يسألونك عن ( التّقية )

أحمد صبحى منصور
2017 / 11 / 30

يسألونك عن ( التّقية )
مقدمة :
1 ـ تتشكل الأديان الأرضية حسب أهواء أئمتها وأصحابها فهى أديان مملوكة لمخترعيها ، وهم يؤسسونها بوحى شيطانى كاذب ينسبونه لرب العزة أو للرسول أو لأئمتهم المؤلهين المعصومين. ومن هنا تختلف الأديان الأرضية فيما بينها وحتى فى داخل كل منها ، هذا مع إتفاقها جميعا فى العداء لله جل وعلا ورسوله ودينه ، ومع إتفاقها حول ثوابت لكل دين أرضى يتميز به عن بقية الأديان الأرضية . كلها تقدس البشر والحجر ـ اى تتناقض مع الاسلام . ثم بعدها تجد فوارق أساس بينها ، فهناك فوارق بين الارثوذكسية المصرية والكاثولوكية الغربية ، وهناك فوارق بين البروتستانتية والكاثولوكية . وهناك فارق بين التشيع والسنة ، وبين كل منهما والتصوف .
2 ـ ومن نواحى الاختلاف ( التقية ) التى تعتبر شرعة دينية فى دين التشيع يتخصص بها عن دين السنة بالذات .
3 ـ دين السُّنّة نشأ وترعرع فى حضن السُّلطة معبرا عنها مدافعا عنها ، بينما نشأ دين التشيع فى خندق المقاومة لهذه السلطة متآمرا عليها ، لذا كان عليه أن يداهن السلطة القائمة التى يكرهها ويخطط لتدميرها . هذه المداهنة صارت شعيرة دينية حملت مصطلح التقية .
3 ـ نعرض لها سريعا ولتناقضها مع ( التقية الاسلامية ) .
أولا : التقية الشيعية فى إيجاز
1 ـ لم يركز الشيعة على ما يخص التقية الاسلامية فى القرآن الكريم ، بل إنهم فى تشريعهم للتقية الشيعية قاموا ــ كعادة أئمة الأديان الأرضية للمحمديين ــ بتأويل الآيات القرآنية ووضع أحاديث مفتراة . وهم فى تأويلهم للآيات القرآنية لم يتعرضوا ـ حسب علمنا ـ للآيات القرآنية الخاصة بالتقية . تأويلهم الآيات القرآنية البعيدة عن مفهوم التقية كان مضحكا ، تركز على قصة ابراهيم وقصة يوسف عليهما السلام ، مستفيدين من اتهام التوراة المحرفة والبخارى لابراهيم عليه السلام بالكذب ، وجعلوا من هذا الكذب المزعوم تقية . ثم تأويلات ساذجة لآيات قرآنية أخرى بعيدة عن معناها .
2 ـ على أن أهم تقنين لتشريع التقية الشيعية كان بإفتراء الأحاديث ، ونسبوها لعلى بن أبى طالب وجعفر الصادق وآل البيت .
3 ـ وفي تحليل سريع لأهم أحاديث الشيعة فى التقية نلاحظ :
3 / 1 : وصلوا بالتقية الى ذروة دينهم فى الايمان و ( التقوى ) ، مثل ( عن أبي عمر الأعجمي ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : يا أبا عمر ، إن تسعة أعشار الدين في التقية ، ولا دين لمن لا تقية له ) ، ( عن معمر بن خلاد ، عن أبي الحسن عليه السلام قال : قال أبو جعفر عليه السلام : التقية من ديني ودين آبائي ، ولا إيمان لمن لا تقية له.) ( عن أبان بن عثمان عن الإمام الصادق عليه السلام قال : لا دين لمن لا تقية له ، ولا إيمان لمن لا ورع له . ) . بالتالى فمن لا تقية له يكون كافرا وعلى غير دينهم . أى هم بالتقية فى معسكر وغيرهم فى معسكر مضاد . وبالتالى :
3 / 2 : جعلوها جهادا فى مواجهة عيون السلطة ، مع ربطها بالايمان مثل حديث : ( إتقوا على دينكم فاحجبوه بالتقية فإنه لا إيمان لمن لا تقية له ) وحديث : ( التقية ترس المؤمن والتقية حرز المؤمن ) وحديث ( التقية جنة المؤمن ) .
3 / 3 : وتبدو فى صيغ بعض الأحاديث مدى الخوف من السلطة وأعوانها مثل : ( إذا عملت بالتقية لم يقدروا فى ذلك على حيلة ، وهو الحصن الحصين وصار بينك وبين الناس سدا لا يستطيعون له نقبا ) (التقية من أفضل أعمال المؤمن يصون بها نفسه وإخوانه عن الفاجرين.)( ليس منا من لم يلزم التقية ويصوننا عن سفلة الرعية ).
3 /4 : وبربطها بالايمان والجهاد فمن المنتظر أن تكون شعيرة دينية كالصلاة ، وهناك حديث يقول : ( من مسائل داود الصرمي للإمام الجواد عليه السلام قال : قال لي : يا داود ، لو قلت إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقا . )
3 / 5 : وتأدية هذه الشعيرة الدينية مرتبط بظروف المؤمن بها ، يعبر عن هذا حديث : ( التقية فى كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به ) ، ( التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له.)
ثانيا : التقية فى الاسلام حماية للمستضعفين:
1 ـ لم يقتصر إضطهاد قريش للمؤمنين على إخراجهم من ديارهم وأموالهم فى مكة بل تابعوا الهجوم عليهم فى المدينة حتى يردوهم عن دينهم إن إستطاعوا ، قال جل وعلا : ( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا )(217) البقرة ).
2 ـ وظل فى مكة مؤمنون مستضعفون ، أشار اليهم قوله جل وعلا : (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75 )النساء). ولنا أن نتخيل جبروت قريش فى إضطهادهم . وكان منه منعهم أولئك المؤمنين من دخول المساجد ، وكان فى مكة مساجد يقدسون فيها الأولياء وقبورهم ( الجن ) ، فنزل قوله جل وعلا : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) البقرة ) .
3 ـ هؤلاء المستضعفون الواقعون تحت نير العذاب أباح الله جل وعلا لهم النطق بالكفر لينقذوا أنفسهم من التعذيب ، قال جل وعلا :( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) النحل ).
4 ـ وبعضهم أخفى إيمانه بكل ما يستطيع لينجو من التعذيب ، وظل محافظا على إيمانه لا يعلم به إلا الله جل وعلا . وكان منهم رجال ونساء . وقد ذهب النبى محمد عليه السلام بأصحابه الى الحج مسالما فرفضت قريش دخوله ، وتم تفادى المواجهة مع انهم صدوا المؤمنين والنبى عن الحج ، وكان معهم الهدى الى البيت الحرام . وتفادى المواجهة كان حقنا لدماء رجال ونساء من المؤمنين الذين كانوا يكتمون إيمانهم ولا يعرفهم النبى وأصحابه . قال جل وعلا : ( هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِعِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (25) الفتح ).
5 ـ فى هؤلاء نزل تشريع التقية الاسلامية . وهى تبيح لهم ما لا يباح لغيرهم من المؤمنين . فالله جل وعلا يحرّم على المؤمنين أن يتحالفوا مع عدو يعتدى عليهم ، قال جل وعلا : ( لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (9)الممتحنة ). بالنسبة لأولئك المستضعفين الذين يكتمون إيمانهم خوفا من التعذيب والاضطهاد يبيح لهم رب العزة أن يوالوا الكافرين المعتدين على إخوانهم المؤمنين تقية ظاهرية ، ولكن لا يصل هذا الى قلوبهم ، والله جل وعلا هو الذى يعلم ما فى قلوبهم لذا يحذرهم من الموالاة القلبية ، قال جل وعلا : ( لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) آل عمران )
ثالثا : تقية المنافقين :
المنافقون لا يدخلون فى المنافقون فى التقية الاسلامية ، لماذا ؟
1 ـ لأنه لا إكراه فى الدين ، ولا إضطهاد لأحد بسبب الدين أو السياسة . المنافقون تمتعوا بحريتهم المطلقة فى الدين ، يكفى أن من المؤمنين سلوكيا بمعنى الأمن والأمان من كان يعبد الأوثان والأنصاب ، وظلوا على هذا من أوائل ما نزل فى المدينة ( الحج 30 ) الى آخر ما نزل من القرآن الكريم ( المائدة 90 :92 ). بالتالى تمتع المنافقون والذين فى قلوبهم مرض وضعاف الايمان بحريتهم المطلقة فى الدين .
2 ـ لأنهم تمتعوا بحريتهم المطلقة فى المعارضة السياسية يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف رجالا ونساءا ( التوبة 67 ) وفى إيذاء النبى ( التوبة 61 ) وفى تأسيس مسجد ضرار كان وكرا للتآمر ( التوبة 107 ـ ) ، ومع قولهم الكفر فقد كانوا يهمون بالحركة ضد الدولة التى تضمن لهم سائر حقوقهم فلم يفلحوا ( التوبة 48 ، 74 ) وكانوا يستهزئون بالله جل وعلا ورسوله وكتابه ( التوبة 65 : 66 ) ويصفون النبى بأنه ( الأذل )(المنافقون 8 ) ، ويلمزون النبى فى الصدقات ويسخرون من المؤمنين المتبرعين ، وكان النبى مع هذا يستغفر لهم :( التوبة 79 : 80 )، ومح حريتهم الدينية والسياسية فقد كانوا يتهامسون ويتناجون بالاثم والعدوان ومعصية الرسول ويحيون الرسول بما لا يليق به ( المجادلة 8 : 10 ) .
3 ـ كانوا يقترفون كل هذا ثم يحلفون بالله جل وعلا كذبا ،( النساء 62 ، التوبة 42 ، 56 ، 74 ،) فقد إتخذوا ايمانهم جنة ( المجادلة 16 ) ( المنافقون 2 ) لكى يظلوا محتفظين بمكانتهم . كانوا الملأ المتحكم فى المدينة ، وهاجر النبى والمؤمنون فاختلف الوضع . اضطروا الى الدخول فى الاسلام الظاهرى ليحافظوا على مكانتهم وفى نفس الوقت تمتعوا بحريتهم الكاملة دينيا وسلوكيا . لذا إحتاجوا الى الحلف تقية لارضاء أهاليهم . قال جل وعلا ( يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) أَلتوبة ) ( سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنْ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96) التوبة ).
أخيرا
1 ـ تقية المنافقين تعنى التآمر مع تمتعهم بحرية مطلقة فى الدين وفى المعارضة السلمية . 2 ـ تقية الشيعة تعنى التآمر ولكن ضد سلطة مستبدة لا تخلو من الإكراه فى الدين .
3 ـ وتبقى التقية الاسلامية جوهرة من جواهر التشريع الاسلامى .