كيف اِنهارَت كعكة العائلة؟ -14-

علي دريوسي
2017 / 11 / 27

المقطع الرابع عشر
*****
ملاحظة: لا يَتبنَّى مُؤلف هذه الحوارية المُتْعِبة الآراء المنقولة عن شخوصها.
*****
الأم: الحمد لله أنّك لم تتزوج بعد يا إبراهيم. لقد سمعت الكثير عن اِنفصال المتزوجين عن بعضهم البعض وعن أولادهم بغية جني المزيد من العطايا؟
إبراهيم: حتى لو كنت متزوجاً، لست أنا من يتخلّى عن زوجته كرمى للعطايا، ولو يا أم صلاح أنا ابنك، تربيتك.
الأب: مغريات الحياة في ألمانيا للهاربين الجدد كثيرة ومتنوعة، لدرجة أنَّ المرأة تتقدَّم بطلب الطلاق من زوجها حالما تصل إلى بر الأمان وتتوازن قليلاً، أو غالباً ما يقوم الرجل بفعل الطلاق بالتراضي أو اللاتراضي، بعضهم يقتل زوجته من أجل الحصول على حريته وترجمة أحلامه بالهناء والاستقرار، هل تصدقون ذلك؟ لقد حصل فعلاً!

سلمى: وما هو السبب يا عمي؟
الأب: السبب الرئيسي يكمن في رغبة الشخص في بدء حياته من جديد، رغبته بالحصول على امتيازات الهروب بشكلٍ فردي أناني، رغبته في الاستقرار مدى الحياة في ألمانيا، أقصد الحلم بالزواج ممن لديه أو لديها الجنسية الألمانية بغية التحرُّر من صفة هارب المرتبطة بإقامة مؤقتة، ناهيك عن طبيعة العلاقة الزوجية التي غالباً ما تكون مضطربة وكئيبة، بعضهم (رجال/نساء) يقوم بالطلاق معتقداً أن (الألمانيات/الألمان) يقفون بالطابور من أجل مصادقته وتقبيله وتقديم الهدايا له.
الأم: حتى لو كانت العلاقة متوازنة وجميلة يحصل الطلاق في بعض الأحيان، هذه الظاهرة ليست جديدة وأنت تعرف ذلك أكثر من غيرك، ألم يفعلها تلك الأيام صديقك الدكتور منهل يا أبو صلاح؟ هذا الموضوع لا علاقة له بطقوس الحرب وإنما يعود إلى فترة الثمانينيات والتسعينيات، عندما كان بعض الرجال المتعلمين يقوم بعملية الطلاق من زوجاتهم بالتراضي لمدة خمس سنوات أو أكثر، المدة الكافية للحصول على الجنسية الألمانية، ثم الطلاق من المرأة الألمانية التي غالباً ما تكون ستينية، ومن ثم العودة إلى المرأة الوطنية.

الأب: ما يحصل مع الهاربين أو بالأحرى ما يرتكبه الهاربون في أوروبا الرأسمالية شيء لا يمكن تصديقه. يتسلقون كل شيء للوصول على أكتاف الآخرين، يغنون مازوشيتهم على شواطئ اليونان بينما أمهاتهم وأخواتهم وزوجاتهم في بلدهم يعانون الويلات، يحرقون أجسادهم كتعبير بوعزيزي بغية الوصول إلى بلد العطايا كما حصل على الحدود اليونانية، وكأنّ قمة الحضارة تكمن في تحريق الجسد بِالنَّارِ، يحاولون الغناء والتمثيل والرقص في الشوارع بغية تحقيق منافع شخصية بحتة كما أصبح رائجاً في الآونة الأخيرة، يساهمون في جمع تبرعات للمتضررين من حريق ألبرتا في كندا وكأنَّ كندا تحتاجهم!

استلمت الحديث سلمى وقالت ضاحكة: يقولون والله سنعود إلى الوطن بعد إنتهاء الحرب! ينقون كالدّجاجات من ظروف الحياة في هذا البلدان ويطالبون بالحصول على المزيد من العطايا دون تعب، تقول إحداهن لرفيقتها وهما جالستان في الباص: "والله يا أختي نظام التعليم المدرسي في بلادنا أفضل بكتير من هالبلاد النيشحة!" يطالبون الحكومة بتأمين سيارة ومنزل وعمل محترم ودخل ممتاز، ويقدمون نصائحهم الثمينة لوقف تدهور الوضع الصحي في ألمانيا ونشر اقتراحاتهم حول كيفية استخدام المرحاض وزاوية الجلوس التي تبلغ حوالي خمس وثلاثين درجة، يستخدمون لذلك مسطرة زاوية وبيكار ومنقلة من القياس العائلي!
*****
الأب: هؤلاء هم السادة الهاربون، وكل ما قلته لكم هو حقيقي مئة بالمئة، هو نتاج لمتابعاتي وقراءاتي للأصدقاء الذين يعيشون في تلك البلدان منذ عشرات السنين.
سلمى: قام الآلاف منهم بتزوير أوراقهم، أسمائهم، جوازات سفرهم، مستنداتهم، رخص قيادة السيارة، حصلوا على شهادات ثانوية وجامعية مُزَوَّرة...
الأم: هل ينبغي أن نتعاطف مع هؤلاء؟ أم ينبغي أن نطالب جامعات العالم المحترمة باتخاذ التدابير القانونية والاختبارات الصارمة قبل الاعتراف الجزئي بالمسمّاة شهادات باكالوريوس وبكالوريا، لأنّ بعضها قد أُخِذَ تحايلاً؟
إبراهيم: لم يحن الوقت بعد كي يستطيع الإنسان الحكم على سلوك اللاجئين إلى البلدان الديمقراطية.
ماهر: أحسنت يا إبراهيم ولا لتصنيفهم أيضاً!

الأب: سيبقى الخلاف قائماً بيني وبينكم على ما يبدو، أنتم تسمونهم باللاجئين وأنا أرفض هذه التسمية وأسميهم بالهاربين، أنتم تقولون بلدان ديمقراطية وأنا أقول بلدان عطايا. ثم من قال لكم بأني لست قادراً على تصنيفهم بشكلٍ أولي؟ وما الذي يشغلني منذ بدء هذه الكارثة التي أطاحت بكل شيء؟ تتكلمون صعوداً وهبوطاً متناسين أنَّ لكم أخاً يحارب الإرهاب على الجبهة، تَرَقَّى مرتين، صار نقيباً، ونحن ما زلنا نتناقش بأمورٍ تافهةٍ.
إبراهيم: عذراً أبي، لم أقصد إغضابك.
سناء: إذن كلنا آذان صاغية يا أبو صلاح، أفدنا رحم الله والديك وصنّفهم لنا كما ترى الأمر مناسباً.
*****
الأب: أُصنّفهم وفق الشرائح التالية:
أولاً: شريحة الزعران الذين حملوا السلاح وارتكبوا أعمال الإساءة والسرقة والنهب والتهريب والقتل في سوريا، واستطاعوا بفعل الأموال التي جمعوها بطرقٍ بشعة الوصول الآمن إلى بلدان لم يحلموا يوماً برؤيتها، لهذه الزمرة من الأوباش الذين ينتقدون العلمانية والحداثة ويفضلون البقاء في تقاليدهم العفنة وأعرافهم القانونية نقول: ستُعادون إلى البلدان التي أتيتم منها عاجلاً أم آجلاً وستتم محاكمتكم يوماً.
ثانياً: شريحة الطراطير الثورجيين الانتهازيين المتفذلكين حديثي النعمة من كافة المستويات وعلى كافة الأصعدة، هؤلاء الذين لم يكن لهم تاريخياً أية علاقة تُذكر بالعمل النضالي أو الثقافي أو الإنساني الجاد. هذه الزمرة ستبقى مشرّدة إلى أن يحين أجلها.
ثالثاً: شريحة النوايا المُخبّئة والتي تضم البعض من مستوى حملة شهادة بكالوريا، الذين لا علاقة لهروبهم أبداً بأنّ في بعض مناطق سوريا ثمة حرب، هؤلاء لم يهربوا بسبب الحرب، وإنما بسبب نواياهم المتواجدة أصلاً في عقولهم قبل حدوث الحرب، وما إن اشتدت الأزمة حتى ركبوا الموجة واستغلوا الفرصة ووصلوا إلى بلاد العطايا ليعيشوا عالة على الآخرين أو في كنف الآخرين.
رابعاً: شريحة القطب الثالث من الباحثين عن الأمان والسلام والهدوء والحربة والطامحين للتطور الشخصي والوجداني، ممن لم تتلوّث لا أياديهم ولا عقولهم مع أي طرف من الأطراف في أية مرحلة من المراحل، يسعى أتباع هذه الشريحة جاهدين للعمل والعلم والمعرفة ليتخلّصوا بأسرع وقت من كونهم يعيشون عالة على الآخرين.
خامساً: شريحة العائلات التي تَضَرَّرَت بصدق مادياً أو معنوياً كنتيجة لهمجية الميليشيات الإرهابية والأصولية وقوى التخريب والنهب التي تمرح وتسرح في كل مكان. هؤلاء هم من يستحقون الحماية والاهتمام والحصول على الدعم المالي والنفسي حتى يستعيدوا صلابتهم من جديد.
*****
ماهر: لست متفقاً معك يا عميدنا، أُفضّل عدم تمييز الناس في جداول على هيئة أسود ونعاج وقرود.
سناء: آه ما أصعبك يا سيادة العميد وما أصعب تقييماتك. لقد غادر البعض الجنون الدامي في سوريا كي لا يموتوا بسلاح الطرفين المجنونيّن، لأنَّهم يجب ألا يموتوا الآن، لعلهم غادروا فقط بمساعدة أصدقاء قدامى لهم، ليقدموا أوراق اللجوء هناك، ولعلهم يعيشون حياة قاسية، غادروا لأنَّهم يرفضون حمل السلاح، لأنَّهم أنقياء مثل الورد، لأنَّهم أوفياء للوطن الذي دمّرهم وسجنهم وعذّبهم وأطفأ أعقاب السجائر في أجسادهم الطرية، لم يكفروا بنشاطهم السياسي ولم يتوقفوا عن محاولاتهم النضالية، لعلهم سيعودون ذات يوم، لعل وجودهم خارج الوطن ضروري لأرواحهم ولنا...
*****
يتبع في المقطع الخامس عشر