سقوط الأقنعة(8 ) العداء بين إيران وكلا من إسرائيل والولايات المتحدة( الجزء الثاني )

فتحي علي رشيد
2017 / 11 / 30

كنا قد ختنما البحث الاول بالتأكيد على ان أن الأمر الجوهري في الاتفاق النووي مع ايران , أوالصفقة . يتضمن التزام إيران , بتجميد أنشطتها النووية التي يمكن أن تؤدي إلى صنع قنبلة نووية فقط . مقابل عدة أمور تقدمها تلك الدول لإيران " . وهي
أولا :السكوت على جميع أنشطتها العسكرية الأخرى , مثل صناعة الصواريخ المتوسطة وبعيدة المدى والباليستية (والتي تهدد فقط البلدان العربية خاصة السعودية والخليج ) . ثانيا : السكوت على التدخلات الإيرانية في الشرق الأوسط .ثالثا :الاعتراف بمصالح إيران الحيوية في الشرق الأوسط . رابعا : الاعتراف بدورها الفعال في المنطقة .خامسا :اعتبار إيران شريكا في حل جميع أزمات الشرق الأوسط ( بما فيها الأزمة السورية واليمنية والعراقية واللبنانية والكردية والأذربيجانية والأرمنية حتى القبرصية ). مما يعني سادسا : إطلاق يد إيران في جميع بلدان المنطقة .وسابعا : الاعتراف والتسليم بحقها في التدخل في المنطقة مستقبليا . وهذا ما يعني في المحصلة الفعلية والنتيجة : الموافقة على تحول إيران إلى شرطي في الشرق الأوسط . كما كانت في حلف بغداد عام 1955 وعام 1974 ( بعد صفقة الأسلحة التي قام بها الشاه مع كلا من أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية ) وذلك كي تقوم إيران بالنيابة عن كل من أمريكا وروسيا والغرب ومن خلفهم إسرائيل (الغائب شكلا والحاضر مضمونا وبقوة ) على تحطيم العرب وتمزيقهم .وهذا ما أرضى ويرضي حتى اليوم كلا من إسرائيل وأمريكا والدول الغربية وروسيا .ونحن إذا ربطنا ذلك برفع العقوبات الاقتصادية التي فرضت على إيران منذ عام 2006 . نجد أن الاتفاق النووي أتاح لإيران إمكانية الاستفادة من وتشغيل تلك الأموال المجمدة في البنوك الغربية منذ ست سنوات , والتي تزيد عن 400 مليار دولا في تفعيل جميع انشطتها العسكرية والصاروخية (3 ) . والأهم لتمويل نشاطات مليشياتها المليئة بالحقد والكراهية على كل ماهو عربي ,ولكي تعبث وتخرب وتدمر وتفعل ما تشاء ويحلو لها . وهذا ما مارسته تلك المليشيات فعلا وبقوة وبشكل وقح وفظ , خلال السنوات السبع الماضية في كل من العراق وسوريا والبحرين والكويت والسعودية واليمن وكركوك ,تحت سمع وبصر الإدارة الأمريكية والدول الخمس وغيرها .مما يؤكد فعلا على أن المستفيد الثاني من الاتفاق بعد إسرائيل هي إيران وهذا هو جوهر ولب ماتتضمنه بنود الاتفاق "أن تلعب إيران دور الشرطي في المنطقة " , ومليشياتها دور الهراوة لكسر ظهر العرب وتشتيتهم وتمزيقهم ,بدلا من أو بالتعاون غير المباشر مع إسرائيل وبما يخدمها (دون لإشارة إلى ذلك حرفيا )
والواقع يظهر ويبرهن على أن إسرائيل والغرب وأمريكا وروسيا كانت وما تزال المستفيد الرئيسي من إبقاء الدول العربية واقعة في دائرة التهديد المستمر والمباشر من قبل إيران ومليشياتها كونه يبعد الدول العربية وشعوبها عن التفكير أوعن تذكر التهديد الإسرائيلي .أو العمل للتحرر من الهيمنة الغربية .
ومن المهم في تقديري لفت الانتباه إلى أن الدول الموقعة على الاتفاق حققت أكبر الفوائد من الدور الإيراني القديم ـ الجديد , كونه قام ويقوم بابتزاز واستنزاف الدول العربية عسكريا وماليا وسياسيا .
فنحن إذا دققنا في قيمة الأسلحة والذخائر التي اشترتها الدول العربية من الدول الغربية وأمريكا خلال السنوات الخمس وثلاثون الماضية نتيجة لممارسات إيران العدوانية , لوجدنا أنها تزيد عن ثلاثة تريليون دولار . أما إذا حسبنا ما ربحته شركا ت النفط العالمية خلال الحرب العراقية مع إيران .(حيث انخفض سعر برميل النفط عام 1980 من خمس وثلاثون دولاراً إلى عشر دولارات , 25 x.30 مليون برميل ( مليار ونصف دولار يوميا ) x.365.x8 سنوات من الحرب .) )وخلال السبع سنوات الماضية من 100 دولار إلى خمسين إي (30 مليون برميل .x 50 دولار x.365 يوم .x سبع سنوات ) إضافة للخسائر التي نجمت أثناء العدوان على العراق عام 2003 . نجد أن المجموع يزيد عن سبعة تريليون دولار .فأي عمل أوظيفة أو خدمة يمكن أن تقوم بها قوة في العالم , أفضل وأنجع وأربح وأجدى مما قامت وتقوم به إيران لهذه الدول ؟
وهذا هو سر حرص كل هذه الدول على عدم تغيير النظام الإيراني , لا بل الى الحفاظ عليه والسكوت على جميع أفعاله . وهو ما يعاكس ما يزعمه ترامب ؟ ولو كان جادا لما عرض مشروعه على الكونجرس.ولما تمخض ـ فقط ـ عن مجرد عقوبات مالية على بعض الأفراد والكيانات الإيرانية .
ونحن نعرف كما يعرف الكونغرس أن إيران تمتلك إمكانيات بشرية خارقة .فلو اجتمعت أمريكا والدول الغربية وروسيا لتجنيد خمسة ملايين مقاتل ( حتى لو كانوا حفاة ) .كما فعلت إيران فلن تقدر على ذلك . باعتبار أنه يوجد في إيران والعراق وجنوب لبنان وأفغانستان ملايين العاطلين عن العمل , ولا ينقصها سوى حقن أدمغتهم بفكرة أن الوقت قدحان للانتقام من قتلة الحسين , وهكذا تم ويتم تحويل نقمتهم على أوضاعهم المعيشية المتردية , وسوء أحوالهم الاجتماعية والنفسية , وتخلفهم الفكري والسياسي (بسبب أنظمتهم التابعة ) .وبدلا من توجيه نقمتهم على الغرب وأمريكا وإسرائيل , يتم تحويلها ـ ببساطة ـ إلى نقمة وعداوة للعرب ,خاصة السنة . لأنهم ـ حسب زعم ملاليهم ـ قتلوا الحسين . فيصبحون مستعدون للموت انتقاما للحسين ,وللأخذ بثارات آل البيت , فيقتلون ويدمرون وينهبون ويشبحون ويسرقون ويغتصبون ويرتكبون أبشع الموبقات دون أي رادع من ضمير أو أخلاق طالما أن ذلك للثأر للحسين وآل بيت رسول الله ؟
فهاهو( الحاج ) قاسم سليماني يتنقل بحرية من مكان لآخر يقود المليشيات المسعورة . تراه في كل مكان , تارة في بيروت وتارة في دمشق وحلب والرقة , وتارة في الموصل وتلعفر وتارة في كركوك وأربيل وميليشياته الهائجة تضرب ضرب عشواء . ولهذا باتت إيران بسبب حرية الحركة والصمت وغض البصر ( مع تقييد حركة الحلفاء والأصدقاء ) الأقدر على الحركة والعمل والفعل, وإلى ارتكاب أبشع الموبقات التي تعجز أمريكا وإسرائيل عن ارتكابها ضد البلدان والشعوب العربية خاصة الثائرة على حكوماتها الاستبدادية ,العميلة للامبريالية .وبالتالي تحقيق انتصارات إلهية على العرب والسنة ,قتلة الحسين .
ماذا تريد أمريكا وإسرائيل والغرب (ومن ورائهم ضباع الصين واليابان وروسيا ) أكثر وأفضل من ذلك ( تعبئة بشرية وفكرية للتدمير والقتل ) ؟؟؟ وإذا كانوا جميعهم ( كما بينا )مستفيدين من تدمير الوطن العربي ماديا واقتصاديا وبشريا وفكريا ومعنويا وسياسيا لابتزازه ونهبه وتدميره وإعادة بنائه . فإن إيران تستفيد إضافة لذلك أمنيا وأيديولوجيا وسياسيا وبشريا حيث تحتوي فقراء شعبها وتناقضات قومياتها العديدة .وتنفس أحقادهم وتشعرهم بالنصر على الأعداء "قتلة الحسين " فيهدؤون .وتتجنب الهزات والاضطرابات السياسية ضدها .
نخلص مما سبق إلى أن هناك تلاقي قوي ومتين وعميق في المصالح والغايات بين الطرفين .لذلك نجد استنادا لما يثبته الواقع : أنه لا مصلحة للطرفين في نسف الاتفاق . طالما أن البلدان والشعوب العربية هي الوحيدة ,المتضررة منه . ومن كل ما جرى منذ قيام الثورة الخمينية وحتى اليوم . وهذا هو سر الصمت وطول بال الغرب وأمريكا والدول الخمس تجاه جميع أنشطة إيران في المنطقة وسر صمت وبقاء إسرائيل متفرجة طالما أن إيران ومليشياتها ينفذون لها ما تعجز عن القيام به , دون أن تلوث أيدي جنودها ؟
ونحن هنا لا نتجنى على إيران بما يمكن أن تفعله بنا في المستقبل ( بسبب الرضى الخفي وغير المعلن للغرب وأمريكا وروسيا وإسرائيل )بسبب أنها ومليشياتها باتت القوة الوحيدة القادرة على الحركة والتنقل بسرعة من مكان لأخر متجاوزة الحدود والقرارات والقيم وميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان دون أي رادع .وجاهزة للقيام بأعمال أسوا مما فعلت وتفعل داعش بمائة مرة .
ومن الطبيعي والحال هكذا ( صمت وتشجيع ودعم امبريالي صهيوني ) أن تحرز إيران ومليشياتها مستقبلا انتصارات باهرة تعزز مواقعها أكثر .والأهم أن ذلك يتم من دون خوف من حساب أو مسائلة ودون أي خوف من غضبة جماهيرية يمكن أن تقوم بها جماهيرها أو جماهير تلك الدول , كونها تتم وهي تتفرج ومن دون أن تتلوث أيدي جنودها بتلك الوساخات .
ومن الطريف ومن المفت للنظر , أن نجد من يشجعها ويكيل لها المديح في كثير من الأنظمة والأحزاب والنخب وحتى الشعوب العربية المضروبة على رأسها .
2 : موقع الثورة الخمينية في السياسة الامبريالية :
وهذا طبعا يعيدنا فورا إلى تكملة ما انتهينا إليه في بحثنا السابق حول الغاية من اعتبار الخميني المهدي المنتظر وإعطاء تعليماته وقراراته بعدا إلهيا ,( أي استخدام واستثمار العامل الديني لمصلحة السياسي ) , بما يتيح للخميني ومن يقفون وراءه ممارسة الصلاحيات المطلقة والتي لم يكن حتى الشاه ولا أي ملك في التاريخ يتمتع بها .
وهذا ما يتطلب منا إعادة قراءة ماجرى في إيران بعد انتصار الثورة الشعبية ,بعد أن أرغمت أمريكا الشاه (المريض بالسرطان وهو على حافة الموت )على الخروج من إيران في بداية عام 1979 ومنعه من دخول أراضيها حتى للعلاج ( وإن دخل إليها لاحقا للعلاج بضغط من روكفلر لكنه أُُخرج ليموت في مصر ) .كذلك لابد من التعرف على الطريقة التي تم بها اسقاط حكومة شهبوربختيار( الذي كلفه الشاه بإدارةالأموربعد رحيله ) ثم كيف ولماذا سقطت حكومة مهدي باذرجان المؤقتة بتعاون وثيق بين كلا من المخابرات الأمريكية والسافاك والجيش ( من خلال تحييده ) ,وهو ماأكدعليه ابو الحسن بني الصدر (أول رئيس للجمهورية الإيرانية ) بما خلق فراغا في السلطة في إيران مكنت رجال الخميني من تسلم زمام الأمور بما يتيح للخميني ,النائب عن المهدي المنتظر (الإمام الغائب الظاهر من جديد والمتجلي على الأرض بشخص الرجل الهندي والمسمى أية الله العظمى , روح الله المصطفى ,الموسوي ,قدس الله سره ) ليتسلم حكم إيران ,ومن ثم ليقود كافة المسلمين ليهزم الكفار( الأمريكان والأوربيين والروس والشيوعيين واليهود ) والمشركين (السنة )وأعداء الله (العرب ) وليقيم بعدها العدل السماوي على الأرض ويعيد الحقوق إلى أصحابها (3) .
إن إعادة قراءة كل هذه التفاصيل مهمة وضروية للتأكد من أن أمريكا هي التي جاءت بالخميني وكانت وراء إحضاره , بعد أن أبعدت الشاه , بعد أن أنهى دوره أو بعد أن عجز ( كما فعلت بعارف وبالبكر وصدام حسين , وكما فعلت بعبد الناصر والسادات ومبارك ,وغيرهم ) جائت بمن يقوم بالمهمات الجديدة على نطاق أوسع أفضل منه .
3: الخمينية في الإطار العام للعالم المعاصر :
من المؤكد أن إيران دولة مهمة وكبيرة في الشرق الأوسط ولكنها في التحليل العلمي على نطاق العالم , سواء الحليف أو الشريك لأمريكا تأتي في جميع المجالات (العسكرية والعلمية والنفطية والمالية والبشرية ) في مرتبة متدنية جدا مقارنة بالهند والباكستان والصين وروسيا . لذلك يجب علينا أن لانبالغ لا في قوتها العسكرية ولا في قوة اقتصادها وقوة علمائها وقيادتها (طالما أن دولا كبيرة مثل الصين وروسيا باتت محتواة ضمن السياسة الامبريالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ) , ولا نصدق بالتالي استقلال قراراتها السياسية . وعلينا أن لا نبالغ حتى في دورها في الثورة المضادة للثورة العالمية وفي ضرب الثورات العربية ,فالدور الذي قامت به روسيا لضرب الثورات العربية أهم وأكبر من الدور الإيراني ,استنادا لما قامت وتقوم به سواء في الأمم المتحدة أو باستخدام طائرتها وصواريخها المجنحة وبوارجها ودبلوماسيتها للحفاظ على الأنظمة التابعة للامبريالية .
وعلينا أن نعرف إن أمريكا كما إسرائيل (كدول براجماتية ) لايهمها ما تقوله إيران وما ترفعه من شعارات بل يهمها الفعل وما يجري على الأرض .وكل الشتائم التي تكال لها في الصحف ووسائل الإعلام والفضائيات , وشعارات مثل الموت لأمريكا وإسرائيل ( كما المواقف الروسية المعارضة ) لاتعني لها شيئا طالما أنها ضرورية لجعل الشعب الإيراني وحلفاء إيران يلتفون حول حكومات وأحزاب تنفذ (أجنداتهم ) أهدافهم السياسية والاقتصادية والعسكرية على الأرض .
4: وضع "الخمينية " في الثورة العالمية المضادة المضادة للثورة :
نستطيع أن نؤكد على أن العالم (الدول والشعوب ) منذ عام 1949 قد انقسم إلى صفين ,صف مع أو تابع للحلف الأمبريالي الرأسمالي , وصف مؤمن بالاشتراكية والتحرر كطريق لإقامة العدالة الاجتماعية .وما يقال عنه عالم ثالث أو خط ثالث ( في تقديري بات لاوجود له ) لم يكن إلا حالة مؤقتة أوانتقالية متأرجحة بينهما . ومنذ أن تبنى خروتشوف سياسة التعايش السلمي أصبح التنافس بين الطرفين يقوم على دفع تلك البلدان والشعوب إلى صف أحدهما . ولقد أكد" روي " زعيم الحزب الشيوعي الهندي منذ عام 1919 أن الرأسمالية تزحف على بطنها فإذا فصلت الأطراف ( بلدان وشعوب إفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية ) والبطن عن الرأس (أوروبا وأمريكا وكندا واليابان )من خلال تحررها , فإن الامبريالية والرأسمالية سوف تسقط . حينها يمكن أن يفتح الباب لإقامة نظام عالمي جديد أكثر عدالة . وهذا ما كانت الدول الامبريالية تخشى منه , لذلك عملت منذ ظهور السوفييت على منع تحرر هذه الدول ومنعها من تبني الاشتراكية , وعلى الحفاظ على ـ أو العمل على منع تغييرأو إسقاط جميع تلك الأنظمة المهيمنة والتابعة لها . وبما أن شاه إيران كان يواجه حركة وطنية ديمقراطية ذات طابع يساري كادت أن تسقطه لذا فإن هم أمريكا كان هو كيفية منع هذا التحرير والتحول نحو اليسار في إيران والمنطقة والعالم .
من هنا وجدت في الخميني الذي كان يرفع شعار إقامة دولة إسلامية ويجمع حوله كثير من الملالي والفرس والشيعة المتعصبين . مناسبا لمنع ولضرب هذ التوجه العالمي نحو الاشتراكية. وهوما يشكل استمرارا للإتجاه العام الذي قادته الامبريالية للقضاء على القوى اليسارية والديمقراطية من خلال المجيء بالسادات في مصر والنميري في السودان وصدام في العراق والأسد في سوريا والقذافي في ليبيا وسوهارتوا في اندنونيسيا , وإسقاط أنديرا غاندي في الهند , وعلي بوتو في الباكستان ..إلخ وكلهم نجحوا في تدمير كل مايسمى يسار في بلدانهم ( القاسم المشترك الأعظم بينهم ) . مما مكن الدول الأمبريالية وعلى رأسها (و يقودها ) كلا من بريطانيا والولايات المتحدة واليمين الأوروبي , من البدأ بالهجوم المعاكس المضاد على الثورة العالمية والحركات العمالية ( خاصة المناهضة للعولمة ) في بلادها , وتجسد ذلك بصعود مارغريت تاتشر ( المرأة الحديدة في بريطانيا عام 1979 ) ضد العمال , ومن ثم ظهور اليمين الأمريكي بزعامة رونالد ريغن عام 1982 ,والبدء بما سميت حرب النجوم ,وإقامة الصواريخ النووية متوسطة المدى في ألمانيا , وصعود نجم البابا في كل أوروبا ) , ومن ثم الهجوم على جميع البؤر الثورية العالمية المناهضة للامبريالية في بلدان العالم الثالث . وهنا نشير إلى أن صفقة الأسلحة التي قام بها الخميني مع أمريكا والمعروفة بفضيحة إيران غيت والتي تم بمقتضاها مد عصابات الكونترا بالمال والسلاح لإسقاط الحكومة السنديكانية التي زعم أنها أصبحت موالية لموسكو , يشير إلى ضلوع الخميني وأنصاره في الثورة المضادة التي كانت تقوم بها أمريكا ضد اليسار العالمي ) ) . وهنا لابد من التأكيد على أن الحركة الثورية العالمية وبخاصة الاشتراكية في روسيا قد وصلت إلى مايمكن أن نطلق عليه جدراً مسدودا خاصة بعد الترهل والفشل في إحداث ثورات في العالم الثالث , وفي التحول نحو الاشتراكية والتناقضات داخل المنظومة , لذا كان لابد من أن تسقط .
وهنا نذكر من لا يذكر أن ريغن بعد اتفاقه السري مع الخميني ( كما يؤكد على ذلك ابو الحسن بني الصدر أول رئيس للجمهورية الإيرانية في عهد الخميني ) تم الإفراج عن الرهائن المحتجزين في السفارة الأمريكية مقابل مد إيران عن طريق إسرائيل وعلى وجه السرعة بصواريخ إمريكية متطورة لمواجهة جيش العراق ( صلب فضيحة الكونترا أو إيران غيت ) . وهوالاتفاق الذي أدى إلى تمكن الخميني أولا من التشدد في مواجهة العراق .واستمرار الحرب ضده , ومن ثم للقضاء على خصومه خاصة اليساريين والشيوعيين المعارضين للحرب وعلى رأسهم رئيس الجمهورية الإيرانية أبو الحسن بني الصدر الذي كان يتمتع بشعبية أكبر من شعبية الخميني . وهذا ما جعل من إيران الإسلامية تصبح سدا منيعا في وجه إي تحول نحو الاشتراكية خاصة بعد الغزو السوفييتي لأفغانستان .
فالاتفاق بين ريغن والخميني ( استنادا لبني الصدر ) ينص على أن يفرج الخميني عن الرهائن الأمريكيين مقابل أن تمد إسرائيل ( عدوة الخمينيين المزعومة ) إيران على وجه السرعة بأسلحة وصواريخ متطورة . وهذا ما فتح الباب لاستمرار الحرب على العراق وإشغال العرب بها , وهكذا استفادت إسرائيل من هذه الحرب لتشن هي حرب شاملة على لبنان عام 1982 لإخراج المقاومة الفلسطينية . وهكذا فقط بعد أن رفض الخميني دعوة دول عدم الانحياز وقبول صدام , وقف الحرب (باعتبار أن الامبريالية وإسرائيل هما المستفيدتان من استمرارها ) واجه العرب عام 1983 تدميرا وتمزقا وتشتيتا ( انهاءً للمقاومة الفلسطينية المسلحة في الخارج , وانقسام بين مؤيدين للعراق أو لإيران ) .وبدأنا نشهد هزائم متتالية لحركات التحرر الوطني العربية كلها ,توجت بالهجوم على العراق عام 1991 ثم مؤتمر مدريد (كاستمرار لاتفاقيتي فصل القوات في الجولان وسيناء اللتان شكلتا مقدمات لاتفاق كامب ديفيد عام 1978 ) ثم اوسلو ..إلخ. وظهور حركة جيهان الغيبي في السعودية عام 1979 والداعية الى القضاء على الشيوعية في العالم , ودعوة المسلمين إلى الجهاد في أفغانستان ضد التدخل السوفيييتي عام 1979 بدلا من الجهاد ضد الصهاينة في فلسطين المحتلة .وهذا ماشجع ريغن على القول "أنه سوف يلقي بالشيوعية في مزبلة التاريخ " وفعلا نجح في ذلك .
وبالفعل بعد سيطرة كلا من الخميني وريغن وتاتشر وشارون ,في عام 1983 وضمن السياق العام السابق المعادي للثورة الوطنية الديمقراطية في العالم (تحت واجهة محاربة الشيوعية واليسار ) برز نجم الخميني كحامل لتيار إسلامي جديد .
وهنا نشير إلى أن أمريكا في إيران كانت في نهاية عام 1978 أمام خيارين : إما أن تحافظ على الشاه وتواجه الثورة التي قد توصل اليسار الإيراني إلى الحكم . وإما أن تتحالف مع الإسلاميين بقيادة الخميني . فوجدت أن الخيار الثاني هو الأنسب لها .ولهذا أرغمت الشاه المريض بالسرطان على التخلي عن الحكم ومغادرة إيران , ومن ثم تسلم حكم إيران للخميني بدلا منه , ليقوم باسم الله (من خلال نائب المهدي المنتظر المتجسد في الإمام المعصوم قدس الله سره ) وباسم الدين بما عجز الشاه عن القيام به في قمع الثورة الوطنية الديمقراطية .
بمعنى أنه لايجوز لنا النظر إلى ماجرى في إيران منذ بداية شباط لعام 1979 . وخاصة بعد تسلم الخميني حكم إيران المطلق عام 1983 , وما جرى بعد ذلك من أحداث في إيران والمنطقة ( الحرب العراقية الإيرانية والحرب على لبنان والمقاومة الفلسطينية ) بمعزل عن الثورة العالمية المضادة لحركات التحرر الوطني في العالم , ولا عن صعود اليمين المتطرف في كلا من أمريكا وبريطانيا وأوروبا الغربية .بل لابد من اعتبار ماجرى في إيران من ردة نحو اليمين والظلامية , حلقة في سلسلة من الحلقات المتتابعة التي جرت في كثير من دول العالم خلال عشرين عاما أدت في النهاية في عام 1990إلى إنهاء الاتحاد السوفييتي والمنظومة الإشتراكية والانتهاء من جميع حركات التحرر الوطني في العالم ,وإخراس جميع الحركات العمالية والشبابية واليسارية في أوروبا والعالم . ومن ثم سيادة الأمبريالية المتوحشة أو مابات يسمى القطب الواحد تحت إمرة وقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها الصهيونية العالمية .
ومع ذلك لابد من الإشارة إلى أن إيران وإن كانت حلقة في سلسلة إلا أنها تتمتع بخصوصة معينة وأهمية خاصة بل ـ استثنائية .
5: خصوصية إيران :
تقع إيران في منطقة جغرافية بالغة الحساسية ,فهي من جهة جارة لروسيا وتركيا والعراق وهي دول قوية وذات تاريخ عريق مثل إيران , وكذلك جارة لأفغانستان والباكستان المضطربتين . وتطل على خليج يحتوي على أهم منابع النفط والغاز ويمتلك أكبراحتاطي منهما كما أنها تعتبر خامس دولة في انتاج الغاز والنفط ( أول دولة يكتشف فيهاالنفط والغاز ) .كما تطل على مدخل ومخرج تخرج منه سفنا تحمل حوالي ربع تجارة العالم . لذلك فإنها كانت وما تزال تتمتع بأهمية استراتجية وسياسية واقتصادية وتجارية وعسكرية لاتتمتع بها دول كثيرة مثل الباكستان والهند والصين لذلك عملت كلا من بريطانيا وروسيا ومن ثم أمريكا وجميع دول أوروبا وخاصة ألمانيا وفرنسا على أن يكون لهم فيها موطئ قدم أو نفوذ سياسي .وبما أن أغلب أراضي إيران هي عبارة عن هضاب وجبال وعرة لذلك كانت عصية على الاحتلال المباشر, حتى أن بريطانيا في عز قوتها لم تتمكن سوى احتلال بعض المناطق الساحلية , كما روسيا في اشمال . لذلك كانت تحرص جميع الدول على أن يكون لها نفوذ سياسي أواقتصادي أو ثقافي .بينما عملت بريطانيا التي سيطرت وحدها تقريبا على مقدرات وموقع إيران على إبقاء شعبها الفقير يعيش في ماقبل التاريخ من خلال تغذية الفكر الديني الظلامي , وتمكين رجال الدين ممثلين بالملالي من أن يحكموا الناس في المناطق والأماكن النائية والمهمشة في المدن ( مدن الصفيح) . من خلال تثبيت وتعميق فكرة تقبل الفقروالحرمان والتهميش ,بإنتظار مشيئة الله حتى يبعث المهدي المنتظر ليخلصهم مما هم فيه وهكذا عندما رأت الإدارة الأمريكية أن حكم رضا بهلوي آيل إلى الانهيار جعلت الخميني يتقمص شخصية نائب أو وكيل الإمام الغائب المعصوم ( الولي الفقيه ) . ومن هنا اكتسب الخميني وإيران إهمية استثنائية ,لدى الإدارة الأمريكية , خاصة بعد أن تبنت وجهة نظر الصهيوني فرنسيس فوكوياما في تحويل الصراع من صراع مع الاشتراكية بعد سقوط النظام الإشتراكي .إلى صراع بين الأديان . وكونها البلد الوحيد الذي أعلن عن نفسه دولة إسلامية , ويتبنى 95 % من ابناء شعبه المذهب الشيعي بينما نسبتهم في بلدان أخرى حتى في لبنان والعراق لاتزيد عن 40% .
6: الثورة الوطنية الديمقراطية في إيران :
عندما قام الشاه أحمد آخر ملوك الأسرة القاجارية ( الفارسية ) على الانكليز عام 1919 سعت بريطانيا لإزاحته وجعلت أحد أفراد الأسرة البهلوية " رضا بهلوي " يتسلم الحكم رسميا عام 1926. ولما سعى هذا بعد نشوب الحرب العالمية الثانية إلى التقرب من ألمانيا كما فعل رشيد عالي الكيلاني في العراق ,للتخلص من النفوذ الإنكليزي أزاحتة بريطانياعام 1941 وعينت بدلا منه ابنه محمد رضا بهلوي .وبما أن النخب الإيرانية العلمانية الوطنية واليسارية كانت الوحيدة التي تعمل ضد بريطانيا ( حيث وقف عملاء الغرب ورجال الدين خلف الشاه ) على الأرض فرصت صفوفها وتوقفت خلف محمد مصدق الذي أطاح بالشاه وسعى إلى التحرر من التبعية للغرب والسيطرة على مقدرات إيران . وسعى لبناء إيران وطني ( يسيطر على ثرواته وموقعه ) علماني ديمقراطي .وهنا تحركت المخابرات المركزية فأطاحت به وأعادت الشاه لحكم إيران ( عام 1953 ) وهكذا تحولت إيران من النفوذ البريطاني إلى النفوذ الأمريكي غير المباشر كما في مصر وسوريا وأغلب الدول العربية , وتركت المجال للشاه ليطور وضع البلاد من خلال التوجه الرأسمالي ( التبعية للأمبريالية ) وليوطد حكمه تركت له المجال ليقوي النزعة القومية الفارسية ويتزعم حلف بغداد عام 1955 , ثم ليحتفل عام 1971 بالذكرى 2500 لقيام الأمبراطورية الفارسية .ثم ليتمكن عام 1974 بعد الفورة النفطية ( ارتفاع أسعار النفط بسبب قطع الدول العربية النفط في حرب تشرين ) من أن تقوية جيشه ليصبح خامس جيش في العالم وليصبح شرطي المنطقة بلا منازع ,حيث امتلك طائرات حديثة وحوامات يطال مداها دائرة قطرها ثلاثة آلاف كم .
وهنا نسأل هل كان من الممكن لأمريكا أن تتخلى عن الشاه لولم تجد من يقوم بهذه المهمة أفضل منه ؟ وهذا يقودنا تلقائيا للبحث في كيفية تحول الثورة في إيران من وطنية ديمقراطية إلى دينية فاشية (4)اوجز بما يلي :
منذ أن تسلم الشاه محمد رضا بهلوي حكم إيران .نستطيع القول أن غالبية أبناء الشعب الإيراني كانت ضد الشاه باعتباره عميلا لأمريكا والغرب , كما ضد الهيمنة البريطانية والأمريكية على مقرات إيران خاصة النفط , لذلك كانت تطمح أولا إلى التحرر من الهيمنة الاستعمارية المباشرة (البريطانية ),ومن ثم الأمريكية غير المباشرة . وثانيا إلى إحداث عملية تنمية تؤدي إلى بناء مجتمع يسود فيه الحد الأدنى من العدالة والمساواة .
لذلك يفترض بنا أن لانطلق إسم ثورة على أي حركة إن لم تنجزهذين الهدفين معا .واستنادا لذلك يمكن أن نطلق على الثورة الإيرانية التي بدأت عام 1952 وأوصلت محمد مصدق إلى الحكم ,مصطلح ثورة وطنية ديمقراطية . ( كما جرى في مصر وأغلب بلداننا العربية في تلك الفترة وحتى اليوم طالما لم تنجزأهدافها بعد ) لكن أمريكا استطاعت أن تفشل تلك الثورة عام 1953 من خلال انقلاب قامت به مخابراتها عن طريق الجيش ,وأعادت من خلاله الشاه إلى حكم إيران .( وهذا مالم يحث في مصر بعد أن أبعد الملك فاروق ) وعلى الرغم من سجن واعتقال أوهروب أغلب قادة تلك الثورة إلاأن جذوتها ظلت تغلي في الأعماق ,حيث تبنتها قوى وأحزاب عديدة (حوالي ثلاثين حزبا ) كان في مقدمتها الأحزاب اليسارية مثل فدائييي الشعب الإيراني ومجاهدي خلق وحزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي انشأه محمد مصدق , في حين ظل الشيوعيين( تودة ) والملالي بما فيهم الخميني ذاته على الحياد أو وقفوا مع الشاه. والخميني , استنادا لماقاله أبو الحسن بني الصدر في مقابلة أجراها معه خالد الرشد على محطة روسيا اليوم . أرسل عام 1963 إلى الشاه رسالة "يدعوا فيها ربه أن لا تقوم أو تنجح الثورة " كونها ستكون ثورة يسارية ديمقراطية . وهكذا أخمدت بقسوة بسبب وقوف رجال الدين بما فيهم الخميني إلى جانب الشاه ضد الثورة . لكنها عادت لتنشب بقوة عام 1977 . (4) ومع أن المخابرات المركزية دفعت الشاه وجيشه إلى إنزال الدبابات إلى شوارع طهران وارتكاب عدة مجازر وجعلت السافاك ( المخابرات الإيرانية) تعتقل حوالي مئة ألف ثائر يساري ) إلا أن لهيب الثورة لم يتوقف بل تصاعد أكثر. عندها ,لم تجد أمريكا بدا من التخلي عن الشاه المريض بالسرطان والذي قد يموت في أي لحظة , وجعلت شابور بختيار يتولى الحكم مؤقتا , وهنا وبشكل لافت للنظر قامت صحيفة كيهان التابعة ل "لسافاك " بالهجوم على الخميني (المنسي )وتحميله مسؤؤلية الثورة .مع أنه كان يعيش في فرنسا بعيدا عما يجري في إيران وضد كل مايجري فيها لآن اليساريون والعلمانيون هم الذين كانوا يقودون الثورة .فجعلت منه شخصية أسطورية . ثم أمرت عميلها "بختيار" بالسماح للخميني بالعودة .على أمل أن ذلك سيهدأ الثورة بعد أن شارك فيها رجال الدين بأوامر من أمريكا .
ولقد قدم ابو الحسن بني الصدرفي كتاباته ومقابلاته العديدة كثير من القرائن والاثباتات و الدلائل التي تؤكد على أن المخابرات الأمريكية منذ قيام الثورة في إيران ,كانت تجري اتصالات سرية مع الخميني (حيث كان بني الصدر يرافقه طيلة فترة وجوده في باريس ) وتقنعه بتسلم السلطة بدلا من أن يتسلمها أعداءه اليساريين والديمقراطيين الإيرانيين .
وهنا كما يشير بني الصدر فإن الخميني كان يخشى من العودة خوفا من أن تنسف طائرته وهو في الجو ,أو أن يتم اعتقاله بمجرد ما أن تطأ قدماه الأرض . بما يفهم منه أنه لم يكن على دراية بما يجري في إيران وبما تخطط له أمريكا , وهو ما يؤكد على أنه لم يكن سوى واجهة لما كانت المخابرات المركزية عن طريق الجيش والسافاك تخطط له ,( كما فعلت عام 1953 ) حيث أمرتهم أن يقفوا على الحياد ويتوقفوا عن عمليات الاعتقال والقتل . وهكذا وجد الخميني ما يشجعه على العودة لإيران ( ويؤكد بني الصدر أن له كان الدور الحاسم في اقناع الخميني بالعودة ) . وهكذا وجد الآرضية مهيأة ليعود إلى إيران ويصبح رغما عنه في واجهة السلطة , بما يمكن المخابرات الأمريكية عن طريق السافاك باسم الدين وباسمه وبإسم المهدي المنتظر , ومن خلفهم من الفتك بالثورة وباليسار الإيراني( المشركين والكفار كما يقول الجفر في آخر الزمان ) .ومن ارتكاب أبشع المجازر بحق الثوار(الوطنيين والديمقراطيين واليساريين والتقدميين الإيرانيين ) . وهو ما كانت تخشى السافاك من القيام به في عهد الشاه . حيث كما يقول بني الصدر تم إعدام وقتل حوالي مئة ألف معتقل من اليساريين الذين كانوا في السجون في عهد الشاه , دون محاكمات . كما تم إعدام حوالي 500 شخصية بارزة في الجيش والدولة قدمت المخابرات المركزية أسمائهم للخميني . على اعتبار أنهم من المخابرات السوفيتية السرية .ومع نهاية عام 1979 حتى عام 1981 , استنادا لما قاله ابو الحسن بني الصدر. ولما أكد عليه الفريق رعد الحمداني رئيس الحرس الجمهوري لصدام ( وهذا ماتؤكده الأحداث الموثقة اعلاميا ) جرت مسرحية اعتقال الرهائن الأمريكيين , وتم إغلاق الملحقية التجارية لإسرائيل في طهران, وفتحت سفارة لفلسطين بما يوحي لجميع الناس أن الثورة هي ضد أمريكا وإسرائيل .وهنا أمرت أمريكا ( حسب اللواء رعد ) صدام بالهجوم على إيران , بما يجعل الخميني يظهر كما لوكان مستهدفا من عملاء أمريكا , بينما الحقيقة حسب الوقائع الجارية على الأرض ـ تثبت أن تلك الحرب جرت بتوجيه من المخابرات الأمريكية , بما يمكن الطرفين العراقي والإيراني (صدام والخميني ) من تصفية خصومهم في البلدين , من خلال الحرب ,بحجة رفضهم الدفاع عن وطنهم ( وهو ما يثبت أن الرجلين من خلال الحرب التي وصفت بالعبثية والمجنونة ,والتي استمرت ثماني سنوات ) نفذا أهم ماتريده كلا من أمريكا وإسرائيل ) . وهكذا قتل في تلك الحرب على جبهات القتال ,حوالي مليون إيراني ونصف مليون عراقي . وكما يؤكد بني الصدر ( رئيس الجمهورية الإيرانية سابقا ) اثناء المعارك على الجبهة تمكن رجال السافاك بعد أن أطالوا ذقونهم ولبسوا العمائم من تصفية (قتل أو اعتقال أو سحل ) مايزيد عن نصف مليون إيراني مدني في الداخل (كل علماني أو تقدمي أو يساري ) في مختلف المدن والقرى الإيرانية في فترة الحرب التي استمرت ثمان سنوات الأمر ذاته حصل في العراق . ومع أن الحزب الشيوعي الإيراني لم يشارك في الثورة وبقي على الحياد كي لايتم البطش به ( بناء على معلومات مقدمة له من المخابرات السوفيتية (الكي ب جيه )كما نقل لنا باقرابراهيم عن لسان مسؤول الجزب (5 ) ) , إلا أن السافاك رتبت عملية إعتراف مفبركة قام بها قادة الحزب وقادة في الجيش قالوا فيها أنهم كانوا عملاء للسوفييت . وهكذا جرى إعدام وقتل أو اعتقال كل من يعرف أو يتهم بأنه شيوعي , وكما قال باقر ابراهيم عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي بأن المسؤول عن التظيم في حزب تودة ( الشيوعي ) أكد له على أنه بعد تسلم الخميني البلد لم يبقى في إيران كلها شيوعي واحد " فهم إما اعدموا أوانتهكت أعراضهم أو نهبت بيوتهم وممتلكاتهم وسحلوا أو علقوا على أعواد المشانق , وإما أجبروا على التوبة , أوعلى الهرب تاركين بيوتهم وأملاكهم وأرزاقهم .كما فعل صدام حسين بأغلب الشيوعيين واليساريين العراقيين في ذات الوقت .
6:سياسة الاحتواء المزدوج لهنري كسينجر :
يؤكد أغلب المتتبعين لما جرى في العراق عام 1979 يؤكدون على أن أمريكا كانت وراء إزاحة صدام حسين , لحسن البكر ومن ثم شن الحرب على إيران بحجة منع تصدير الثورة والقيام بحركة استباقية تمنع إيران من الهجوم على العراق ,ويبرهن الفريق رعد الحمداني ( قائد الحس الجمهوي العراقي ) وابو الحسن بني الصدر كما بينا سابقا .أن أمريكا سعت من وراء الحرب ومن استمرارها تحقيق جملة أهداف ذكرنا بعضها (بيع الأسلحة , وخفض أسعار النفط , وفتح المجال لإسرائيل لشن الحرب على لبنان ,وتوجيه أنظارالعرب عما يجري في الساحة العربية والفلسطينية من تنازلات . والقضاء على المد الوطني واليساري , خاصة الشيوعي في البلدين .والأهم تمتين مواقع أمريكا في البلدين من خلال تقديم الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية عن طريق طائرات " الاواكس " الاستراتيجية المخصصة للإستطلاع , لكلا البلدين بما يجعل الحرب تستمر دون أن يتمكن أي طرف منهما الانتصار على الأخر. وهي السياسة التي رسمها الصهيوني الأمريكي " هنري كسينجر " (يهودي من أصل بولندي ) والذي أصبح رئيسا لجهاز المخابرات ومجلس الأمن القومي الأمريكي .والتي أطلق عليها سياسة "الاحتواء المزدوج " للبلدين بما يؤدي إلى تدمير البلدين والشعبين إلى أقصى درجة ممكنة , وبما يجعل الدول والشعوب العربية تصطف إلى جانب أحد الطرفين بما يبعدها عن رؤية الخطر الصهيوني وبما يصب في النهاية لمصلحة إسرائيل .
7 : الفوضى الخلاقة واليمين الأمريكي المتصهين وبوش :
نعود لنذكر بما ورد في الفقرة الخامسة حول الخصوصية التي تتمتع بها إيران كدولة ذات غالبية شيعية مطلقة .ونذكر هنا بما روج له صموئيل هنتنجتون حول صراع الحضارات والأديان . وتركيزه على فكرة أن العصر القادم هو صراع أديان أكثر من كونه صراع سياسات واقتصاد .( وهذا طبعا غير صحيح ويشكل تزييفا والتفافا على الواقع ).لكن هذه الفكرة تبناها اليمين المسيحي والصهيوني بزعامة المفكر الاستراتيجي الصهيوني بول وولفويتز بما يجعل روسيا ( بعد سقوط الشيوعية ) وأمريكا وأوروبا وكل الدول المسيحية تتكل لمواجهة الدول والشعوب الإسلامية بدلا من الشيوعية الساقطة .ورأى أنه يجب توسيع وتطوير فكرة كسينجر عن الاحتواء المزدوج للعراق وإيران كي تتحول إلى حرب دينية بين السنة والشيعة في المنطقة كلها بالنيابة عن الدول المسيحية . لتشمل العالم الإسلامي والعربي كله . ولقد رأى أن سياسة الإدارة الأمريكية ستؤول إلى الفشل إذا ماعتمدت على قوة إيران وحدها فقط , فطالما أنها لم تتمكن من هزيمة العراق فكيف ستهزم العرب والمسلمين السنة كلهم ؟ . إذن كان لابد من إلحاق هزيمة بالعراق أولا من خلال فرض حصار عليه, ثم توجيه ضربة له واحتلاله , بما يؤدي إلى سيطرة إيران والشيعة على العراق بما يجعل النفوذ الفارسي والإيراني الشيعي قويا وقادرا بالتالي على إحداث تغيير جذري في التوازنات التاريخية والسياسية القائمة بين السنة والشيعة في المنطقة . ويفترض هذا أيضا فسح المجال أمام إيران والشيعة (الاثنى عشرية والعلويين والزيدين والدروز والاسماعليين ) الذين يشكلون أقلية 20% من المسلمين ليتقووا ويصبحوا قوة مؤثرة (لكن تحت السيطرة ) بما يجعلهم يصبحون قادرين على جر الأقليات الأخرى إلى جانبهم , بما يؤدي إلى خلخلة التوازنات والتفاهمات السياسية والتاريخية القديمة القائمة في جميع البلدان العربية , بما يجعل العرب والسنة يشعرون بالخطرالفارسي الشيعي فتنشب بين الطرفين حروب وصراعات قد تدوم مئة سنةـ كما حصل في كثير من الحروب الدينية عبر التاريخ . وهكذا اتفق بوش وبلير على توجيه ضربة للعراق وتقديمه لإيران الفارسية الشيعية كهدية ,بما يجعلها قوة قادرة على تهديد العرب السنة وجعلهم يتقاتلون مع الشيعة , فيدمروا بلدانهم وشعوبهم ,وبما قد يجعلهم يلجأون إلى أمريكا وإسرائيل لتنقذهم من الخطر الجديد بل وينسون الخطر الإسرائيلي والأمريكي .
فتحي رشيد