كيف اِنهارَت كعكة العائلة؟ -15-

علي دريوسي
2017 / 11 / 29

المقطع الخامس عشر
*****
ملاحظة: لا يَتبنَّى مُؤلف هذه الحوارية المُتْعِبة الآراء المنقولة عن شخوصها.
*****

الأم: ستنهض سوريا المريضة من بين الأنقاض مثل شجرة توتٍ في الخريف، متعبة، صفراء، تآكّلها الدود الوقح. ستنهض بقوة، عكازها أبناؤها، لتخْضَرَّ أغصانها بالأوفياء، فتكنس عن جسدها الطاهر وقاحة الدود الطفيلي والأعداء وترمي عن قدميها فردات الحذاء البالية على مزابل حطامهم التي أتوا منها.
سلمى: وكما النهر دائماً إلى البحر يجري، ستجري سوريا من البحر إلى المالكية، عبوراً بالفرات ودجلة، ستجري إلى تحقيق آمالها وبلوغ غاياتها المرادة.

إبراهيم: نريد النهوض الذي يوقظ الشجاعة والقوة للبناء الديمقراطي للمجتمع، وهذا يحتاج بالطبع إلى الأشخاص الذين لديهم القدرة للتعبير عن قناعاتهم السياسية وعن ثقتهم بمخططات حياة مستقبلية واعدة ، الطموح من أجل الديمقراطية هو طموح من أجل العدالة التي لا تكمن فقط بالمشاركة بالملكية بل بالقول وبشكل مستقل عن المنشأ الاجتماعي والجنس والهوية الجنسية ولون البشرة والدين أو علامات أخرى.

ماهر: نريد في سوريا القادمة بشكلٍ خاص تأمين الحماية القانونية لأفراد المجتمع المشوهين جسدياً أو نفسياً بسبب حوادث وجرائم الحرب، من أجل إعدادهم نفسياً وتمكينهم فكرياً للمشاركة الفعّالة في بناء المجتمع القادم، والشرط الجوهري لتحقيق المساواة لهؤلاء الناس هو التحرُّر من جملة الموانع في كافة صورها ومجالاتها والمُعنكبة في رؤوسنا. يجب أن نفكر بحقوق الجيل الثالث، أن نساهم جميعاً في خلق أرضية استدامية لحياة قادمة عقلانية وتشاركية بين كل المذاهب والانتماءات المختلفة، يجب أن نتطور "استدامياً" مع بعض وليس بمعزل عن بعضنا البعض.

قالت بيلسان وهي تتثائب: أهلاً وسهلاً بكم وبمن يخالفنا الرأي إذا كان بهدف التفاعل والإغنّاء ونشر المزيد من ثقافة الحب والاحترام المتبادل.

سناء: لن تنتهي الحرب أبداً يا أهلي، كما يقول الألماني هاينريش بول، طالما ظل ينزف في مكانٍ ما جرح سبَّبته الحرب.
*****

الأب: تكلمنا اليوم كثيراً، كالشلالات دون انقطاع.
سلمى: ستنقرض اللغة العربية يوماً ما إذا لم نتكلم بها!
الأب: رغم وجود مئات الملايين من المتحدثين باالعربية فإنّْها مُهددة بالانقراض والضياع على المدى البعيد على الأقل، بالاضمحلال على أحسن تقدير، تموت اللغة الأم في البلاد التي لا تحترم التنوع البيولوجي (حيوانات ونباتات وبشر) ولا التنوع الثقافي والمعرفي والإنساني على أراضيها.
سلمى: يتَوَقَّع العلماء المختصين باللغات موت أكثر من نصف لغات العالم والتي عددها ست آلاف وخمسمائة لغة مع حلول عام 2100. ومن أقوى الأمثلة على ذلك هو الموت السريري للغة الإيرلندية.
إبراهيم: الأخطار التي تحاصر لغتنا العربية الجميلة متنوعة وشائكة، فهي محاصرة باللغات الأجنبية الجبّارة علمياً وأدبياً ومعرفياً، محاصرة باللهجات العامية وقبل كل شيء بالانحطاط بين متحدثيها، حتى ضمن الأسرة الواحدة، وصولاً إلى انحطاطاتها في الدوائر الحكومية والسياسية.

ماهر: العربية هي نتاج الآرامية والكلدانية والسريانية لذلك هي لغة موغلة في القدم، وشكلّت جسراً لعبور كثير من الحضارات في العصر الوسيط، ويتحدث بها مئات الملايين من البشر، إضافة إلى حاجة أكثر من ملياري إنسان مسلم لمفرداتها ليستطيعوا التواصل مع ديانة اسمها الديانة الإسلامية، والتي بلورت واحتضنت آلامهم وآمالهم عبر عصور، وصارت جزءاً من وجدانيتهم، فكيف يمكن لهذه اللغة التي تحتمل كل هذه المعطيات أن تندثر؟ العربية لغة عقيدة وليست وسيلة تفاهم وتواصل فقط، لا تنقرض العربية إلا باِندثار القرآن والإسلام، والقرآن محفوظ إلى يوم نبعث، أما أن تضعف فهذا واقع لا محال عنه.
بيلسان ساخرة: نسيت أن تقول وهي لغة يوم الحساب!

الأب: يا ماهر، يا ابني، يا صهر المستقبل، مداخلاتك غنية دائماً، تشغلني وأتعلم منها أحياناً، ما تطرّقتُ إليه أنا هو اِحتمالية قائمة لها مبرراتها، وأرجو ألا تحدث، قد تصير العربية يوماً عبارة عن لغة لممارسة الطقوس الإسلامية، لا أكثر، علماء اللغة والتَطَوُّر لهم بالتأكيد وجهات نظر تَخَصُّصية تتجاوز وجهتي نظرنا اللاتَخَصُّصيتين...
*****

ساد الصمت، أنهكهم الحديث، حلَّ بهم التعب، اِشتاقوا للنوم والراحة.
بيلسان: سأحكي لكم نكتة قبل أن تذهبوا للنوم، كي تنسوا هذه الاحاديث المُتعبة، هل توافقون؟
هزّ الجميع رأسهم بصمت.
بيلسان: البارحة وأنا أشتري بندورة من السوق المزدحم، بدأ رجل طويل وعريض بالصراخ كالرعد: تكبير، تكبيير... تيبّست ومن حولي بأرضنا ورحنا من شدة الخوف نهتف من وراءه: الله أكبر... هو يرفع صوته عالياً: تكبير... ونحن نهتف أعلى: الله أكبر! ثم نتشاهد ونستغفر.
فجأة ظهرت طفلة بين عربات الخضار في طريقها إليه، سمعناه يقول: أين اختفيت يا بنتي؟ بحثت عنك في السوق كله، إياك أن تعيديها ثانية يا تكبير، مفهموم!؟
قال له أحد البائعين غاضباً: الله يسامحك يا رجل، تبوّلنا في ملابسنا، ظنّنا أنّك تنتوي تفجير السوق، ألم تجد لإبنتك اِسماً آخر!
*****

ضحك أفراد الأسرة، داعبوا بيلسان بكلمات حلوة ثم راحوا يتهيئون للنهوض اِستعداداً للنوم. قالت أم صلاح وكأنَّها ترغب بإيصال رسالةٍ خاصة لزوجها: لقد شارف الليل على الاِنتصاف يا أبو صلاح!
نهض الأب إلى غرفة نومه، غاب بضع دقائق، ثم عاد حاملاً على راحة يده كيساً صغيراً من الجوخ بلونٍ أسود ومربوطاً بإحكام.
*****
يتبع في المقطع السادس عشر