هؤلاء الهجّاصون .!!

أحمد صبحى منصور
2017 / 11 / 26

هؤلاء الهجّاصون .!!
جاءتنى هذه الرسالة من أحد الأحبة : ( ... اثناء بحثى في الانترنت فوجئت ببعض المستشرقين المؤمنين ببشرية القران يثيرون وقائع غريبة يقولون انهم استدولوا عليها من البحث التاريخى في اللغات الشرقية والمخطوطات. ومن هذه الشبهات هى :
1- قصة تحطيم سيدنا ابراهيم عليه السلام للاصنام وواقعة القاؤه في النار: يقول هؤلاء الباحثين ان هذه القصة لم ترد بالتوراة لكنها ووجدت في كتاب تفسير يدعى ( مدراش ربا ) وقد وردت هذه القصة بتشابه كبير مع القصة القرانية. ثم يتطرق هؤلاء عن سبب عدم وجود تلك القصة في التوراة هى عدم حدوثها اصلا لكنها نتجت عن ترجمة خاطئة للتوراة من اللغة العبرية الى اللغة الارامية وادعو انها ترجمة الى السريانية بعد ذلك ونقلها محمد وهو لا يعلم انها قصة ملفقة نتيجة خطأ في الترجمة . خطأ الترجمة ينحصر في كلمة جملة في سفر التكوين تقول ( انا الرب الذي اخرجك من أور الكلدانيين ) وعللوا ان الجملة كانت عبرية ولكن كلمة أور ليست عبرية ولكنها كلمة بابلية بمعنى مدينة حيث موطن سيدنا ابراهيم الاصلى وهى بمعنى مدينة واستدلوا على صحت ذلك بكلمة ( أور شليم ) والمقسمة الى جزئين اور بمعنى مدينة وشليم بمعنى السلام وان ترجمتها هى مدينة السلام . ولكن كلمة أور بالعبرية تعنى النار او اللهب . واستنتجوا من ذلك ان كاتب ( المدراش ربا ) قد اخطا في ترجمة الجملة فأصبحت ( انا الرب الذي اخرجك من تنور نار الكلدانيين ) وبناء على ذلك فقد نسج كاتب المدراش قصة تحاور ابراهيم مع النمرود رغم ان النمرود وفقا للتوراة قد وجد قبل ابراهيم بعدة قرون وانتهى الى قصة القاؤه في النار وفقا لتلك الترجمة . واستدلوا على ذلك ان الرسول قد نقل تلك الرواية من المدراش وهو غير عالم بعدم صحتها كما نقل قصة فتية افسوس ( اهل الكهف ) والتى وفقا للمدراش ليست قصة حقيقية بل قصة كتبها شخص يدعى يعقوب السروجى للدلالة على صحة البعث .
2- حاولت ان اتتبع اصل هذا الامر لم اصل الى نتائج شافيه ولكننى قرات بحث اسلامى بالانجليزية يقول ان مخطوطات المدراش ربا المكتشفة ترجع الى 400 او 500 سنة وهو ما يعنى انها بعد البعثة ورجح ان المدراش كتب بعد بعث النبى وانه من نقل من القران ولكن فكرة الخطأ في الترجمة مازالت تؤرقنى وتثير الكثير في نفسي لذلك قررت ان اكتب اليك لاننى اعتقد انك من اهل الذكر الواجب سؤالهم واطمع ان اجد ردا على هذا الامر . هناك بعض الشبهات الاخري متعلقة بالخطأ في الترجمة لكلمة اور في قصة سيدنا نوح اذ يقول ان النص التوراتى كان يقول ( ولما فارت اور قلنا احمل فيها من كل زوجين ) ولكن الخطأ في الترجمه جلعها (ولما فار التنور ) كما ورد في النص القرانى وهو يقول ان المعنى مستقيم في النص الاصلي لانه بشير الى ان الامر الى نوح قد صدر عندما فارت المدينة وغمرت بالمياه بينما هو شاذ في النص القرانى اذ لا علاقة بين فوران الفرن (التنور ) ببداية الطوفان ويستدل في النهاية بان القران كان من نقل الرسول القصص من المدراش دون التثبت من صحتها مما اوقعه في الكثير من الاخطاء
3- ارجو منك يا دكتور ان توضح لى الامر فانا غير متخصص وقد حاولت جاهدا على قدر استطاعتى لكنى لم اصل الى امر يوضح لى ذلك وهذا الامر يسبب لي ارق شديد . ) . وأقول :
أولا :
1 ـ هناك مجال فى البحث التراثى هو ( التحقيق ) ويتركز فى تحقيق المخطوطات . فكتاب تاريخ الطبرى مثلا ، مخطوط بعدة نُسخ ، منها نسخة أصلية بخط المؤلف نفسه ، ثم نسخ مخطوطة مختلفة على مدار السنين نسخها من مخطوطة المؤلف نُسّاخ أخرون ، وفى العادة فالناسخ يكتب اسمه وتاريخ نسخه . الباحث الذى يقوم بالتحقيق يراجع كل النسخ المخطوطة ويختار منها نسخة مرجعية يجعلها الأصل ، إن لم تكن النسخة المخطوطة مكتوبة بخط المؤلف ، فتكون أقرب نسخة الى عصر المؤلف ، ثم يقسم النسخ المخطوطة الأخرى تبعا لجودتها وزمنها الى (أ ) ، ( ب ) ، ( ج ) ، (د ) الخ ... ويعرض كل كلمة من هذه النسخ على النسخة الأصلية . وويكتب التحقيق بالنسخة الأصلية ، وفى الهوامش يعرض للإختلافات بين النسخ ، وملاحظاته على الكلمات إذا كان فيها إختلافات ، أو كان هناك شطب بالقلم ، أو محو أو حروف ناقصة أو تعليق ، أو خطأ فى كتابة آية أو حديث . ثم يتبع هذا بدراسة تحليلية للمخطوطة محل بحثه ، يتناول فيها شخصية المؤلف فى عصره وتأثير عصره فيه وتأثيره فى عصره ، ثم يقوم بتحليل المخطوطة . تقريبا هذا ما فعلناه فى تحليل مقدمة ابن خلدون . لم نحقق الأصل لأنه منشور ومشهور ، ولكن حللنا شخصية ابن خلدون وحللنا مقدمته . هذا نوع من البحث التاريخى المنضبط .
2 ـ هناك هجص بحثى يهواه المغرمون بالشهرة والذين فى قلوبهم مرض ، وهم يقدمون عليه بجرأة شديدة لا تعرف الخجل ، وفى عصرنا الردىء يحظون بالشهرة ، لأن الاعلام يهتم بالغرائب ، فلو أن كلبا عضّ رجلا لا يلتفت اليه الاعلام ، أما إذا عضّ الرجل كلبا أصبح هذا الحدث عنوانا فى الاعلام . يجد أولئك غايتهم فى الطعن فى الاسلام ، فيدخلون فى البحث فى القرآن الكريم متسلحين بجهل هائل لا يفوقه إلا رغبتهم فى الطعن فى القرآن الكريم ، ولهم مبرر يتمتعون به هو أن هذا القرآن صناعة بشرية صنعه محمد بن عبد الله القرشى فى القرن السابع الميلادى . ومن هذه البداية الخاطئة ينطلقون الى تخطئة القرآن ـ وأن محمدا إستقى المعلومات من كيت وكيت ومن هذا ومن ذاك .
3 ـ لم يتوقف أحدهم مع نفسه متسائلا : كيف لرجل من العرب ( الأميين ) أن يكتب هذا القرآن بكل حقائقه التاريخية والعلمية ؟ وكيف يكتب كتابا يحوى تأنيبا له ؟ وكيف يكتب قرآنا تنبأ بأحداث حدثت بعد أن نبّأ بها ببضع سنوات كما فى بداية سورة الروم (الم (1) غُلِبَتْ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6) الروم )؟ وقد عرضنا لهذا فى مقال منشور هنا عن الحرب بين الروم وفارس ، وكيف كانت نتائجها بالضبط وفق ما أنبأ به رب العزة قبل أن تحدث . ومنها الآيات التى تشير الى تكذيب قريش للقرآن والعقاب الذى ينتظرهم ، وهو ما حدث فى الفتوحات والفتنة الكبرى، وشرحنا هذا بالتفصيل فى كتابنا عن( المسكوت عنه من تاريخ الخلفاء الراشدين ) . إعجازات القرآن الكريم التاريخية هائلة ، ومثلها إعجازاته فى إشارته العلمية سواء ما إكتشفه الانسان حاليا أو لم يكتشفه بعد ، فلا يزال القرآن الكريم سابقا لإنجازات الانسان العلمية والتقنية ، ولنا أيضا كتاب منشور هنا عن هذا . ومع هذا فليس القرآن كتابا فى العلم أو التاريخ ، هو كتاب إلاهى فى الهداية ، ومن خلال الهداية تأتى إشاراته العلمية وتشريعاته وقصصه سواء ما كان منه معاصرا وقت النزول ، أو كان عن السابقين ، أو ما تميز به من قصص وإخبار عن أحداث مستقبلية ، منها ما حدث بعد موت النبى فى الدنيا ،ومنها ما سيحدث فى اليوم الآخر . بالاضافة الى هذه الغيوب فى القصص فهناك الاعجاز الرقمى ، فكيف يكتب ( محمد بن عبد الله ) قرآنا مؤسسا على إعجاز رقمى ، بأحرف تبدأ بها بعض سوره مثل ( ألم ، ألمص ، ص ، ق ، طه ، يس ..) .
4 ـ هؤلاء الهجاصون السطحيون لا علم لهم بالقرآن حتى من يقرأ منهم العربية ، وحتى فإن أئمة الأديان الأرضية الذين يزعمون العلم بالقرآن لا يعرفون مصطلحاته ولا مناهجه فى التشريع والقصص والاشارات العلمية . على أن أصحابنا الهجّاصين السطحيين بالاضافة الى جهلهم بالقرآن فهم أيضا يجهلون مبادىء البحث التاريخى ، سواء ما كان منه معتمدا على مخطوطات أو على مكتشفات الآثار .
5 ـ وفى نهاية كتابنا المنشور هنا عن ( مصر فى القرآن الكريم ) ناقشنا الهجص الذى إندلع ولا تزال آثاره باقية فى عصر السطحية العلمية ـ والذى يزعم أن بنى اسرائيل لم يكونوا فى مصر بل فى الجزيرة العربية وأن فرعون موسى ليس حقيقة تاريخية . رددنا عليهم بالتفصيل ، ومما ذكرناه أن القرآن أشار الى أن بنى اسرائيل ومعهم موسى وهارون فى فترة التية تجولوا فى الجزيرة العربية أربعين عاما ، ودخلوا مكة وكفر أهل مكة بدعوة موسى وهارون وأتهمومها بالسحر ( القصص ـ 48 ) ، وبالتالى فالمفهوم أن فى تجوالهم هذا أربعين سنة قد تركوا آثارا تدل على هذا التجوال ولا تعنى إطلاقا أن تكون الجزيرة العربية موطنهم الأصلى أو أنهم لم يكونوا فى مصر . إنّ ( مصر ) هى ( مصر ) ومن الإعجاز التاريخى أن التوصيف القرآنى للدولة المصرية الفرعونية لا يزال ساريا على الدولة المصرية العميقة حتى الآن ـ وكتبنا فى هذا كثيرا فى مقالات متعددة عن الاستبداد الفرعونى .
6 ـ نسى أولئك الهجاصون أن الاكتشافات فى الآثار عشوائية ، وكل هذه المكتشفات المصرية ـ وغيرها ـ تنتمى الى عصور مختلفة ، وأنه هناك فجوات زمنية بينها ، وأننا لا زلنا نكتشف ، وسنظل نكتشف لأن مصر ترقد فوق طبقات من الآثار بعضها فوق بعض ، وبالتالى فإن القول الفصل فى تاريخ مصر قبل وأثناء الفراعنة وبعدهم ـ لم يأت أوانه بعدُ ، وأن التنقيب لا يزال مفتوحا ، وأن البحث المؤسس على هذا التنقيب يقبل التصحيح ويطلب المزيد ، ولم يقل أحد فيه الكلمة الفصل ، إلا إذا كان هجاصا .
7 ـ وينسى أولئك الهجاصون أن الفراعنة كانوا مغرمين بتزييف تاريخهم ، يتجاهلون فترات السقوط والهزيمة ، وأن بعض الفراعنة كان ينسب آثار السابقين لنفسه ، ويأتى من بعده فيحذ إسمه ويكتب إسمه مكانه .
8 ـ وينسى هؤلاء الهجاصون حقيقة أساس فى تاريخ البشر الدينى ـ وقد اشار اليها القرآن الكريم ، وهى أن كل نبى كان مرسلا برسالة يؤكد فيها ما ماقالته الرسالة الالهية من قبل ، ثم يموت ويعود الكفر يردد به اللاحقون ما قاله الكفار السابقون فيأتى رسول يعيد نفس الكلام ، وبعده يعود الكفر ويأتى رسول جديد وتتكرر الدورة الى أن جاء خاتم النبيين بكتاب محفوظ من لدن الله جل وعلا ، جعله الله جل وعلا مهيمنا على ما سبقه من كتاب إلاهى ، ومرجعية يحتكم اليه أهل الكتاب فيما هم فيه يختلفون .
9 ـ وينسى هؤلاء الهجاصون أن الرسالات السماوية كان يتم تحريفها ، والتحريف لا يعنى إلغاء الأصل تماما ولكن العبث به بالتغيير والحذف والإضافة ، وكتابات على منوال الرسالة السماوية يجعلون لها قداسة ( مثل كتب الحديث عند المحمديين ) . المستفاد أنهم كانوا يدخلون أشياء ويبقون على أشياء من الكتاب السماوى ويصبح هذا التغيير ثقافة دينية موجودة ، منها ما له أصل صحيح فى الرسالة السماوية ومنها ما هو زيف مفترى . وقد تم تسجيل بعض هذه الثقافات لبعض الأمم القديمة ، منها ما هو سمعى بالروايات الشفهية والحكايات الشعبية المتداولة عبر القرون كما فى روايات الهنود الحمر عن الطوفان ، ومنها ما تم تسجيله وتدوينه فى مخطوطات ونقوش فى المعابد والمقابر لا تلبث أن تتحول الى آثار مكتشفة . يأتى بعض الهجاصين اليوم ويقرأ ترجمة ركيكة لهذا وذاك فيرى فيها تشابها مع بعض ما جاء فى القرآن الكريم فيهلل صائحا أن ( محمد بن عبد الله ) نقل هذا فى القرآن الذى قام بتأليفه .
10 ـ وينسى هؤلاء الهجاصون أن تلك الثقافات القديمة عن عصور ما قبل القرآن الكريم ظلت حية ومثار نقاش فى عصر نزول القرآن الكريم ، وجاء بعضهم يسأل النبى عنها ، فنزل القرآن يقص بمنهجيته القصصية فى التركيز على العبرة فقط دون إهتمام بالتفصيلات غير الهامة . من هذا قصة أهل الكهف التى ذكر رب العزة بعض تفاصيلها التى تخدم العبرة والعظة ثم قال جل وعلا : (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (22) الكهف )، أى إحتدم جدل وقتها حول عددهم ، وهذا أمر لا يستحق الاهتمام . نفس الحال فى قصة ذى القرنين ، وفى بدايتها يقول جل وعلا : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (83) الكهف ) . أى سألوا النبى عن قصة ذى القرنين ، أى كان الأمر معروفا ومتداولا وفيه إختلافات فسألوا النبى محمدا عنه ، نزل الوحى لا يخبر بجميع التفصيلات ولكن ببعضها : ( قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (83)) .
أخيرا
1 ـ فى نهاية الأمر فهؤلاء الهجاصون يزعمون أنهم باحثون ، أى لا يجعلون هجصهم دينا . الفاجعة الكبرى فى أئمة الأديان الأرضية للمحمديين الذين جعلوا هجصهم دينا .
2 ـ عليهم اللعنة .