تصحيح مولينو: الحريات الجنسية في كوبا

طلال الربيعي
2017 / 11 / 30

كتب جون مولينو John Molyneux مقالا بعنوان
لكن.. من هو فيدل كاسترو؟
الذي نشر مؤخرا في الحوار المتمدن
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=539372
والمقال في عمومه مقال ايجابي وموضوعي بحق فيدل كاسترو, الا ان مولينو يرتكب خطأ جسيما ويجانب الحقيقة في مقاله حين يقول:
"يلقي داعمو كوبا غير الناقدين لها والمتبتلين ببطولة كاسترو لوم هذه المشكلات على الولايات المتحدة اليوم، وهذا مقبول بدرجة كافية، كما يقارنون كوبا بجيرانها جامايكا وهايتي وغيرها لترجيح الكفة الكوبية، وهذا أيضًا معقول. لكنهم يغضون الطرف... عن السياسية والقمع طويل الأمد للمثليين والمتحولين ومزدوجي الميل الجنسي...".

وللتعريف ب مولينو اورد التالي.
جون مولينو (ولد في عام 1948) هو تروتسكي وأكاديمي ومؤلف. وقد أصبح عضوا نشطا في حزب العمال الاشتراكي الأيرلندي وهو محرر للمجلة الماركسية الأيرلندية Irish Marxist Review. وهو مؤلف للعديد من الكتب في الماركسية آخرها كان بعنوان
The Point is to Change It! An Introduction to Marxist Philosophy (2012)
(الاهم هو التغيير: مدخل الى الفلسفة الماركسية, 2012)

لذلك فاني استغرب تمام الاستغراب من ملاحظاته غير الصحيحة بخصوص الحريات الجنسية للمثليين والمتحولين في كوبا, وخصوصا ان مولينو هو من كبار الماركسيين في العالم, اضافة الى كونه انسان اكاديمي, وكان ينبغي عليه اتباع القواعد الاكاديمية المتعارف عليها في التحري والبحث. المقالة هذه تسعى الى تصحيح اخطاء مولينو.

ان معلوماتي عن الحريات الجنسية في كوبا ليست مستقاة من الكتب والمقالات المتخصصة فقط, بل انها نتاج تجربة شخصية ايضا. فبحكم اختصاصي, زرت هافانا في عام 2003 للمشاركة في المؤتمر العالمي للطب الجنسي. وكما يقتضيه البروتوكول في حالة المؤتمرات, يكون البلد المضيف هو رئيس المؤتمر, كوبا, في هذه الحالة, وكانت ممثلة كوبا التي رأست المؤتمر هي ماريلا كاسترو, وهي ابنة الرئيس الكوبي الحالي راؤول كاسترو (ويمكن مشاهدة صورها في 1) . وهي رئيسة المركز الوطني للتربية الجنسية في كوبا, وكانت والدتها من قبل هي مسؤولة المركز. وكان المؤتمر رائعا بكل معنى الكلمة. فبالاضافة الى الجانب العلمي, فقد سعيت, كالعراقي الوحيد المشارك في المؤتمر, الى تعبئة المؤتمرين لاصدار قرار ضد غزو العراق من قبل بوش وحكومته. فالمؤتمر تزامن تماما مع التحضيرات الاخيرة للغزو وقرع طبول الحرب. ولم يكن من الصعب عليّ استصدار هذا القرار من قبل المؤتمر. فماريلا نفسها امرأة تقدمية وثورية بكل معنى الكلمة. كما ان اغلب المؤتمرين كانوا, بسبب طبيعة الاختصاص نفسه ايضا, اناسا ليبراليين او تقدميين. لكن القرار, رغم اهميته, كان رمزيا ومن باب تسجيل موقف لا غير. وبالتالي, كما نعلم كلنا, حصل الغزو وتحققت الكارثة الشاملة.

في البداية, اورد استعراضا تاريخيا موجزا حول وضع النساء والمثليبن في الاتحاد السوفيتي السابق. تذكر المصادر التاريخية ان الستالينية كانت كارثة رجعية بخصوص النساء والمثليين (2). كانت الثورة في زمن لينين تقدمية بشكل كبير في كل هذه المجالات، لكن الستالينية عكست المكاسب التي تحققت. أعلنت الثورة الروسية التزامها بتحقيق المساواة القانونية والاجتماعية الكاملة للمرأة, وفي عام 1920 كان الاتحاد السوفيتي قد سمح بحق الإجهاض قانونيا وبشكل مجاني. ولكن قامت روسيا الستالينية بإلغاء الإجهاض في عام 1935 وكذلك إدخال ميداليات للأمومة (أي وجود العديد من الأطفال). واحدة من أقدم أعمال الحكومة البلشفية في أواخر 1917 هي عدم تجريم المثلية الجنسية، وكان هناك أعضاء مثليي الجنس علنا في الحكومة: مثل جيورغي تشيشيرين الذي شغل منصب المفوض للشؤون الخارجية في الفترة من مايو عام 1918 وحتى عام 1930. وفي عام 1933 جُعلت المثلية من جديد غير قانونية, وبقت هكذا حتى عام 1993.

وفيما يخص كوبا, قبل الثورة الكوبية كان هناك عدد قليل من الحانات الصديقة للمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية في المدن الكوبية (3). ولكن كان لكوبا قوانينا صارمة تجرّم المثلية الجنسية وتستهدف الرجال المثليين بالتحرش والاعتداء. وكان المثليون منبوذين اجتماعيا بكل معنى الكلمة. وبالنسبة للعديد من الكوبيين في تلك الحقبة، كانت المثلية مجرد سلوك ملحق للسلوكيات الزوجية التقليدية. ومن بين أمور أخرى، كانت المثلية ايضا مجرد سلعة مربحة في الخيال الجنسي. وكانت حياة الاغلبية الساحقة من المثليين مخزية وتتسم بمشاعر الذنب والخوف. وشكلت المثلية وقتها أحد مكونات صناعة البغاء المزدهرة في كوبا، حيث عمل الكثير من الرجال المثليين في البغاء مع الزوار القادمين من الولايات المتحدة. لذلك ارتبطت المثلية بالمقامرة والجريمة.

ولكن الامور تغيرت تدريجيا يعد الثورة الكوبية. ففي عام 1981، اعلنت وزارة الثقافة الكوبية في منشور بعنوان "في الدفاع عن الحب"، أن المثلية هي احدى السلوكيات الجنسية السوية للإنسان. وقالت الوزارة إن التعصب ضد المثلية الجنسية يرجع إلى موقف غير مقبول ورثته الثورة، وأنه ينبغي معارضة جميع العقوبات ضد المثليين.

وفي عام 1986، اعلن المركز الوطني للتربية الجنسية في كوبا أن المثلية ميل جنسي سوي وأنه يجب التصدي للكراهية ضد المثلية الجنسية بالتعليم والتثقيف. وقد كتب الكاتب مثليي الجنس إيان لومسدن أنه منذ عام 1986 ليست هناك "أدلة لدعم الزعم بأن اضطهاد المثليين لا يزال سياسة الدولة" [4].

وفي عام 1988، ألغت الحكومة قانون التجمعات العامة لعام 1938، واعطت أوامرا للشرطة بعدم مضايقة المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسية.

وفي مقابلة مع تلفزيون جاليسيان الاسباني عام 1988، انتقد كاسترو المواقف الجامدة التي سادت من قبل بخصوص المثلية الجنسية.
وفي نهاية الثمانينيات، بدء الأدب بمعالجة موضوعات مثليي الجنس واعقب ذلك المزيد من التحرير السريع منذ عام 1990.

في مقابلة أجريت في عام 1993, اعلن فيديل كتسترو معارضته لكل السياسات المعادية للمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية. واعتبر كاسترو المثلية سلوكا جنسيا طبيعيا ينبغي احترامه. وفي نفس السنة بدء المركز الوطني للتربية الجنسية في كوبا بعقد ورشات عمل للثقافة الجنسية في طول البلاد وعرضها. وفي نفس السنة ايضا الغت الدولة القانون الذي كان يحظر المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية من الخدمة علنا في الجيش. ومنذ عام 1993، يمكن للمثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية أن يخدموا في الجيش الكوبي.

في عام 1994، عُرض فيلم الفراولة والشوكولاتة Strawberry and Chocolate, الذي أنتجته سينما كوبا (شركة حكومية لانتاج الافلام في كوبا) بالتعاون مع صانع الافلام الكوبي توماس غوتييريز أليا، حيت يصور الفيلم شخصية مثلية الجنس. وانتقد الفيلم طرق التفكير الضيقة للبلاد في السبعينيات، وناقش التحيز ضد المثليين والمعاملة الجائرة التي كان يعاني منها المثليون. وقد أثار الفيلم قدرا كبيرا من التعليق والمناقشة وقتها.

في 1995، قادت ما يسمى ملكات التنانين drag queens (اغلبهم هم رجال برتدون ملابس نسائية استعراضية) موكب عيد العمال السنوي، وانضم إليهم وفدان من مثليي الجنس من الولايات المتحدة.

وفي كانون الأول/ ديسمبر 2000، كانت نصف افلام مهرجان هافانا السينمائي تعالح موضوعات مثليي الجنس. وتعقد مهرجات سينمائية لمثليي الجنس ومثيلاته في عدد من المدن الكوبية، وفي أكتوبر عام 2005 عقد اسبوع التنوع الجنسي السينمائي في مدينة بينار ديل ريو في غرب كوبا.

قام كارلوس سانشيز، الممثل الدولي للرابطة الدولية للمثليات والمثليين والمتحولين جنسيا في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، بزيارة كوبا في عام 2004. وقد افاد بالملاحظات التالية (5):
1. "لا يوجد أي قمع مؤسساتي ولا عقابي ضد المثليات والمثليين جنسيا".
2. "لا توجد عقوبات قانونية ضد المثليين."
3. يعاني البعض من المثليين والتحوليين من خوف من التجمع. ولكن هذا الخوف يستند أساسا على تجربتهم في السنوات الماضية، ولكن يمكن القول أن هذا الشعور سوف يختفي في المستقبل, وخصوصا انهم يحظون بدعم من الحكومة (المركز الوطني للتعليم الجنسي يقدم هذا الدعم)".
4. "إن التحول الجنسي مقبول تماما من قبل غالبية السكان الكوبيين ".
5. لا يهدف المثليون الى الحصول على تشريع يبيح الزواج
لان الأشخاص غير المتزوجين والمتزوجين يتمتعون بحقوق متساوية ".

في عام 2006، بدأ التلفزيون الكوبي الذي تديره الدولة ببث مسلسل تمثيلي بعنوان لا أوترا كارا دي لا لونا ("الوجه الآخر للقمر"), ويتعلق في ما يكتشفه الرجل المتزوج من خلال علاقة جنسية مع صديق من الذكور. ووصف المثليون الكوبيون السرد بأنه لحظة محورية في تاريخ كوبا الطويل من التمييز ضد المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسية.

في عام 2012، أصبحت أديلا هيرنانديز أول شخص متحول جنسيا معروف يقوم بشغل منصب عام في كوبا، حيث فازت بالانتخابات كمندوبة لحكومة بلدية كايباريان في منطقة فيلا كلارا.

انتقد فيدل كاسترو في سيرته الذاتية (حياتي) ثقافة ال machismo المعادية للمثلية في كوبا وحث على قبول المثلية الجنسية. وقام بالقاء العديد من الخطب لحث الجمهور على انهاء التمييز ضد المثليين.

في مقابلة مع صحيفة لا جورنادا المكسيكية عام 2010،اعتبر كاسترو اضطهاد المثليين أثناء وجوده في السلطة "ظلما كبيرا، ظلما عظيما!" واعتبر نفسه مسؤولا مسؤولية شخصية عن اي تمييز قد حصل ضد المثليين او المتحولين. وقال كاسترو ان انشغاله من قبل بامور تتعلق بالحياة والموت وباموره سياسية عامة قد اعاقت ايلاءه الاهتمام المناسب لموضوعات المثلية والتحولية. وقال كاسترو إن المعاملة السلبية للمثليين في كوبا هي مخلفات للثقافة الجنسية ما قبل الثورة.

ومن الجدير بالذكر أن المدينة الكوبية سانتا كلارا تستضيف عرضا رسميا كل مارس لملكات التنين وملكة جمالهن والمعروفة باسم ملكة جمال ترانسفيستيت (6).
(شهدت سانتا كلارا سلسلة من الأحداث في أواخر ديسمبر 1958 التي أدت إلى الاستيلاء على المدينة تحت قيادة تشي غيفارا. و في غضون 12 ساعة من الاستيلاء على المدينة هرب باتيستا من كوبا وحققت قوات فيدل كاسترو النصر)

كما ان المستشفيات الكوبية مستمرة في اجراء الجراحة الجنسية وبالمجان للمتحولين جنسيا (7).

لذا نستطيع الاستنتاج ان ملاحظات مولينو ليست غير دقيقة فقط, بل وخاطئة بالكامل.
..................
المصادر
1. https://www.google.at/search?q=mariela+castro+photos&client=firefox-b&dcr=0&tbm=isch&source=iu&ictx=1&fir=fPNy1jS5my6gsM%253A%252Ckl-CPYvabbL3CM%252C_&usg=__Lfr1DcUWjhDvqOSrpTfL22Y5l7U%3D&sa=X&ved=0ahUKEwiw9PuRnuXXAhUSI-wKHfc5DH8Q9QEIMTAA#imgrc=_
2. Does Leninism lead to Stalinism?
John Molyneux
http://johnmolyneux.blogspot.co.at/2017/
871/5000
3. "Homosexuality, Homophobia, and Revolution: Notes toward an Understanding of the Cuban Lesbian and Gay Male Experience", Lourdes Arguelles and B. Ruby Rich, Signs, "The Lesbian Issue (Summer, 1984)", vol. 9, no. 4
4. Machos, Maricones, and Gays: Cuba and Homosexuality, by Ian Lumsden. Philadelphia: Temple University Press, 1996
5: Carlos Sanchez, ILGA LAC rep tells us about his Cuban experience", International Lesbian, Gay, Trans and Intersex Association, 12/3/2004
6. Cuba’s gay community comes out of the closet
https://www.usatoday.com/story/news/world/2016/07/10/cubas-gay-community-comes-out-closet/86662268/
7. Cuban enjoys new benefit of free sex-change operation
http://edition.cnn.com/2011/WORLD/americas/06/01/cuba.sex.change/