الحقيقةُ ليست أَنْتَ

سامي عبد العال
2017 / 11 / 30

في أثرها البعيد ترتبط الحقيقةُ بمعطيات الهوية واللاوعي والخيال الجمعي. لأنَّها على علاقةٍ خفيةٍ بأنماط الحياة السائدة. ولدى تحديدها سرعان ما تأخذ صلاحيتها من شيء مغايرٍ- على سبيل المثال- كالسلطة أو الإطار المعرفي. وبذلك تعدُّ الحقيقة مصدراً لقلق وإنكار دائمين. لا توجد حقيقةٌ من تلقاء نفسها، هي ظلال من الصراع حيث يوجد الآخر، فينشأ الجدلُّ، النفيُ، السلبُ، الاختلافُ. لقد تعني الحقيقة شيئاً مغايراً حين يتم تعيين خطابِها. ومن ثمَّ لن تسري كما هي ولن يجري مصدرها ولا مرجعها كذلك. إنَّ حقيقةً مكتفيةً بذاتها أمرٌ مشكوكٌ في صحته بلا نهايةٍ.

ولأي شخص علينا أنْ نقول: " الحقيقةُ ليست أَنْتَ " the truth is not you ... كمقولةٌ يُظهِر غيابُها تسلل الدُّجمائيات dogmatisms على نطاقٍ واسعٍ. والدُّجما تبرُز ضمن حوارات السياسة والأفكار والخطابات الدينية، حين يزعم أحدُهم امتلاك الحقيقة المطلقة. تلك التي أنتجت مظاهر الطاعة والخنوع داخل الجماعات الأصُولية. وإلا من يستطيع تفجير نفسه لمجرد فتوى أو رأي فقهي... وهما جزء من الدين وليسا الدين كله!!

بالمقابل لو خاطبَ أميرٌ مزعومٌ لتنظيم ديني أحداً بفتوى دمويةٍ أو رأي أيديولوجيٍّ ثم واجهه المُتلقي: الحقيقةُ ليست أنْتَ، لكان بمنأى عن مُعاقرة الوهم. وبإمكانه التشكُّك كثيراً لتوجيه نقدٍ قاسٍ إزاء ما يبدو رأياً متعسفاً نهايتهُ الموت. وبدرجة أكبر فإن مجتمعاً يسود فيه معنى "الحقيقة ليست أنت " يستطيع بناء إرادة عامة تتحمل الممارسات المؤسساتية وأعباء التطور والتقدم.

الآن... لأحلِّل تلك الفكرة معتمداً على الجانب السيمانطيقيsemantic لعلاقة الأنا- أنت من جهةٍ وعلى الجانب الفلسفي لمضامين الحضور الرابط بين ( أنا – أنت ) من جهةٍ أخرى. وهو الحضور المفترض بالتبعية على خلفية علاقةٍ من هذا النوع. خاصة في حدود "تداول الأفكار" الذي يتم في إطار الطرفين. وإذا كان ذلك واضحاً عبر مجالات عديدةٍ فإنَّه أوضح بصدد الخطاب الديني كما تستعمله حناجر الإسلام السياسي. إذ تصبح دلالاته العنيفة أداةً لتحجيم الوعي وتجميد الخيال لدى الاتباع.

إذن كيف نفكِّك معانيهاالمتكلسة( أي علاقة الأنا – أنت)؟ وأيُّ احتمال يجعلها جارية في صالح العقل والانفتاح النقدي؟

في تاريخ الفلسفة ترك الألماني مارتـن بـوبـر(Martin Buber (1878-1965 بصماته الأهم حول المسألة. ذلك ضمن كتاب بعنوان "الأنا والأنت Ich und Du ". حيث اعتبرها ثنائية حوارية ووجودية بالمقام الأول. تحدد أشكال الوعي الديني والقيم والتأويل وأبعاد التربية والعلاقات بين الأفراد. إذ سيكون التفاعل - لا الإملاء - هو الوجه الأهمبهذا الشأن. ولعل الإرهابيين يعتبرون (الأنا– أنت) قضية محسومةً لصالح التنظيم والجماعة.غير أنَّ مارتن بوبر– بتأثير فويرباخ وكيركيجارد- اعتبر(الأنا- أنت) انفتاحاً لا انغلاقاً. لأنَّها تتضمن أطياف التفاعل وتناقضاته إزاء البشر والكائنات. وتتجاوز مرحلة التجاور المكاني والمادي نحو مفهوم التجربة الأشمل(Martin Buber, I and Thou, Translated by Roland Gregor Smith, Edinburgh and London, -print-ed by Morrison and Gibb Ltd., PP24 ,38.).

وجرياً على أنَّ الأيديولوجيا الدينية تختزلُ الوعي بإحدى العقائد يؤكد بوبر أنَّ تعقيد الموجود الانساني بمثابة المبدأ الأساسي. فالشخص ليس الوجه المقابل للانت كجدار حياديٍّ عازل. لكنه حالة سائلة تتفاعل فيها أشياء يستحيل عزلها داخل سياج عقلي. في تلك اللحظة هناك ما هو كليholistic ومتبادل. وقد لا يستطيع الفكر النيل من ثراء عمليته التواصلية. فالكلي يعصف بمحاولة إقصاء الاختلافات كتجربة إنسانيةٍ (Ibid, p 46 ). لأنَّ ما يحدث خلال الكلي لا يتوقعه أحدٌ ولا يتقولب بإرهاب فكري. فلئن تمَّ ذلك فالإرهاب يقضي على شرطه المبدئي؛ أي يُجهض تنوع الحوار والتلاقي!!

من ثم فإنَّ" الحقيقة ليست أنت"... عبارة تّنم عن حضور ناقصٍ وجهاً لوجه. وعدم الاكتمال أحدُ خيوطها النوعية لأنَّها قيد التشكُّل. ولا يصح لأحد أطرافها الادعاء بحيازة مالا يُوجد. وإذا أُطلقت فهي معبرةٌ عن فعل القول الذي ينادي آخر في محيط اللغة. فــ(أنت) تختلف عن ( هو). ذلك بموجب التفاعل تواصلياً إلى درجة التنوع. ومن ثمَّ لن يكون النفيُ الذي تحمله العبارة سوى حقيقةٍ أيضاً. فعندما ننفي كون الحقيقةَ ليست(أنت ) سواء أكنت شخصاً أم فكراً أم ديناً أم خطاباً، فالنفي واقعة لغوية- وجودية تترك نتائجها البعيدة لتحرير الوعي.

أولاَّ: أنَّ عملية النفي - بفكرة هربرت ماركيوز– تظهر فاعلية الإنسان المنتج. هذا الذي يعي ما يقول ويعبر عن موقفه الرافض.

ثانياً: أنَّ الرفض معناه إيجاد رؤى مغايرة تحسباً للوقوع في الأخطاء. ولا سيما إذا كان الـ (انت) معتقداً أو مذهباً لا نملك أمامه إلاَّ الرضوخ.

ثالثاً: أنَّ النفي يعني كون الحقيقة غير مكتملة إطلاقاً. بل هي مؤجلة للتأكُّد من مصيرها إجمالاً. وأنَّه مهما تكن موضعتُّها الآنية ستكون هنالك إضافة لها.

رابعاً: يعني النفي نقضاً للمواقف الصارمة أيديولوجيا بدلاً من التَّوحُل فيها( أي الانغماس في وحلها ومستنقعها الآسن).

خامساً: أنَّ النفي يضع الـ( الانت) كمخاطب حي في موضعه النسبي. بكلمات هوسيرل يرسم حولة أقواساً (الأبوخيه epoche ) أو بعبارة جاك دريداً يموقعه( تحت الشطب Under the write-off ) ويتركه كعلامة مشروطة( أي تحت خطي X ).

سادساً: النفي علامة انطولوجية بوجود مستقل للمتكلم. وأنه حادثة فعلية يجب ألاَّ يتم تجاوزها بحال. وأكثر الأشياء استعصاء على الذوبان هو رفض الحقيقة بحكم أنها خاضعة للمراجعة بالكيان لا بالاعتقاد الصوري.
سابعاً: المقولة تذكير دائم بانشطار الحقيقة وتشظيها. فطالما هناك في الخطاب صوت ونقيضه فلن يمتلك هذا ( الانت ) الحقيقة بوصفها إملاءً. حيث تزداد الأصوات وتكثر النقائض.

مأساة الجماعات الدينية كالتالي: أنَّها ترى الحقيقة في طرف دون الطرف الآخر. الطرف الآخر منسحق، وعليه ألاَّ يعارض أو يناقش أو ينتقد أو يجادل. جاء بأدبيات الدين( إذا غضب الله على قوم منعهم العمل ومنحهم الجدل). وأصبح الصمت سمة التلقي حتى شاع مصطلحا الخشوع والامتثال. ومن ثم جرى مصادرة الآراء المخالفة وقمعها. في حين أن الحقيقة– أية حقيقة- بها مفارقات لا تنتهي بسهولة. ولهذا فالتناقض من جوهر الحقائق ولُحمتها، فكيف لا يكون من صلب خطابها مهما يكن؟!

ثامناً: يدخل النفيُّ ضمن الحقيقة ذاتها. بمعنى إذا كان الشخص أيا كان لا يمتلكها فالأولَّى أنَّها ليست كذلك. وإلاَّ ما الطريق إلى تحديدها كاملة؟ ومن هو الذي يستطيع تحديدها؟ وهذه الخطوة تقع في القلب من الفكر. فجميع الأصوليين لا يزعمون توصيل الحقيقة وحسب بل يؤكدون تحديد ماهيتها وإمساكها بالمثل.

ولنلاحظ أنَّ الخطابة الدينية ( الشفاهية oral) بالأساس تقف على التعامد بين الأنا- أنت. وتلك استراتيجية لإيقاع وعي المتلقي من أول ضربة داخل حلبة الدعوة المباشرة. فقادة الإسلام السياسي يستخدمون تلك الخطة. إذ يستفردون بأتباعهم عن طريق تلقين الحقيقة بواسطة المعادلة الحية(أنا – أنت). حينئذ لا تستطيع إدخال أثراً غريباً على الطرفين. إنَّ آليات الإقناع لديهم هي آليات تجنيد. بمنطق التعبئة النفسية( الواعية واللاواعية) لإلحاق الأفراد بجسد التنظيم.

لو أخذنا الإخوان المسلمين مثالاً لوجدناهم يعتمدون استقطاب الأفراد بتلك الوسيلة. لا يستطيعون الدخول بأبنية المجموعات المتجانسة. لكنهم يأخذون الأفراد بعيداً ليعايشوا – منفردين- هذه الدائرة المغلقة. عندئذ ينظر الإخوان ما إذا كانوا قد تنازلوا عن أفكارهم الخاصة لخدمة الجماعة أم لا. ويسمون عملية كهذه التربية الفكرية. كأن الأفراد في حضانة ( روضة أطفال) للتعاليم الإخوانية. وعلى غرارها توجد هياكل لتعاليم الوهابية والسلفية والداعشية.

ومن واقع الإملاء الحضوري يكون الـ ( أنْتَ ) في حالة إلقاء الكلام باستمرار(متكلم). لنتذكر أنَّ أبرز كتب الإخوان هي " مذكرات الدعوة والداعية " لحسن البنا. وكلمتا الدعوة والداعية تتضمنان الأنا – أنت عزفاً على نغمة الشفاهية وسط حضور المعاني المباشرة. ولذلك كان تأكيد البنَّا بكل مناسبة: أنه لا يهدف إلى صياغة الأفكار بل إلى صناعة الرجال والأبطال!! لكن أي رجال وأي أبطال؟ إذا كان الاعتقاد نتيجة التقليد الحسي لما يقال بشكل حرفي. ولهذا كان هذا الأسلوب ميراثاً ضخماً أغرق عقول الجماعة في الأساليب والمفاهيم الدجمائية للتنظيم. وهو الذي جعلها تترهل وتشيخ في إدراكها للواقع والأحداث!!

وكان هذا كما قلت ضمن تقديس الأفراد. وليس ذلك حكراً على الإخوان فالسلفية ضرب من التقديس الماضوي لرجال وفقهاء سالفين. تتعامل مع الوقائع بنفس المنطق الفردي للخطاب. بحكم أنَّ الإيمان والاعتقاد يتحصلان استناداً إلى تلمذة المريد على أيدي الشيخ. وأن التعليم الديني يصبح مشكوكاً فيه ما لم يكن اخلاصاً لشيخ ينهل الدين من منابعه الأولى.

علماً بأن وضع ( الانت ) كمصدر للحقيقة لا يأتي في الاسلام إلاّ بعد انتهاء الدنيا. يقول القرآن: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (مريم 39 / 95). وهذا المعنى يؤجل (الانت) باسم ( الله – الرحمن ) كجزء من حيثيات أخروية تالية. إذن (الانت) له مكانة الإله وعندما تستعمله جماعات الإسلام السياسي يصبح التلقين ومصادرة الحرية هما الأساس. لأنَّ المشايخ يعتبرون أنفسهم ملاك مفاتيح ليس الدنيا فقط بل الآخرة كذلك. بينما يدفع القرآن كلامه بجلاء لمكاشفة جميع من في السماوات والأرض شريطة أنْ يأتوا فرادى. أي لا (أنت) إلاَّ هو (الله) كنهايةٍ قصوى لا تتاح للبشر تحت أي ظرف من الظروف.

ولهذا فإنَّ أحد أساليب هيمنة الذاكرة في جماعات العنف الديني هو اعتمادهم على الـ ( هو). كما أشرت منذ قليل بصدد اختلاف الانت عن الـ (هو). فعندما يجبرون شخصاً على التسليم بأفكارهم يذكرون أحاديث نبوية بصيغة( عن فلان ... عن فلان... عن فلان... قال رسول الله كذا وكذا...). والرسول يأتي بمقصود الغائب، أي الـ (هو). ونفس الأمر حين يرددون آيات قرآنية يقولون قال الله تعالي. وقول الله يأتي بدلالة الغائب المنسوب إليه كل شيء(هو). لكن من يُحمل هذه الأحاديث وتلك الآيات باسم الهو سرعان ما يأخذ سلطتها بمدلول الـ( أنت). وعليها يفرض ما يقول فرضاً لا مناص منه!! باعتباره المتحدث مباشرة.

وتلك عملية سرقة مكتملة الأركان. لأنَّ السطو يتم على ما هو غائب واضعاً إياه فيما يقول. وأغلب الخطابات الدينية المتشددة تهتبل هذه الفرصة لتأكيد وجودها الخاطف. حتى ليُخيل للمتلقي أنَّ المتحدث يمتلك الإله ورسوله. لا مجرد امتلاك الكلام فقط، لكنه انتقال اليقين الذي يسرق وعي المتلقي بإحلال السلطة في جوهر ما يقول. واللغة تعطيه مساحة تغليط دلالاتها خارج السياق.

أي يصبح الأنا – الأنت Ich-Du هو القاعدة وليس الأنا- هو. لأنَّ الأخير بمثابة الغائب الذي لن يحضر في التو. وبالتالي سيكون من وجهة نظر مارتن بوبر باباً للحوار والاختلاف بعيد الأمد. فطالما لم يوجد هذا الطرف، سيكون هناك Da. ويصبح الحضور مؤجلاً باستمرار. وليس ثمة باباً للتغيير سوى هذا الباب. فالحضارة تنشد الهو زمنياً حتى تستطيع الانجاز والتحول. لا توجد حضارة لم تكن تجاه هذا الغائب. والحضارات التي تتطابق مع الانت بمعناه القريب كانت تضمر حتى التلاشى. لكونها عبارة عن مونولوج داخلي ينتج سلطة التكرار في كافة المجالات.