قتل الروح

سامي عبد العال
2017 / 11 / 27

القتْل الجسدي لصاحب " رُوح ديني" لا يظْفر بموته إطلاقاً. لأنَّ الموتَ في هذه الحالة يحتاج كياناً مادياً للقيام بوظيفته. كيف ذلك إذا كان الميتُ لا يستجيب لمؤثرات المادة ولا يحيا وفقاً لها كالمتصوفة وأصحاب الروحانيات؟! هذا على هامش اغتيال" شياطين داعش" لأكثر من ثلاثمائة شخص ينتمون لإحدى الطرق الصوفية في سيناء. ستُحلِّق أرواحُهم ثانيةً وثالثةً... على هيئة لعنات تستقر في عقر معتقدات الإرهاب وممارساته.

الآن لنتساءل: هل تحول القتل لدى الإسلام الداعشي إلى سلاح ضد الروح، ضد الأفكار، ضد الأخيلة، ضد فكرة الإله ذاته؟!

خطورة داعش والوهابية المتصحرة وجماعات الإسلام السياسي أنَّها تتذرع بمبررات فقهية مدمرة لا للنيل من الأجساد فقط، بل من الأرواح أيضاً. وهذا دليل على شيء أغرب أنَّهم يصعدون فوق الجثث لملاقاة الإله حصراً. وقد رسموه سلفاً بأدمغتهم الفارغة معتبرين أنَّه يبارك القتل. وسيعمدهم في آبار دموية عرضها السماوات والأرض.

إنَّها الخطيئة- كل الخطايا- عن بكرة أبيها منذ صراع قابيل وهابيل حتى اغتيال المتصوفة على ذات الرمال التي شهدت التيه اليهودي والهكسوس وجحافل الاستعمار طوال العصور. وهي نفس الرمال السيناوية التي شهدت تجلي الرب لموسى كما ورد بالكتب المقدسة عندما خرَّ صعقاً وتهدل الجبل دكاً. لقد تشربت الرمال وتخضبت بالدماء بعدما كانت ترى وجه الله.

ذات مهزلةٍ قال أحد الدواعش عندما سئل عما يفعل هو جماعته، وما إذا كان منطقها المبدئي مفهوماً أم لا؟ قال: نحن نحاول أنْ نملأ جهنم من المرتدين والكفار. وإذا لم نفعل ذلك فكيف سيكون مصير هؤلاء الذين يحاربون الله ورسوله؟ وردد كذلك: لن تشتغل الجنة والنار ما لم نقتل هؤلاء بأيدينا. الله وضعنا في الدنيا لإنجاز العمليات الاستشهادية لتصدير(لإرسال هكذا أرغى وأزبد) الجثث إلى جهنم!! نحن نمارس حرفياً ما قاله الله لنا من تطبيق شريعته. ومن نعمائه علينا أنْ اختارنا للقيام بذلك... ونحن نشكره ونتضرع إليه بالحمد أنْ استعملنا لإنفاذ شرعه في الأرض.

هل هذا منطق أم " كوميديا داعشية" لو أراد دانتي اليجيري كتابتها لأختار التعجيل بجهنم فواراً كمداد ناري لكلماته؟! الدواعش هم شياطين تجسد النصوص الفقهية التي تغذوا منها تراثياً وحياتياً. لم يكن ابن الجوزي (صاحب كتاب تلبيس إبليس) وابن تيمية إلاَّ مشاركين- الآن وبعد الآن- في عمليات داعش لقتل المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى.

ابن تيمية كفرَ الصوفية واعتبرهم زنادقة يحرفون الدين الصحيح. وأنَّهم يدسون في جوهره – كما يعتقد- فلسفات اليونان وهرطقة الديانات الشرقية! ولو كان ابن تيمية حيَّاً ما كان إلاَّ أنْ اعتلى مقعد أبي بكر البغدادي. وربما لفجَّر نفسه في المسيحيين أو المسلمين الكفار في مدن العرب. وهو في الحقيقة لم يكن – بالنسبة لداعش والوهابية- تاريخاً غابراً. إنَّه صنم مازال يُعبد إلى الآن، يقدم له الإرهابيون قرابين بشرية يومياً.

علينا أنْ ندرك أنَّ ذهنية الدواعش تعشعش في الماضي. هم أحياء ليسوا هنا لكن هناك حيث الصحراء القاحلة وجز الرقاب وفقهاء الظلام وأحكام البتر والسحل وتقطيع الجثث ومضغ الأكباد... وجميعه وفقاً للشريعة ولتأصيل النصوص عن النصوص!!

ماكينة داعش الإرهابية لن تتوقف ستُلاحق أرواح المتصوفة وغيرهم حتى لو كانت في الجنة. ستحاول إخراجها والتنكيل بها أمام المارّة بطول العالم كله. هؤلاء القتلة أشباح تطارد أشباحاً. وكم نجح الإسلام السياسي في تصنيع هؤلاء الأشباح من الإخوان والسلفيين مروراً بتنظيم التكفير والهجرة وأنصار بيت المقدس... جميعهم ينعقون موتاً محتوماً لمن يخالفهم.

لن ينجح العالَّم المعاصر( شرقاً أو غرباً) في اجتثاثهم إلاَّ باجتثاث الفكر الإرهابي من جذوره، تفكيك الموروثات التي يعبئونها في جماجمهم ويدمنونها كمن يدمن المخدرات. إن النصوص التكفيرية لهي أفيون الجماعات الإسلامية حقاً... لعدة أسباب:

1- يعطي طاقة مدمرة إلى حد تجاوز مشكلات الواقع المأزوم. فالتكفير يعني الموت للاستشهادي المنتحر وللضحايا. والقسمة واضحة: هذا في الجنة وهؤلاء في النار. إذن النتيجة مؤكدة. وليس يفصل الإرهابي بينه وبين الجنة إلاَّ النَّص الديني والحزام الناسف.

2- يغذي التكفير سلطة الأدمغة الخاوية، يفرز لديها تنميلاً بآثار الموت الذي يمارسونه. لنتخيل أحد أفرادها الأجلاف الحافي من جميع مفاهيم العصر وهو يقتل ويذبح ويسلخ البشر. أليست تلك مكانة الإله على الأصالة مثلما صوروه؟! ها هو أحدهم يأخذ ذات المكانة. وينال سعي الدنيا وجنة الآخرة باعتقادهم. الإفراز هنا يفوق أثر الأفيون ذاته.

3- التكفير هو جائزة الإرهابي الذي يلهث وراء أي سلاح فتاك. ولهذا لن يكف الإرهابيون عن استخدامه مطلقاً. فهو سلاح بتار ينهي جميع المماحكات والمبررات التي قد تحدث بين الجماعات ورافضيها. وهو سلاح سهل ليس به إلاَّ حشو النصوص والفهم الحرفي وفائض ضخم من الكراهية.

4- يحل التكفير ثنائيات: الأنا – الآخر، الإيمان- الإلحاد، الشرق- الغرب بضغطة زر واحدة. ويرسم مجتمعاً من الأحجار الصماء. لكن الإسلاميون تناسوا شيئاً مهما لو كانت جماعاتهم تجسيداً للإيمان الخالص فلن يكون هناك حياة ابتداءً. ولهذا فإن التكفير ينطوي في بذرته على القتل إن لم يكن هو القتل نفسه. لنا أن نتخيل أنَّ هذا التكفير المضمر في الموروثات الدينية كم سيفرخ من الإرهابيين بلا توقف.

5- لا يعترف التكفير بالجوانب الروحية. ببساطة لأنَّ كلَّ تكفير يجسد موضوعاته، يشخصها حتى ينال منها. إنَّه بقايا الوثنية التي تنخُر في هياكل الديانات التوحيدية. فهل هو قرار، أليس هو عملاً أهوج بلا مراجعة حتى وإن كان بشروط كما يتشدق الفقهاء؟! كيف لدين أنْ يزعم بناء الحياة إذا كان يتعامل مع المخالفين بالمعني المدمر لها أصلاً؟

وإلاَّ ما هذا الغل الطافح بالانتقام المُصر والمترصد والمنفذ؟ قيل – كما نقلت وسائل الإعلام- إنَّ الإرهابيين أحاطوا مسجد الروضة من جميع اتجاهاته. ثم فجروا الباب الرئيسي كي يحاصروا المصلين. وبعد ذلك أجهزوا عليهم داخل المسجد ومن النوافذ. حتى باتت ساحته بركة من الدماء الساخنة. أي إيمان هذا الذي يغتسل صباحاً ومساءً بدماء الضحايا؟! هل القتل هو النهاية العملية لتنظيرات متفيهقة بمنطق متصحر جَلف؟!

إنَّ فقهاء التكفير أنتجوا للعولمة وللحضارة الراهنة أجلافاً لا يعترفون بأي روح متسامحة ولو كانت متصوفة. التصوف في مصر هو الملجأ السري لحماية النفس من التشقق والموت الحياتي أمام القهر والاستبداد.

صحيح هناك دراويش توظفهم السياسات بعيداً عن الحياة الفعلية، إلاَّ أنهم– في غالب الأحوال- مسالمون، لا يملكون من يومهم إلاّ خرقة بالية ولقيمات بين طيات ملابسهم وحذاءً ممزقاً تحت إبطهم وكثيراً من المجهول داخل عيونهم.

المتصوفة هم الأرواح الهائمة التي لا تضر أحداً. كيف يستقيم قتلهم كأنهم أعداء الله؟! واللافت أنَّ هناك عدداً من الأطفال قُتلوا في مذبحة الروضة. وليس ذلك إلاَّ لأنَّهم وُجدوا في موقع الجريمة وهو نفسه موقع الإله ( المسجد). والمفارقة أنَّ المتصوفة يسمون في أدبيات التصوف بعيال الله.

لقد قتل الإرهابُ عيال الله وقتل أطفالاً في سن الزهور. لكن السؤال: ماذا سيبقى للمستقبل وللسماء إنْ كانت تنتظر شيئاً؟!