرص على أمل مستحيل . وقد جاءت الاشارة الى حرصه عليه السلام على هدايتهم فى آيات كثيرة منها الصريح كقوله جل وعلا : (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37) النحل )، ومنها الضمنى كقوله جل وعلا : (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) فاطر ) (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (6) الكهف ) (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِلشعراء ) (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) طه )( ) وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إل عمران ) ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ )(41) المائدة ) (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) الانعام ) .
5 ـ لكى يستبقى أخاه دبر يوسف لاتهامه بالسرقة بعد ان أعلم أخاه بخطته ، قال جل وعلا : (فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ قَالُواْ ـ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم ـ مَّاذَا تَفْقِدُونَ ؟ قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ )( يوسف ـ 71 ـ ). السياق أن يقال (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ قَالُواْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ ؟ ). جىء بالجملة الاعتراضية ( وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم ) فى مناسبة رائعة للسياق الدرامى فى القصة . وقد كتبنا من قبل فى باب ( علوم القرآن ) عن الدراما فى سورة يوسف . هذه الجملة الاعتراضية تعطى صورة حركية رائعة فى المشهد .
4 ـ نفس التصوير الدرامى فى وصف مشركى قريش وهم يستمعون القرآن الكريم ، يقول جل وعلا : (نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ـ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى ـ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا ) ( الاسراء 47 ). عبارة ( وإذ هم نجوى ) جملة إعتراضية ، وهى هنا تعطى صورة حركية لوضعهم وهم يتآمرون .
5 ـ وفى قصة ولادة مريم : ( فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) آل عمران ) . عبارة ( والله أعلم بما وضعت ) جملة إعتراضية .