فضيحة: قصة مطاردة بين قط وفأر

حكمت الحاج
2017 / 11 / 30

هذه رواية جديدة للكاتب الياباني شوساكو اندو ترجمها عن الانكليزية المترجم القدير فلاح رحيم. هي جديدة من حيث زمن صدورها وحديثة من حيث أسلوبها الفني ومعالجتها للمشكلة الإنسانية وهي واسعة الإنتشار في مبيعاتها.
والرواية في ترجمتها العربية تكاد أن تكون متكاملة إلى درجة مثالية من جهة لغتها وسبكها وبيانها ووضوح محتواها مما يزيل عن قارئها ذلك اللبس الذي غالبا ما يحصل عند التقائه برواية مترجمة بشكل سريع وغير أمينة ولا تحترم قدرات اللغة العربية العظيمة. لا التباس يحصل عند قراءة هذا الكتاب وفعلا سيقاوم القارئ كثيرا سحرها كمضمون وكترجمة، الأخطاء المطبعية معدومة تماما، التنضيد ممتاز، الطباعة نظيفة، الغلاف معبر لكن الجهد الأكبر الذي علينا واجب التنويه إليه عائد إلى المترجم فلاح رحيم الذي قدّم لنا من قبل رواية جين ريز "بحر ساركاسو الواسع" عام 1987 وقد قام أيضا بترجمة رواية "جوليان غرين" المسماة "مويرا" عام 1988 ثم اتبعها برواية توماس مان "ماريو والساحر" عام 1987 ثم "الصقر الجوال" رواية "كلينوي وسكوت" عام 1987 وأيضا "تحت غابة الحليب" مسرحية لـديلان توماس عام 1989. هذا بالإضافة إلى عشرات الدراسات النقدية والمقالات المترجمة في شؤون الفكر والثقافة العالمية.
أطروحته الجامعية كانت عن اللغة في شعر "ديلان توماس" حاز بها درجة الماجستير من جامعة بغداد عام 1989 وأظن أيضا انه قد ترجم رواية "الغرانيق الألف" للياباني الحائز على نوبل للآداب "ياسوناري كاواباتا"، لكنني لم أحظ بها لحد الآن.
رواية "فضيحة" هي أحدث ما كتب " شوساكو اندو" إذ صدرت في اليابان عام 1986 وصدرت ترجمتها الإنكليزية في لندن عام 1988 والرواية بهذا تتويج لتاريخ اندو الحافل الخصب الذي أدخله عضوا في أكاديمية الفنون اليابانية عام 1981.
ولد" شوساكو اندو عام 1923 وبعد وقوع الطلاق بين والديه اعتنق وأمّه الكاثولوكية منضمّا بذلك إلى الديانة المسيحية التي يبلغ تعدادها في اليابان من كاثوليك وبروتستانت حوالي تسعمائة ألف مسيحي. عدل عن دراسة الطب إلى الأدب الفرنسي وتخرج في جامعة "كيو" ليكمل دراسته في زمالة من الحكومة الفرنسية 1950 -1954 وبعد عودته كتب "حتى عدن" عام 1954 وأعقبها في العام التالي بـ "الناس البيض" التي حازت على جائزة "اوكتاجاوا" وتوالت بعد ذلك أعماله المتنوعة في مجال الرواية والمسرحية فضلا عن مساهمته في الحياة الثقافية والمناظرات التلفزيونية.
المشكلة الجوهرية التي يعالجها "اندو" دائما في كل أعماله الروائية والمسرحية هي المواجهة بين الديانة الكاثولوكية والجو الفكري والروحي لليابان.
إنّ هذا الإرث المزدوج قد سبّب له المتاعب وقد تجلى ذلك الإزدواج في معالجة الكاتب للكثير من المشاكل والأزمات وفق منظور ديني أخلاقي بالدرجة الأولى. إن فهم هذه الحقيقة يمكن أن يساعد القارئ على تقدير يليق بمستوى هذه الرواية الفذة التي تعالج أسئلة عصرنا الكبرى .كيف نستطيع أن نردم الهوة الممتدّة بين مسألتي الإيمان والحداثة ومن جهة أخرى كيف يتأتّى للإنسانية أن تجمع بين كل هذه الرقة وكل هذه القسوة؟
لقد صرح "اندو" في أكثر مناسبة بأنّه متمسّك رغم اغراضه الوعظية والأخلاقية بكتابة رواية تفي بمتطلبات الفن الروائي، ولا أدل على ذلك من هذه الرواية التي ما إن تمسك بها عزيزي القارئ حتى لا يعود بمستطاعك تركها قبل أن تتمّها فالكاتب يوظف هنا تقنيات مستعارة من قصص الإثارة والمطاردة مستخدما وبشكل ناجح تكتيك وجهات النظر المتعدّدة ممّا يثير التساؤلات لدى القارئ بشأن حقيقة بطل الرواية الكاتب المشهور "سوغورو سنسي" ووفق هذا المنظور توفر الرواية قراءة ممتعة بوصفها حكاية مطاردة بين قط وفأر.
لكن"اندو" يسرب من خلال تفاصيل هذه المطاردة تأملاته العميقة حول موضوعته الأساسية ولا يتورع عن مناقشات فكرية بحتة بين فصول الرواية مع نجاح باهر في تحويلها إلى عنصر شد إضافي دون أن تفقد عمقها، وحين يصل القارئ إلى نهاية الكاتب يدرك أنّ موضوع الرواية الحقيقي أكثر مأساوية وتجذّرا من كونها ستدين أو ستبرئ شخصا معينا وإنّ تساؤلاتها تخصّ كل إنسان.
تمتاز رواية "فضيحة" بتعدد مستوياتها الفكرية فموضوعها مركب ومنوع ونستطيع أن نشخص هذه المستويات بعد قراءة متأنية.
إنّ إنجاز" أندو" الحقيقي هنا يتمثل في دخوله منطقة قلّ من دخلها من الكتاب الذين سبقوه وهي المنطقة الواقعة بين الأخلاق والسايكولوجيا فلم يكتف الكاتب بإدانة الإنحرافات التي يعج بها العصر الحديث إذ كان ذلك كفيلا بأن يحول الرواية إلى موعظة أخلاقية تفتقد العمق ولكنه سعى أيضا لتقصي جذور هذه الإنحرافات داخل أغوار النفس البشرية. "سوغورو" رجل ظلت صورته أمام الناس هي شاغله الأوحد ولقد أمضى حياته حريصا على قراءة عيون الناس الذين يشترون كتبه ويهتمون بسيرة حياته ككاتب، ولكن بطل الرواية الكاتب الأرستقراطي المتدين اعتاد أن يؤكّد في رواياته على أنّ لكل حدث في حياة البشر دلالة ومع تطور الأحداث يدرك "سوغورو" الفرق الجوهري بين مفهومي الخطيئة والشر لكنه يحاول أن يضلل الآخرين عبر التمظهر الزائف لحياة مستقرة خالية من أية آثار للإنحراف أو الجريمة والشذوذ. وهو من جانب آخر كان يدرك بصورة جيدة أنّ الخطايا من كل نوع ترتبط بهذا الشكل أو ذاك ب "اللاوعي" ومن هذه النقطة يقودنا الروائي"اندو" إلى زقاق ضيق مظلم في محاولة منه لكسب ودنا إزاء بطله لنجد له على الأقل ما يبرّر انفصامه وانحلاله وجريمته.