مناشئ التطرف الديني

أيمن عبد الخالق
2017 / 11 / 28

مناشئ التطرف الديني
"اعتبر بمن كان قبلك، ولاتكن عبرة لمن جاء بعدك"...أرسطو
o نظرا لأنّ أكبر مشكلة تواجه المجتمعات البشرية في عصرنا الحاضر هي مشكلة التطرف الديني، فأرجو ان نركز حديثنا الليلة حول أسبابه وجذوره.
• في الواقع مشكلة التطرف الديني مرض عضال ضارب في جذور التاريخ البشري، وليس مجرد ظاهرة مستحدثة، وكما سبق وأن قلت لك أنها ليست مختصا بنا في الشرق، بل كانت قبلنا في الغرب، فهي مشكلة اجتماعية عتيقة.
o نعم صحيح، وعلى أي حال هي الان أصبحت مشكلة عالمية، تعاني منها سائر الشعوب، وانا أريد الان أن اتعرف بدقة على جذور هذه المشكلة بنحوواقعي وموضوعي، بعيدا عن الاجتهادات الشخصية، حيث إنّ هناك من المتدينين من يسعى للتبرؤ منها، ويعتبرأنها ظاهرة انحرافية لاعلاقة لها أصلا بالدين،ويدّعي أنّ هناك تيار ديني وسطي معتدل، يمثل الدين الصحيح، وعلى الطرف المقابل هناك من يستغل الفرصة للانقضاض على الدين، ويدّعي أنّ طبيعة الدين هي في نفسها عدوانية، وتدعوا إلى التعصب والتطرف، وأنّ الوسطية والاعتدال لاتكون إلا مع اللادينية.
• لاشك أنّ الوسطية والاعتدال هي كمال حقيقي لكل إنسان، وهي بين الافراط والتفريط، فبطبيعة الحال فإنّ كل إنسان يدعيها لنفسه، وربما لاتجد إنسانا، أو تياراً فكريا أو اجتماعياً يقبل بأن يوصف بأنه متطرف فكريا أو أخلاقيا.
o هذه مشكلة حقيقية ومستحكمة، فكيف لنا الخروج منها؟
• الخروج منها لايكون إلا بأن يكون لدينا معيارعلمي منطقي صحيح، يكشف لنا الواقع بنحو موضوعي، بعيدا عن الميولات النفسانية، والتعصبات الدينية، واللادينية، فالوسطية بين الافراط والتفريط ليست وسطية رياضية بين طرفين، بل وسطية واقعية، فعلى سبيل المثال، لو ادعى أحد أن مجموع اثنين واثنين هو ستة، وادعى اخر انها ثمانية، لايكون الصحيح هو الوسط بينهما، يعني سبعة، فكلهم خطأ.
o نعم ربما يظن الكثير أنّ الوسطية تعني ذلك، وهو ليس دائما صحيحا.
• وأنت تذكر أنني قد بينت لك سابقا أن المنهج العقلي البرهاني، هو المنهج الوحيد الذي يكشف لنا الواقع بنحو علمي صحيح وموضوعي، وبالتالي هو الذي يمكن أن يبين لنا طريق الاعتدال والوسطية.
o نعم اتذكر ذلك جيدا....إذن فما هي إلى أسباب التطرف الديني.
• لقد سبق وأن بيّنا أن الرؤية الدينية الوسطية، هي الرؤية الواقعية، وهي التي تطابق الرؤية العقلية، في أصولها ومبادئها وأحكامها.
o نعم ، واتذكر أنكم قلتم أيضا، أنّ الدين حتى يكون مقبولا، يجب أن يكون معقولا
• إذا تذكرت ذلك، اتضح لك أن السبب الأول، والرئيس في نشوء التطرف الديني هو اللاعقلانية الدينية، وهو ماأسميه بأصالة النص الديني، يعني تقديم النقل وتعطيل العقل، وبالتالي يبني هؤلاء رؤيتهم، وقراراتهم، وأفعالهم، على مايفهموه من ظواهر النصوص الدينية، وهذا النحو من الفهم ـ كما تعرف ـ غالبا مايتأثر بثقافة الإنسان، وميولاته الشخصية والمذهبية، وبالتالي غالبا ما يكون فاقدا للموضوعية والواقعية.
o وهذا الفهم الخاطئ، قد يؤدي بطبيعة الحال إلى التطرف الديني...هذا بالنسبة إلى السبب الأول، فما هو السبب الثاني؟
• السبب الثاني ، هو عدم التمييز بين الدين والمعرفة الدينية، مع كونها في كثير من الأحيان معرفة نسبية متغيرة، وليست معرفة عقلية برهانية مطلقة، الأمر الذي يؤدي بنحو تلقائي إلى سريان القدسية من الدين إلى المعرفة الدينية، فتصبح أقوال رجال الدين أقوال مقدسة، لأنها تمثل قول الله.
ويُنقل عن أحد علماء الدين المشهورين في القرن الثالث الهجري، أنه عندما كان يفسر القران، يقول في أول تفسيره "قال الله"، مما يدل على أنّ التوحيد بين الدين والمعرفة الدينية كان له جذوره التاريخية في الفكر الديني .
o ومعنى ذلك بكل بساطة، أن يكون انتقاد رجل الدين أو الاتجاه الديني يكون انتقادا واعتراضا على الله ورسوله، مما يستلزم عندهم الكفر والخروج على الدين، واستحقاق القتل...ولكن كيف حصلت لهم تلك الحصانة الاجتماعية.
• حصلت لهم من جهة الأنظمة السياسية، والقواعد الشعبية، فالتاريخ يحكي لنا سواء في الغرب المسيحي، او الشرق الإسلامي، أنهم كانوا يتمتعون بقدرة كبيرة في قمع المخالفين، ويكفي أن يذهب رجل الدين المتشدد في الصباح ليشتكيك عند الحاكم السياسي، ثم يعتلي المنبر في المساء ليؤلب عليك عوام المؤمنين، لينتهي بعدها كل شيء.
o هذا شيء مؤسف بالفعل، ونشاهده بأعيننا في الماضي والحاضر
• وأما السبب الثالث من أسباب التطرف االديني، فهو التعصب والدوجماطيقية، وهذا ناشئ من الاعتقاد اليقيني غير العقلاني، مقرونا بالأنس والتقديس، وضعف التربية العقلية، فكل مؤمن بدين معين، يتوهم أنّ الاخرين يجب أن يؤمنوا بنفس إيمانه، ويقدسوا نفس اعتقاداته، ورموزه االدينية التي نشأ وترعرع عليها.
o يعني هم لايشعرون بشعور الاخرين، ويظنون أنّ اعتقادهم الخاص، اعتقاد إنساني عام.
• تماما هكذا....هذه هي الأسباب الرئيسية، وهناك أسباب أخرى اجتماعية لاينبغي إغفالها، كالاستبداد السياسي، والظلم والفساد، والتهتك الأخلاقي، والطبقية وسوء توزيع الثروات، التي غالبا ماتؤدي بالشباب إلى اليأس من الحياة، وتدفع بهم نحو التطرف الديني بدافع الانتقام من المجتمع.