مفيش فايدة

سامى لبيب
2017 / 11 / 27

فُجع المصريون والعالم المتحضر يوم الجمعة الموافق 24-11-2017 بمذبحة مروعة بمسجد الروضة بمنطقة بئر عبد بالعريش بسيناء , حيث أطلق إرهابيون النار والمتفجرات على جموع المصلين بصلاة الجمعة ليذهب ضحية هذا الحادث الإرهابى المروع 305 قتيل و125 جريح .
هذا الحادث هو أول حادث ينال من مصلين إسلاميين بمسجد ليسبقه عشرات الحوادث الإرهابية التى نالت من كنائس وأقباط فى إشارة واضحة أن الإرهاب صار غبياً متوحشاً .. كما يتفرد حادث مسجد الروضة بأنه الأكثر خسائر فى صفوف المصريين فعدد القتلى 305 قتيل وهذا لم يحدث من قبل من أى عمل إرهابى ليكون ألم المصريين كبيراً , ويزيد الألم والحزن أنه نال من مصليين أثناء صلاتهم الجمعة .. للأسف وأقول للأسف مصحوبة بالمرارة والحسرة أن هذا الحادث البشع المروع سيمر سريعاً بدون معالجة حقيقية لملف الإرهاب ليبقى الوضع كما هو عليه من محاولة الحرث فى الماء .
أقول الحرث فى الماء لأن طريقة معالجة الإرهاب يائسة بائسة وغير مجدية , فالنظام يقوم بعد كل عملية إرهابية بضربات موجعة يصفها بالثأرية ثم ما تلبث أن تهدأ الأمور وتعاد الكَرة من جديد بعملية إرهابية أخرى مؤلمة .

يجب ان ندرك ان مكافحة الإرهاب تأتى بمناهضة وحصار الفكر الإرهابى وتجفيف منابعه , فالفكر الإرهابى هو الحضانة والمفرخة التى تنتج الإرهابيين , فكلما سقط إرهابى قتيلا أو أسيرا فهناك عشرة إرهابيين على الطريق لتدور تلك الحلقات الجهنمية منتجة المزيد من الدم والخراب .
مكافحة الإرهاب أمنيا يشوبه الخلل فهو يتعامل مع الجريمة بعد وقوعها ليتعقب الإرهابى المتورط وكأن القضية مدنية جنائية فلا نفطن أن هناك طابور من الإرهابيين فى الطريق , علاوة أن مكافحة الإرهاب يأخذ الشكل الثأرى الإنتقامى ليشفى غليل الشعب بعمليات ثأرية ما تلبث أن تنتهى .

قبل أن أنطلق للنقطة المحورية عن مكافحة الفكر الإرهابى وتجفيف منابعه أتوقف مستغرباً من موقف الجيش والأجهزة الأمنية , فبعد كل عمل إرهابى كبير نجد الضربات الموجعة للإرهابيين وأخرها إنتقام الجيش من عملية مقتل 37 من ضباط الامن بالواحات حيث جاء القصف بالطائرات لبؤر تجمعهم , فلماذا لا يكون هذا الرد العسكرى حاضراً على الدوام طالما نحن فى حرب على الإرهاب فلا ننتظر حتى يظهر حادث حتى نتحرك .

- معالجة الداء بما هو داء .
هناك معالجة فكرية وإعلامية خاطئة تتعامل مع الحوادث الإرهابية كالتى تتردد فى أجهزة الإعلام وعلى لسان العامة والخاصة فكل ما يهم الإعلام والمسلمين هو تبرئة الإسلام من الحوادث الإرهابية وأن الإرهابيين قلة منحرفة كالخوارج لا يعبرون عن صحيح الإسلام .. لتنطلق تلك الشعارات بدون تأصيلها لتكتفى بالعبارات الإنشائية الرومانسية , فلم يفند الشيوخ فكر الدواعش مثلاً وما يتكئون عليه من آيات وأحاديث وتراث وفكر الأئمة الأوائل ليكتفوا بسرد بعض الآيات القرآنية المكية .

هذا النهج الذى يدافع عن الإسلام خطير لأنه يستحضر الإسلام فى الساحة لتكون الأمور خلافية وتقديرية فى النهاية , فكما هناك أراء تُدين الإرهاب فهناك أراء أخرى تُقدر وتُثمن العمل الإرهابى , وليتكأ كل فصيل على وعيه وتقديره ومصادره التراثية من قرآن وأحاديث وفقه وشريعة وتاريخ , فالقرآن والإسلام حمال أوجه عديدة كما قال على بن بى طالب , ومن هنا سيكون الإرهاب وجهة نظر وسيجد مريدين ومتعاطفين مع شعارات الحل الثورى الإسلامى وهذا هو سبب حضور ونشاط الإسلام السياسى .

إذا أردنا أن نعالج الأمور إسلامياً فلابد أن نحظى على إجماع من كافة القوى والرموز والشخصيات الإسلامية على منهج واحد فى الفكر والتوجه , كما على أصحاب الإسلام المتسامح أن يقهروا المتشددين فكرياً أمام الملأ بخلق وعى بإنحراف خوارج العصر وليس فقط الإكتفاء بالتبرأ منهم وسبهم ولعنهم .
لا أريد الإنزلاق فى مستنقع أن الإسلام هو من أنتج الدواعش والقاعدة ألخ من تنظيمات إرهابية , لذا أطالب أن تقام مواجهات علنية بين كافة أطياف الإسلام المعتدلة والوسطية كما يقولون أمام الإسلام العنيف المتمثل فى كافة التيارات الجهادية التكفيرية السلفية ليتم الفرز والوعى أو لنحظى بظهور إسلام حداثى جديد من مخاض هذا الصراع أو نأمل ظهور الفكر العلمانى الذى يعفينا من هذا التناطح والتشاحن .

لابد من توفر مناخ فكرى خر ناقد وباحث أمام الأفكار التقريرية , فأنا أرى أن ملاحقة كل باحث إسلامى كإسلام البحيرى هو تمهيد التربة لأصحاب الفكر الإقصائى الإرهابى أن يتواجد فنحن نربى أجيال على الرضوخ والإنبطاح ومناهضة أى فكر ناقد , وهذا يساعد وينمى ويغذى الفكر التكفيرى ليكون أرضية للعمل الإرهابى .

سأثير مشهد ليس غريباً عن بحثنا فى أسباب الإرهاب , فعندما نجد ما يقال عنهم معتدلين أو قل من يريدوا المزايدة بشن حملة مسعورة على السيدة فريدة الشوباشى الناصرية كونها نقدت قول الشيخ الشعراوى بأنه سجد لله شكرا على هزيمة مصر فى 67 ليهب الجميع بلعنها ولا تكتفى الأمور بهذا بل بمحاولة محاكمتها بقانون غريب وشاذ يعتنى بحماية الشخصيات التاريخية من الإساءة لنصل للدرج الأسفل من الحضارة بمصادرة وإقصاء أى فكر ناقد مع تقديس الشخصيات الدينية والسياسية والإجتماعية فى سابقة هى الأولى عالمياً فى القرن الواحد والعشرين .
المشهد السابق ليس بعيداً عن معالجة ظاهرة الإرهاب , فالنظام يغازل التطرف بخلق أرضية قوية للإقصاء كما يخلق تقديس للتابوهات , فلا يجوز الإقتراب منها مزايداً على الأصوليين التكفيرين , فهذا يصب فى منهج الفكر الإرهابى الذى يعتمد على الإقصاء الشديد وتقديس رموزه وقهر البشر على الرضوخ والإنبطاح لما يعلنه ويقدسه , فحينئذ لن يجد صعوبة فى ذلك بعد أن أعد مجلس النواب له الأرض بإرهاب كل فكر ورأى حر عن طريق قانون يُجرم من ينقد الشخصيات التاريخية وما سبقه من قانون إزدراء الأديان .

لن تجدى مكافحة الإرهاب فى ظل مغازلة المتطرفين وغض النظر عن كل من يروج للإرهاب بشكل مباشر أو غير مباشر وهذا حادث بالفعل على كافة المستويات من خلال إطلاق الحرية للسلفيين فى المساجد والأزهر والزوايا والمحطات الفضائية ليصبح أقوال وفتاوى هذا الشيخ أو ذاك مسمماً للأجواء مانحاً الفضاء لظهور نبت التطرف والتكفير والإرهاب .

كل خشيتى أن ينتقل الثقل الإرهابى إلى ليبيا بعد إنهيار داعش وفرار الدواعش من سوريا والعراق ليجدوا فى ليبيا ملاذ آمن لتحقيق نموذج جديد لدولتهم المنشودة ولتنال مصر حظ وافر من العمليات الإرهابية .

لن يجدى الحل الأمنى فى نزع جذور الإرهاب فهناك بياضة تنتج كل يوم طابور من الإرهابيين لذا يجب أن تكون المواجهة الحقيقية فى التصدى للفكر الذى ينتج إرهاب وذلك إما بعزل الفكر الإسلامى الإرهابى وإستحضار حالة إسلامية عصرية جديدة أو تصعيد الحل العلمانى وترسيخه فى ثقافة المجتمع .
عزل الفكر الإسلامى المتطرف الإرهابى لن يجدى فى ظل وجود رؤى متباينة تتعامل مع الإسلام , فالصقور لديهم نصوص وتراث كما لدى الحمائم بعض النصوص والتراث , لذا من الأهمية تصعيد الحل العلمانى الذى يعزل الدين عن الشأن السياسى والإجتماعى فبدون هذا التعاطى سنكون كمن يحرث فى الماء .

يجب تفعيل مواد الدستور بحظر تام وشامل لكافة الاحزاب الدينية أى حظر تسييس الدين أى حظر الإسلام السياسى بدون إستثناء أو مغازلة أو تبادل للصفقات كما هو حادث بالسماح للسلفية بالتواجد نظير التحالف فى القضاء على الأخوان , فأنا ارى السلفية أكثر خطورة من الإخوان فمن عباءتها خرجت كافة التيارات والأحزاب والمنظمات الجهادية والتكفيرية والإرهابية .

أرى الحل فى مشروع مدنى ومفاهيم مدنية علمانية حضارية كما يحدث فى أوربا والعالم المتحضر , فلتنطلق كل الأفكار والأراء والتوجهات لتتصارع على أرض الواقع , وليكون التقييم مدنياً وليس دينياً أى أننا نرفض الإرهاب بكل أشكاله وتوجهاته كونه يخاصم ويعادى الإنسانية ولن ننتظر حضوره أو رفضه من فتاوى ورؤى دينية .. أرى التعامل بنهج إنسانى علمانى وليس إسلامى هو الحل فهذا هو الأفضل على كافة المستويات , فهو يجنب الإسلام التصادم مع قيم وحضارة العصر كما يسحب البساط من المتاجرين بالأيدلوجيات والعازفين على أوتار وعواطف المسلم البسيط .

لى نظرية تتعامل مع الأمور والظواهر الاجتماعية كالإرهاب من رؤية سيكولوجية نفسية , فجوهر القضية أن هناك عنف كامن تحت مسام جلدنا ليتفاوت من إنسان لآخر وفق حظه من التربية والثقافة والتحضر , ومن هنا الإرهابى هو صاحب نزعة قوية فى ممارسة العنف ليبحث عن أيدلوجية أو نص مقدس يسمح له بممارسة العنف بتلذذ وبضمير مستريح ودم بارد , لذا تكون المعالجة إجتماعية ليس بحجب وعزل النصوص فأنت لن تستطيع أن تخفى التراث , ومن هنا أهمية الإعلان عن تاريخيتها وأنها تخص حدث تاريخى قديم كما إنتهج اليهود والمسيحيين فى فهمهم وتعاملهم مع الكتاب المقدس , أما فى الإسلام فالأمور أكثر تأصيلاً فلدينا أسباب التنزيل التى تفسر كل آية بخصوصية وظرفية زمانها , ثم تأتى المعالجة العملية الجذرية بدراسة الظروف الإجتماعية والإقتصادية والسياسية التى أدت للإحباط والتى أنتجت البحث عن الحل العنيف .

للأسف وللأسف الشديد لا توجد أى بادرة تبعث على التفاؤل فى التخلص من الإرهاب , فلا توجد أيدلوجية ولا إستراتيجية لتجفيف منابع الإرهاب بل القوى المنوط بها مقاومة الإرهاب تتخاذل وتمرر الفكر المتطرف بل تحتضن التطرف والإرهاب تحت عباءتها , مع غياب تام للقوى العلمانية واليسارية , كذلك غياب مشروع قومى يكون بديلا للفكر الرجعى كما حدث فى الفترة الناصرية ,فالتطرف والإرهاب يتأجج من غياب المشروع , ولتزيد الأمور سؤاً تدهور الحالة الإقتصادية وإنعدام العدالة الإجتماعية ليؤجج هذا الغضب منتجاً حالة من الإحباط والعنف فى ظل غياب تام للبوصلة .

أغبياء من يتصورون أن إسرائيل هى المخططة والمنشطة للإرهاب فى بلادنا , فنحن من غباءنا وتخلفنا جديرون أن نقوم بمهمة تخريب بلادنا بسواعدنا .

دمتم بخير.
- "من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته " أمل الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع .