ثقافة الكذب.. المصرية

أحمد صبحى منصور
2017 / 11 / 28

ثقافة الكذب.. المصرية
مقدمة
1
ـ جاءتنى هذه الرسالة ، كنت أنوى الرد عليها فى باب الفتاوى ( واسألوا أهل الكر ) ثم قررت أن اجعلها مقالا نظرا لأهميتها .
2 ـ يقول صاحب الرسالة :
( انا من المتابعين لك ، وأعجبنى كتاب ( الاسلام دين الصدق ) حتى قرأته مرتين ، ونصحت ابنى أن يقرأ ترجمته بالانجليزية . وهذا الكتاب جعلنى أتذكر اعظم نصيحة سمعتها من ابى وانا طفل . عملت خطأ وسألنى فكذبت عليه فقال لى : لو إعترفت بالخطأ سأعفو عنك وبشرط ألا تكذب أبدا . واعترفت له بالخطأ فاحتضننى ، وطلب منى أن أعاهد الله على ان لا أكذب أبدا . وتوضأ وتوضأت معه وصلى بى إماما . وأذكر أنه كان يدعو لى وهو عينيه تبكى ، ورددت خلفه بعد الصلاة : أعاهد الله ان اكون من الصادقين . اللهم اجعلنى من الصادقين . كنت فى التعليم الابتدائى وقتها . وحدث أن زملائى فى الفصل تشاجروا وجاء الناظر وطلبنى شاهدا فشهدت بالحق بلا كذب ، واقتنع الناظر بشهادتى ومدحنى . وبعدها صرت مشهور فى المدرسة بالصدق ، وحافظت على أن لا أقع فى الكذب فأفقد ثقة الناس بى . و كبرت وتعلمت من التمسك بالصدق راحة الضمير ، أى أقول الحق واجرى على الله ، وتعلمت من الصدق معنى الشجاعة وعدم الخوف لأننى طالما أنا صادق مع نفسى فان الله جل وعلا سيحمينى ، وتعلمت أن الكاذب جبان وخواف وقلت لنفسى ان هذا لا يصح أن اكون جبان وألا أتسبب فى خلق مشاكل للناس يعنى ابتعد عن الخوض فى مشاكلهم حتى بالقول حتى لا أتعرض للشهادة وتتعقد الأمور لأن الناس فى مصر لا تحب الصدق . أما الفضيلة الكبيرة التى تعلمتها من إلتزام الصدق فهى حياة الضمير لأننى افكر فى عمل شىء خطأ ثم أقول لنفسى ماذا لو انفضح أمرى ؟ ساضطر للكذب وأتعود عليه ويضيع العهد الذى قطعته مع والدى فى الصلاة . وساعتها بسرعة الغى العمل السىء الذى كنت أنويه . و بعد ان تخرجت توظفت فى فى جهاز حكومى حساس ، وكان أكبر مؤهل لى سمعتى الطيبة . ولكن سمعتى الطيبة وتمسكى بالصدق ضيعوا مستقبلى لأن الفساد المنتشر فى هذا المكان إزداد وانتشر وابتعدت عنه حتى لا اقع فى المشاكل ولكن أوقعوا رجلى فيه ، لأن واحدة من حالات الفساد وصلت الى القضاء ، ولأنى كنت شاهدا بدون أن أشارك فقد طلبت المحكمة شهادتى. وشهدت بالصدق فى المحكمة وقدمت مستندات . وكانت فضيحة راحت فيها رءوس كثيرة ، وضاع فيها مستقبلى وكانوا على وشك أن يضعونى فى السجن ، ومرت بى أوقات عصيبة ، وانتظرت الفرج من الله جل وعلا ، ورزقنى الفرج ، ونجوت من السجن ، وكنت أقول لنفسى لو دخلت السجن وأنا مظلوم فقد دخل السجن مظلوم قبلى سيدنا يوسف عليه السلام ، ثم أخرجه الله من السجن وأظهر براءته . فى هذه المحنة لجأت الى القرآن الكريم وتابعت مقالاتك فى الأحرار ، بل وحضرت بعض ندوات الرواق التى كنت تديرها فى مركز ابن خلدون مع انى كنت أحرص على ألا أقترب منك بسبب أن المكان كان ملغم بأمن الدولة . وجاءت فرصة للهجرة الى كندا وهاجرت ومعى اسرتى ، واستقر حالى ، وشعرت انى فعلا فى بلد يحترم الصدق والصادقين عكس مصر التى تعيش على الكذب سواء فى الدين السلفى أو الكنسى أو فى الاعلام وفى السياسة . وجدت نفسى فى كندا . وتغيرت عقيدتى بالكامل مع متابعتى لكتاباتك الغزيرة ما شاء الله ، وأصبحت من أهل القرآن . وساعات أقول من الممكن أن اشارك فى الموقع بالتعليق والكتابة لان عندى بعض أفكار وبعض أسئلة ، ثم أقرأ فاجدك قد قلت نفس الأفكار وأجبت عن نفس الأسئلة . ثم تابعت مقالات كتاب الاسلام هو الصدق . وشكرا للاستاذ أحمد فتحى الذى يداوم على ترجمة كتاباتك ، لأن ترجماته لكتاباتك وفيديوهاتك يراها ويقرؤها اخوة مسلمين باكستانيين وهنود ومن شرق آسيا . وأنا أعرف بعضهم . كتابك عن الاسلام دين الصدق هو الذى دفعنى للكتابة اليك لأول مرة . لأنك ذكرتنى بوالدى الله يرحمه وبمأساتى فى مصر ، وبدعوتى وقت المحنة ان ربنا يجعل لى مخرجا . وايضا ذكرتنى بماساة المصريين فى عشق الكذب وتعوده الى درجة أنه لم يصبح عيب عندهم . وذكرتنى أيضا ببعض المصريين هنا فى كندا وهم الذين لم يتخلصوا من عادة الكذب . فظلوا يكذبون ففقدوا مصداقيتهم ، وفشلوا فى حياتهم . كان لا بد أن تكتب هذا الكتاب لأنه فعلا الاسلام دين الصدق ولكن المسلمون هجروا القرآن واتبعوا أديان الكذب وتعودوا الكذب . ونسيت أقول لك انى قرات لك فصل فى كتابك عن اثر التصوف فى الانحلال الخلقى فى نشر المساوىء الاجتماعية ومنها القذارة والكذب . وتكلمت فيه عن انتشار الكذب فى مصر المملوكية من الكذب فى دين التصوف والكذب فى حياة الناس . وربما انك نسيت أن تشير الى هذا الفصل فى كتابك عن الاسلام دين الصدق . وبالمناسبة أنا أخذت عهد على ابنى الوحيد واسمه ( صادق ) على الالتزام بالصدق زى ما عمل والدى معى .والحمد لله رب العالمين أن أنجانا من مصر ، وجاء بنا الى كندا بلد الصدق والأمن والأمان . وبالمناسبة أسألك يا استاذى عن مصر هل يمكن فيها الاصلاح مع اعود الناس على الكذب فيها ؟ وعليكم السلام ) .
3 ـ وأقول :
أولا : لك الشكر الجزيل على رسالتك ، وهى تجربة شخصية عظيمة ، وارجو أن ننتفع بها جميعا .
ثانيا : عن إصلاح مصر ، فقد سألت عظيما ..وقد كتبنا فى هذا كثيرا ، وأوجز لك تصورى فى الاصلاح هنا فى الآتى :
1 ـ إصلاحى تشريعى تتحول به مصر الى دولة ديمقراطية جقوقية ، وتتحول به من دولة مركزية الى دولة لا مركزية بحكم محلى حقيقى فى المحافظات ( بإنتخاب سكان المحافظة للحاكم ولمجلس تشريعى يراقب ويحاسب الحاكم وأجهزة الادارة، وانتخاب رئيس للشرطة ، وانتخاب المدعى العام ( رئيس النيابة ) . وتقتصر الحكومة فى القاهرة على السياسة العامة مثل الخارجية والدفاع والمنظمات الأمنية العامة فى مصر وخارجها ، مع تشريعات تحجم وتّحدُّ من تدخل الحكومة فى ميادين الاقتصاد والانتاج ، وتركها للمواطنين فى شركات ربحية وانتاجية وجمعيات أهلية مدنية خيرية وتثقيفية وحقوقية ، وإعلام حُرُ من التدخل الحكومى ، وقضاء مستقل ، يتساوى فى استقلاله مع الحكومة ( السلطة التنفيذية ) والبرلمان ( السلطة التشريعية ) وكون هذه السلطات متوازنة وتحت رقابة الشعب فى إعلام حُرّ . وتخصص الجيش فى الدفاع عن الوطن ، وتخصص الأمن فى حماية المواطن . بهذا الاصلاح لا يوجد مستبد يزرع الخوف فى الناس فيلجأون للكذب . هذا مع إلغاء كل القوانين التى تحاصر حرية الفكر والدين والابداع والنشر ، وحظر الحبس الاحتياطى والتعذيب ، وحصانة المتهم قبل أن يصدر عليه الحكم ، و إشراف القضاء على السجون . وتكوين هيئة مستقلة للإنتخابات على المستوى المركزى واللا مركزى .
2 ـ إصلاح تعليمى :
2 / 1 بإلغاء التعليم الأزهرى والتعليم الكنسى ، وتوحيد التعليم فى جهة واحدة مهمتها صناعة الانسان . الطفل يولد مادة حية تلتقط ما يلقيها اليه مجتمعها . وهذا هو الفرق بين الطفل فى كندا والطفل فى الأحياء العشوائية فى مصر . لو جىء بطفل كندى الى مصر ليعيش فى حى عشوائى فى القاهرة لن يختلف حاله عن أقرانه فى هذا الحى ، ولو جىء بطفل من اسطبل عنتر العشوائى ليعيش فى توزرنتو لن يختلف حاله عن رفاقه فيها . البيئة والتعليم هى التى تقوم بتصنيع الناس . وقد تعلم المصريون الكذب من خلال الاستبداد المصرى العريق ، ومن خلال التعليم الفاسد والاعلام الفاسد ومساجد الضرار .
2 / 2 : وفى توحيد التعليم وجعله مدنيا يجب إلغاء مادة التربية الدينية فى التعليم قبل الجامعى . هذه المادة الدينية يسيطر عليها جاهلون فاسدون كاذبون ، ويستعاض عنها بإصلاح مادة القراءة ، من خلال نصوص منتقاة من القرآن والانجيل والتراث الأدبى تحثُّ على الفضائل الاخلاقية من الصدق والأمانة والشجاعة والعدل والاحسان والسلام والتسامح وكرامة الانسان وحقوقه .
2 / 3 : اصلاح مادة التاريخ فيما يخص الفتوحات العربية بإظهار عدوانيتها وظلمها ، مع الاشادة بثورات المصريين وغيرهم ضد طغيان الخلفاء ، والتعرض بخيادية للفتنة الكبرى وبيان فظائعها . مع عدم إغفال الحقبة القبطية فى التاريخ المصرى فقد كانت فترة من التضحية فى سبيل المعتقد والصدق فى الصبر عليه .
2 / 4 ـ إلغاء مادة التربية القومية أو الوطنية وإحلال مادة ( حقوق الانسان ) وفق القوانين الدولية والمصرية
2 / 5 ـ إعادة تثقيف وتهذيب وتأهيل المعلم ، ولا بد من جعل المدرسة مريحة للتلميذ والمدرس ، ومع االانفاق بكرم على تغذية التلاميذ ومرتبات المدرسين ليكونوا مستحقين لشرف التدريس .
3 ـ إصلاح دينى :
3 / 1 : بإلغاء مهمة الأزهر فى التدريس وفى تخريج الوعاظ وفى التحكم فى الشأن الدينى . أى يقتصر الأزهر على أن يكون مؤسسة مدنية مصرية بسيطة فوقية معنية بالدفاع عن القيم الاسلامية العليا من السلام والحرية السياسية ( الديمقراطية ) والجرية الدينية لكل فرد والعدل للجميع والدعوة للتكافل الاجتماعى . ويكون رأيه إستشاريا وليس ملزما . الأزهر بمؤسساته الحالية عبء مالى ثقيل يكلف الخزينة المصرية عدة بلايين سنويا ، وهو بحالته الراهنة عبء ثقيل يمنع مصر من التقدم ، وهو بحالته الراهنة فساد دينى يوشك أن يدمر مصر . توفير البلايين التى تنفقها مصر على موظفى الأزهر كفيلة بتغطية الاصلاح التعليمى .
3 / 2 ـ يواكب ذلك إلغاء دار الإفتاء ولجان الافتاء فى الأزهر ، ليكون الدين شأنا شخصيا لكل فرد ,
3 / 3 : إشراف جهة حكومة على خطبة الجمعة لتتركز فى الوعظ الأخلاقى وفقط ،
3 / 4 : فتح ابواب المساجد للعمل الحيرى التطوعى خدمة للناس جميعا .
أخيرا
1 ـ هذه وجهة نظر اسلامية قرآنية فى الاصلاح . إذ ان وظيفة الدولة فى الاسلام ليس هداية الناس وإدخالهم الجنة ، لأن الهداية مسئولية سخصية ومن إهتدى فلنفسه ومن ضل فعلى نفسه ولأن النبى نفسه لم يكن فى مقدوره ان يهدى أحب الناس اليه. وظيفة الدولة فى الاسلام هى خدمة المواطنين جميعا ، وكل من يعيش فى هذه الدولة وهو مسالم فهو مسلم بعض النظر عن الدين الذى يؤمن به . الحكم فى الدين هو لله جل وعلا مالك يوم الدين .
2 ـما سبق ليس تطبيقه مستحيلا . هو ممكن جدا لو كان هناك إخلاص ورغبة حقيقية فى الانقاذ .
3 ـ لا تزال فى قلب الانسان المصرى بذرة من الخير وقدرة على الوقوف بجانب الحق والصدق ، وقد تجلى هذا فى ثورة 25 يناير النبيلة التى أضاعها وحوش العسكر والاخوان .