حارسٌ للمسجد … حارسٌ للكنيسة … فتّشْ عن البغضاء

فاطمة ناعوت
2017 / 11 / 28

قال أحدُ الأطباء الفلاسفة لمريض، عجزَ الطبُّ عن تشخيص مرضه: "الحبُّ علاجُ جميع أمراض البشر." فسأله المريضُ: "وماذا لو لم ينجحِ الحبُّ في علاج المرض؟" أجابه الحكيمُ مبتسمًا: "ضاعِف الجرعة."
لهذا هم مصابون بمرض عَصِيٍّ على كلّ ألوان العلاج الأمنيّ والسياسيّ والأخلاقيّ. لأن رصيدهم من الحب يساوي "صفرًا”. غيابُ الحبِّ أصلُ كلّ شرور العالم. عن الإرهابيين الأشرار أتحدث دون شك. الإرهابيون الذين يُفجّرون الكنائس والمساجد ويمتلكون جحودَ القلب الذي يقتل إنسانًا يقول: "اللهُ ربّي"، وهو يرفع يديه للسماء يناجي ربَّه. لا تطرفُ عيونهم وهم يرون أجسادَ الأطفال النحيلة تتهاوى مُضرجةً في الدم في صحن كنيسة أو مسجد، قبل أن يدرك أولئك الأطفالُ أن شيئًا شريرًا ينتظرُ حَتفَهم عند بابٍ مقدس، دخلوه ينشدون ذِكرَ اسم الله، ولن يخرجوا منه إلا جثاميَن في نعوش. الإرهابيون يكرهون الجميعَ دون استثناءات، وفي الأصل لا يحبّون أنفسَهم. فمَن يكره الناسَ، بالضرورة يكره نفسَه. فالكراهيةُ مرضٌ يجعلُ الإنسانَ يأكل مَن حوله، ثم يتحوّل إلى نفسه يأكلها. البغضاءُ هي غذاء الإرهاب. لهذا، فإن محاربة الإرهاب لا تبدأ إلا بمحاربة غذائهم: البغضاء. والبغضاءُ، بكل أسفٍ، تسكن الكثيرَ مما يُسمى: “كتب التراث". وأنا لا أُسمّي كلَّ ما يخالف قيمَ: الحق والخير والجمال والعقل، من أمور السلف: “تراثًا"، بل هو "موروثٌ". وثمّةُ فارقٌ هائل بين "التراث" وبين "الموروث"؛ أوضحتُه في مقالات سابقه، وأوجزه هنا قائلة: إن "الموروث"، هو كل ما ورثناه عن السلف، بحُلوه ومُرّة، جادِّه وهذلِه، عادِله وظالِمه، عاقلِه وأحمقِه. وأما "التراث" فهو العاقلُ المتزنُ الرصينُ المنطقيُّ الجادُّ النقيُّ الطيبُ من "الموروث”. فيا تُرى مَن ذا يُماري في وجوب تنقية "التراث" من مخلفاتِ "الموروث" الضّالة المُضلّة المُضلّلة؟! مَن له مصلحة في العنف والقتل والدمار والويل؟!
في مقالات سابقة، أعلنتُ بحزن أنني أتأذّى كلما مررتُ بكنيسة في بلادي وشاهدت جنديًّا يحرسها. لأن وجوده يُشير لي بإصبع الاتهام! وجوده يعني أن بيننا، نحن المسلمين، إرهابيين يكرهون أن يُرفَعَ اسمُ الله في بيوت الله، مهما اختلفتِ العقائدُ. وكنتُ أشعر بالحزن الممزوج بالغِبطة، ولا أقولُ: الحسد، حين أزورُ دولة الإمارات ولا أجد حارسًا على الكنائس، ولا حتى على المعابد البوذية والهندوسية هناك. غيابُ الحارس عن دور العبادة، يعني أن تلك الدور غيرُ مهددة؛ يعني أن ذاك المجتمعَ متحضرٌ. فهل مصرُ يُعوِِزُها التحضّرُ؟! يا أسفي!
واليومَ، بعد مذبحة مسجد "الروضة" بقرية "بئر العبد"، شمال سيناء، وسقوط أكثر من ثلاثمائة شهيد من المسلمين الصوفيين من بينهم أطفال، صار من المحتّم زراعةُ جندي لحراسة المساجد، أيضًا! نحن إذن نتراجع أخلاقيًّا وحضاريًّا. تبدّد اليومَ رجاؤنا أن يختفي حارسُ الكنيسة، بعدما أُضيف إليه حارسُ المسجد! رجاؤنا اليوم هو اختفاءُ "البغضاءُ" من "قلب" مجتمعنا الذي تعلم الجحود بليلٍ. البغضاءُ هي عدّونا الأول وهي الحائل بيننا وبين الحياة. علينا أن نعمل على انتزاع جرثومة الكراهية من قلوب النشء الجديد. فالإرهابيُّ المتطرف لا يبغضُ المسيحيّ ولا البهائيّ ولا اليهودي، وفقط، إنما يكره السنيَّ المعتدل، ويكره الشيعيّ، ويكره الصوفيَّ، لأنه ببساطة يكره "الإنسان".
أيها الأزهر الشريف، اُنصُرِ الإسلامَ وارفعْ هامتَه عاليًا؛ بأن تُنقّي ثوبَه من دنس الإرهاب. نُصرة الإسلام تبدأ وتنتهي بتنقية "الموروثِ" من كل شائبة عنف ودماء وبغضاء. نُصرة الإسلام هي محو كل ما ألصقه به بعضُ السلف غير الصالح من ممارسات التكفير والقتل، حتى لا نُفرّخ أجيالا جديدة من السفاحين، ينتسبون، بكل أسف، لي ولك، ولكل مسلم فوق الأرض. أربأُ بالأزهر الشريف أن يقفَ في خانة واحدة مع المتطرفين حين تهدمون الإسلام، معهم يدًا بيدٍ، بدفاعكم الُمستميت عن موروث دموي بغيض، نحاول نحن أن نمنع العمل به لصالح الإسلام ولصالح الإنسانية.
للمرة الألف أُعلنُها بكل اطمئنان، أن معول وأد الإرهاب في يد الأزهر الشريف، إن أراد، قبل أن يكون في يد الملف الأمني والعسكري.