لاكان, التوسير, واليساريون من اعوان المؤذن!

طلال الربيعي
2017 / 11 / 27

تطرقت في مكانات اخرى الى بعض الافكار الاساسية للمحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان (1901-1981). واتطرق في هذه المقالة الى بعض جوانب تاثير لاكان على اليسار والماركسيين, وبالتحديد على المفكر الماركسي الفرنسي, المولود في الجزائر, لوي التوسير (1918-1990) ومفاهيمه الخاصة بالايدلوجية.

لاكان ليس ماركسيا، كما أنه لا يبدو أن له موقف سياسي واضح على الرغم من ان كتاباته احتوت عددا قليلا من تصريحات غامضة مناهضة للرأسمالية في فرنسا. و تأثيره لا يقتصر على اليسار. بل ويشمل ايضا الجناح اليميني "الفلاسفة الجدد من انصار السوق الحرة". حتى في بريطانيا، حيث كان تأثيره واضحا على اليسار, الا ان تأثيره كان غير مسيسا. وقد يعود هذا ليس لعمله في التحليلي النفسي قدر ميله إلى ما يسميه البعض بتجاهل الحقائق خارج اللغة وافتراضه أن "الخطاب" كاف. وهذا امر غير صحيح, وساعود لمعالجته ببعض التفصيل في مقالات لاحقة تتعلق بدراسة علاقة لاكان بالماركسية. وهي ليست سلسلة مقالات بل مقالات منفصلة, ولكن بعض التكرار والاعادة قد يكون محتما لشرح الفكرة من جديد او تبسيطها ان امكن ضمن سياق المقالة ومحتواها.

ولكن, حسب البعض, هنالك طرق اكثر تحديدا، حيث كانت لأفكار لاكان تأثيرا على الافكار الاشتراكية الحديثة سواء كان هذا التأثير جيدا أو سيئا، ويتطلب ذلك معالجة منفصلة هنا, كما يتمثل ذلك في تأثيره على نظرية ألتوسير في الأيديولوجية.

في مقالته "الأيديولوجيته والدولة" التي يتضمنها كتابه "لينين والفلسفة" [Lenin and Philosophy], يؤكد التوسير ان هدف كل أيديولوجية هو (الاشادة) بالفرد واعتبار الشخص عاملا مستقلا، وليس نتاج مجتمع محدد بسبب الوضع الطبقي. ويستخدم التوسر لذلك مثال الأيديولوجيات الدينية-كمفاهيم اخلاقية عابرة للتاريخ ومجردة من محتواها الحقيقي ومنفصلة عن واقعها الاجتماعي-الطبقي. فلو طبقنا مفهوم التوسيرعلى مجتمعاتنا, حيث يؤذن المؤذن خمسة مرات وفي آلاف الجوامع كل يوم "حي على الفلاح, حي على خير العمل!". والنتيجة في الواقع العملي معاكسة لما ينادي به المؤذن, حيث الفساد والظلم ينتشران انتشار النار في الهشيم وكلما ارتفعت المزيد من المنارات وتكاثرت اعداد الجوامع. ولكن هذا التناقض بين ما يدعو له المؤذن, من جهة, والواقع, من جهة اخرى, لا يشكل بالنسبة للمؤمنين اية مشكلة ذات شأن. فايمانهم يتحدد فقط من خلال ارتفاع صوت المؤذن بالأذان وتكراره, وليس بتطبيق فحوى الاذان. والتكرار, حسب فرويد, هو صفة لغريزة الموت Thanatos, وليس صفة لغريزة الحياة Eros. وواقعية صوت المؤذن و(تكرار) اذانه هو اكثر واقعية hyperreality من الواقع reality نفسه. ان صوت المؤذن هو بمثابة صوت الله الذي يستدعي من المؤمن الطاعة بتأدية الصلاة. والايمان يعني طاعته (المتكررة). وتكرار الأذان واطاعة المؤمن لا تقتضي تغيير الواقع قيد شعرة, فليس هدف المؤذن, او من يُؤذن باسمه, تغيير الواقع. هدفه هو اختبار طاعة المؤمن لربه. والطاعة لا يمكن اثباتها مرة واحدة والى الابد. بل يجب تكرار اثباتها على الدوام. وهذا التكرار نجده ايضا عند العشاق والمحبين. فلا يكفي ان يقول الحبيب لمحبه "احبك" مرة واحدة, فالاثبات بالقول او الفعل ينبغي ان يتكرر, والافضل ان يتكرر بما لا يحصى من المرات. وكلما زاد التكرار كلما زادت النشوة وتعاظم الخيال وتقزّم الواقع. وهذه الآلية شبيهة لما يحصل عند مشاهدة الافلام السينمائية, مثلا. فالعديد من فقراء الهند ومسحوقيها يقصدون السينمات بشكل اشبه بالادمان, والادمان يتضمن ايضا التكرار وينتمي بذلك الى غريزة الموت. ويصرف هؤلاء القليل مما يملكونه في مشاهدة افلام بوليوود التي تقدم لهم عالما ساحرا وخلابا يناقض عالمهم اليومي البائس. فاذا كان الدين هو مخدر الشعوب حسب ماركس, فاننا يمكننا ان نضيف مخدرات اخرى في عصرنا الحديث لربما لا تقل تخديرا عن الدين او حتى تتفوق عليه. وسينما بوليوود هي احدى المخدرات. هذا لا يعني ان سينما هوليوود التي تسوق الحلم الامريكي غير مماثلة لسينما بوليوود في سلوكها كمخدر. لكن الشبه هو ظاهري فقط ولا يمكنني هنا تفصيل المقارنة بين الاثنتين بدون التطرق قبلها الى امور ليست من اهداف هذه المقالة. وطرف مقابل من الكرة الارضية يشهد عرسا كرنفاليا كل عام. انه كرنفال ريو دي جانيرو في البرازيل, حيث يمكن فيه للشحاذ او المتسولة ان يلعبا ادوارا تضفي عليهما الرفعة وعلو المقام وتنسيهم واقعهم المزري على الاقل ليوم او ليومين. واليوم او اليومان افضل بكثير من لاشيئ. ولكن الاهم بكثير هو الترقب طوال السنة لحدث الكرنفال, والترقب مشبع بخيالات عذبة وخصبة ترفع الشحاذ والمتسولة الى مصاف الملوك والملكات وتجعل الحياة محتملة, بعض الشيئ, طوال السنة. ان الحدث, الكرنفال, يبقي الرغبة desire حية ومشتعلة. والحياة يصعب عيشها دون رغبة او حلم. ولكن الرغبة بشيئ او بشخص او بمنصب تختفي حالما تتحق الرغبة ويحصل الشخص على ما يرغبه. لذا فتحقيق الرغبة يصاحبه شعور مؤقت بالرضا او الفرح, ولكنه شعور سيتبدد باسرع من لمح البصر, لانه حالما تتحقق الرغبة فانها ستبحث عن موضوع جديد للرغبة. والرغبة, بعرف لاكان, لا يمكن اشباعها بتاتا.

ان دعوات المؤذن تهمل الرغبة. والرغبة لا تسمح مطلقا وحتى للحظة واحدة العبث بها. ان الرغبة تحيل آذان المؤذن الى ما هو ضجيج فقط ليلوث البيئة. انه صوت الموت الذي يتكرر ولا يتوقف ولا يتغير, حاله حال الموت الذي يتكرر ولا يتوقف ولا يتغير. وواجب المؤذن هو الباس الرغبة القناع الذي تختفي خلفه الرغبة التي لا يمكن اشباعها او ارضائها. لذا سيبقى الفساد وسيتعمق في دولة مثل العراق, ليس برغم اذان المؤذن, بل بسببه.

والبعض من اليساريين يدعون الى مهادنة الدين ومظاهره! ولان ما هو دين يعرف هكذا فقط من قبل المتدينين انفسهم وحسب ما تقتضيه مصالحهم, فهذا سيعني لا شك منح صكوك الغفران الى كل ما يمت للدين بصلة والانصياع بذلك الى قدسية من صنع البشر (وهي دوما من صنع البشر). واليساريون هؤلاء يزعمون انه ليس من المرغوب او المستحسن الاساءة الى مفردات الدين. والاساءة هي مفهوم متحرك وليس جامدا. وهو دوما يستخدم كسيف ديموقليس المسلط على رقاب البشر. وهؤلاء اليساريون هم اعوان المؤذن الذي يعلي صوت الموت, او بالاحرى يمنحه صوتا. وهم ايضا, شاؤوا ام ابوا, سيكونوا من جند الرغبة وسيزيدون من توقد نيرانها. ان الرغبة لا تتعامل مع كلمات معسولة او نيات طيبة او سياسة النفس الطويل او مبدء يدعو الى احترام المراحل, ولا تعير لها اهتماما بالمرة. ان الرغبة هي تنين فاغر فمه طوال الوقت وحال التهامه فريسته يبحث عن فريسة اخرى وحال التهامه اياها يبحث عن فريسة اخرى, والى ما لانهاية. وفي واقع اقتصاد يعقب اختراع النقود وظهور الملكية الخاصة, فليس هنالك حتى ادنى ومضة من امل بالقضاء على التنين, مهما تكررت نداءات المؤذن ومهما بلغت مهادنة اليسار له ولاتباعه.

فالملكية الخاصة والنقود هما متلازمتان. والنقود كاعداد لانهائية. ولكن اللا نهاية هي خداع. فليس هنالك من علم تجريبي (امبريقي) يستطيع اثبات وجودها, وهذا بالطبع لا ينفي محاولات بعض علماء الرياضيات والمنطق لاثبات وجودها. ولكن البرهان الامبريقي على جودها او عدمه ليس مهما بالمرة للاغلبية الساحقة من الناس. فوجودها كدالة في اللغة, الخطاب, يرفعها الى مصاف الذي هو ليس مصاف الحقيقة فقط, وانما ايضا الى مصاف الحقيقة اللامتناهية, رغم ان المدلول لا يمكن تحديده, قياسه, تعريفه. ولكن هذا لا يثني البشر لحظة واحدة من البحث عنه والسعي الى امتلاكه, وان كلف ذلك موت ما لا يحصى من اعداد البشر وتدفق الدماء كانهار. والرأسمالية تخاطب الرغبة وتداعبها وتغازلها وتوعد كل الناس بالغنى (اللانهائي-الحلم الامريكي!) اذا ما اجتهدوا وكدحوا. ولكون الغنى يعرّف من خلال اعداد النقود اللانهائية, ولانهائيتها هي نفسها لانهائية الرغبة, لذا فان الرأسمالية تستمر في العيش وتبقى على الحياة لانها توعد الناس باشباع الرغبة التي لا يمكن اشباعها. المشكلة ليست في الوعد بقدر تصديق الناس للوعد. وكلما زاد تصديقهم كلما زاد اغترابهم. وعندما يفشلون في تحقيق الرغبة, وهم سيفشلون, يشعرون بالكآبة او باعراض نفس-جمسانية او يلجؤون الى المخدرات اوالاكثار من ممارسة طقوس الديانات. والسعادة دوما شروع مؤجل, لانه, كما ذكرت اعلاه, الرغبة لا يمكن اشباعها ولان النقود اعداد لا نهاية لها. والمحصلة هي زيادة اغتراب الانسان الذي تؤكده تقارير منظمة الصحة العالمية التي تفيد بتزايد معدل الاصابة بالكآبة عشرة اضعافها حاليا على الاقل مقارنة بمعدلها في نهاية الحرب العالمية الثانية, وذلك بالرغم من التطور العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي الهائل الذي شهدته البشرية في العقود الاخيرة, وبضمنه التطور الكبير في الطب النفسي!